16/06/2009

تحيـــــة


من حيث أجلس هنا ، في غرفة مكيفة و على مقعد وثير..
لا أملك لهم إلا تحية تملأ القلب..

قوات مكافحة الشغب الايرانية تطارد مناصري موسوي في طهران


تحية للملايين من الجموع ، لملايين الطلبة الذين تكاتفوا للأيام الثلاثة الماضية ، رافضين أن تستمر إيران في التقهقر في غياهب العصور السحيقة. شاقين طريقا وعرا لإصلاح بلادهم مهما تكلفوا.
تحية لفتيان و فتيات ضربوا ، و سحلوا ، و استبيحت بيوتهم من قبل رجال الميليشيا ، لأنهم رفضوا نتائج انتخابات أقر بها العالم أجمع.
تحية لشباب الحرب الاليكترونية الذين سطروا تاريخ حركتهم ثانية بثانية على المدونات و التويتر ، مما أحرج كل وسائل الإعلام العالمية التي لم تعرف حقا ما الذي يدور بطهران.
تحية للمدونين و الناشطين بالعالم أجمع الذين ساعدوا الشباب الإيراني للتخلص من الرقابة و جعل الانترنت هو عيون العالم على ما يحدث هناك ، إن كان هناك من يكترث حقا.
تحية لأرواح ضحايا البارحة الذين قتلوا في طرقات طهران و اصفهان علي يد قوات الرئيس "المنتخب".
تحية للمرشح المهزوم مير موسوي القائل للثوار: ارموهم بالزهور، و تحية لانصاره الذين نفذوا.

أحد أنصار موسوي يرمي الميليشيا (الباسيچ) بالورود
متظاهر من انصار موسوي يساعد أحد ضباط الامن الذين جرحوا
(OLIVIER LABAN-MATTEI/AFP/Getty Images)



و طبعا ، لا زلت أُكن احتقارا رهيبا لكل من
السيد أحمدينچاد الذي رأي ان تحترق البلاد ، و إن ظل على عرشة ، و ما لبث أن هرب لروسيا.
الحكومة الإيرانية التي اغلقت كافة شبكات المحمول ، و الانترنت ، و منعت الصحفيين الاجانب من تغطية الاحداث.
السيد حسن نصرالله الذي لم ينفك أن أرسل مئات من حزبه لدعم السيد أحمدينچاد ، و سحق الثورة ضده، فلا ديمقراطية الآن.

اليوم، اثبت الإيرانيون ، أنهم أمة من الثوار ، أمة من المدونين ..
أتمنى ، أن تستمر الثورة.





14/06/2009

حول شجـــرة

كنت في هذه الأيام، عادة ما أرجع لبيتي في ذلك الحي القاهري العتيق بعد منتصف الليل، و طالما تعجبت كيف تنقلب أحوال شارع صغير من عشية لضحاها بشكل يومي ، فبعد منتصف الليل ، يكون الشارع هادئا صامتا بلا من مار.. عربات قليلة مصطفة ، و صمت مريح لدرجة كبيرة. عكس نهاراته الصاخبة ، حيث تصطف السيارات صفوفا وقد تمتطي الرصيف احيانا ، و يزخر حينها بالمنادين و الباعة و موظفي البنوك و المؤسسات الاجنبية. بستراتهم انيقة و رابطات عنق ملونة.
و حدث في أحد الأيام أن عدت يوما للشارع قبيل الفجر بقليل، كان صامتا مكسوا بأشجاره القديمة ، كان المنظر مريحا جدا ، لا أدري ما الذي جعلني التفت للأعلى فوق إحدى الشجرات الضخمة - ربما شعور خفي بأنني مراقب - و ما ان رفعت عيني حتى وجدت على أحد غصون الشجرة بومة بيضاء عملاقة ، تنظر مباشرة في عيني.
كانت كبيرة و بيضاء بلا شائبة ، تقف على غصن خارجي، و لما كنت أعتقد أن رؤيتي لبومة بهذا البهاء هو حدث استثنائي على ان اشكر الظروف عليه، فوجدتني متسمرا في مكاني لعدة دقائق لا افعل شيئا سوى الحملقة فيها، و البومة فعلت نفس الشيء ، و كأنه اتفاق بين كائنين أرضيين أن يتفرج كل منهما علي الآخر بلا ضرر ولا ضرار.
ما لبثت البومة أن اكتفت مني ، ففردت جناحيها بشكل استعراضي ، و حلقت، كانت عملاقة فعلا و أجزم أن المسافة بين الجناحين المفرودين تتجاوز المتر بقدر ليس بقليل. دارت نصف دورة فوق الشجرة الكبيرة ثم استقرت في غصن داخلي خفي فيها.
قررت ترك مكاني و الاحتماء دارا من برد الشتاء في حينها، و اتركها تلتقط الرزق كشأنها الليلي. أخذت أفكر لماذا يكره الناس البوم؟ وفكرت فيما تفعله حينما يصل الشارع لذروة جنونه مع التاسعة صباحا، فكرت ان كان لها من ابناء او ان كانت ضمن سرب ما، فكرت انني لا أعرف كثيرا عن البوم. قلبت بعض مواضيع عن البوم في الشبكة، و خلدت للنوم.

بومة بيضاء من فليكر،
منشورة تحت رخصة


مرت أشهر ، و صرت كلما مررت من جوار الشجرة صباحا أو مساءا لابد أن أرفع رأسي متابعا فروعها العملاقة كثيفة الأوراق، و أبحث عن البومة، لكن بلا جدوى.
بعد أيام عدت فجرا لأجد الشارع مزدحما على غير العادة به حركة غريبة و مغلقا بسيارة نقل متوسطة، ما أن دخلت الشارع إلا ووجدت خللا ما في منظوره الذي اعتدته ، هناك نوع من فقدان الاتزان فيه. لقد قطع هؤلاء الرجال الشجرة.
لم اصدق ما أرى، كان العمال يجرجرون قطع خشب و اغصان خضراء كثيفة و بحملونها فوق العربة و ذلك قبل ان يبدأ جنون الشارع الصباحي. جريت نحو أحدهم.. سألته عمن هم ، و لماذا يفعلون ذلك، قال:
- احنا البلدية يا باشا، و عندنا مأمورية نشيل الشجرة.
وجدت أنه من صميم العبث أن اخبره أن بعض اشجار هذا الشارع وجدت صورا لها منذ ثلاثينيات القرن الماضي، فمن تحسبون أنفسكم لكي تأتون لازالة شجرة استظل بها المارة منذ مراهقة أجدادنا. و لكن كنت اعرف انه لا داع لمثل هذا الحديث. فقد كان جثمان الشجرة يسحل أمامي على أسفلت مترب. قررت على الاقل أن امنعهم من قطع اي شيء آخر، فهي ليست المرة الأولي التي أحضر شيئا كهذا، و لكنه قال:
-لا يا باشا ، هما قالولنا الشجرة الكبيرة اللي قدام نمرة ٣٦ عند الجامع. و بس.
بحثت بعيني عن أي اثر للبومة او أي طائر بين الفروع علي الأرض ، كان ظلاما ،ولكن رنّت كلمة "الجامع" في أذني و كان لها وقعاً ، فقد شعرت أن للمسجد الصغير في بدروم العمارة المجاورة للشجرة دور ما. قررت في اليوم التالي سؤال البواب، فقال:
- آه ، ماهو الشيخ قال نشيلها عشان لا مؤاخذة الطيور أوقات بتإذي الناس لما بتفرش و بتصلي الجمعة في الشارع.
- الناس بتفرش في الشارع نص ساعة كل اسبوع ، تفتكر ده سبب كافي لانهم يقطعوا الشجرة موجودة من قبل ما نتولد؟
- اهو الي حصل، هم اتفقوا و كلموا البلدية و خلاص. و بعدين ما سعادتك عارف انه لو عصفورة ولا مؤاخذة شخت على حد ، بتنقض وضوه..

ابتلعت ضيقي من البواب، و إمام المسجد، وأهالي الشارع، و قررت اعتبارها ازمة بسيطة ، فنحن في مدينة يعاني سكانها أكثر بكثير من مسألة قطع اشجارهم. و قلت أن البواب نفسه آخر مشاكله هي الشجرة من عدمها، و لا ألوم عليه.
ظل ما تبقى من الشجرة هو بضع سنتيميترات من قاعدتها في الأرض ، فلم يقتلعوها من الجذر ، و إنما ذبحوها من مكان المنبت، و هكذا كانت قاعدتها ثابتة في الشارع ليتعثر بها المارة بعد أن كانت تظللهم و تعطي كثيرا من خضار.
أيام مرت وكنت أسير نهارا فوجدت برعما أخضر ينبت من خشب هذه القاهدة المتروكة، كان اخضرا زاهيا بشكل عجيب. تذكرت فيلم إمير كوستوريتسا "Life is a Miracle" ، و تأكدت مثله أن الحياة مستمرة بغض النظر عن بقية التفاصيل و الترهات. و لكن قلت انه لا بد أن هذا البرعم أن يموت ، لضعفه و صغره و اكتظاظ الشارع بالمارة. و لكنه لم يمت ، بل نما و خرج عشرات آخرين من كل جوانب الشجرة في اعتراض سافر، و رغبة محمومة في الاستمرار.
كنت كل يوم أمر لأجدهم وقد ازدادوا طولا.. كنت سعيدا جدا، و كثيرا ما فلسف عقلي المرتبك هذا الحدث و ربطته بأمور أخرى في حياتي.

صورة رديئة التقطتها للشجرة سريعا
قبل ان يتحرش بي احد افراد الأمن


منذ يومين مررت نهارا فوجدت أحد بوابي الحي مع إمام المسجد واقفين امام "الشجرة" تلك التي كبرت براعمها في سرعة جنونية و أصبحت شجرة خضراء صغيرة ، و كان البواب يقوم بكسر الفروع الصفيرة و يلقي بها بعيدا، حينها كنت اركب سيارتي ، فار الدم في عروقي.. خرجت صافقا باب السيارة من ورائي مقتربا منهم في خطوات هوليوودية الطابع، و ممسكا مفتاح سيارتي في قبضتي معتصرا اياه غضبا.
لاحظ الإمام وجودي المفاجيء في فضائهم ، حياني فلم أرد .. قلت:
- ايه؟ حتقطعوها تاني؟!؟
ابتسم الشيخ و قال:
- لا لا.. احنا بنشيل الفروع الصغيرة عشان الفروع التانية تكبر، كده احسن.
نظرت فوجدته يقول الحقيقة .. فقد كانا يزيلان صغائر الفروع مفسحان فرصة أخرى للفروع الأكبر في التمدد.
اضاف الشيخ:
-احنا بقى مش حنقصها تاني، خلاص .. ربنا رايدلها انها تعيش.
و ابتسم.
قلت:
-ربنا كان رايدلها انها تعيش من الأول انتوا اللي قصيتوها!
اطرق الشيخ و لم يرد. و أؤكد أنه رغم عدم معرفتي به ، إلا انني رأيت خجلا شديدا علي وجهه.


09/06/2009

بلاهـــة

مقعد فارغ يشكل واحدا من خمسة مقاعد أخرى مرتبطة بقضيب حديدي مهتريء ليدعمهم من الأسفل. هذا الشكل ليس بالنادر في المجمعات الحكومية حيث أقضي ساعات لاستخلاص أوراق لا أعلم من يكترث بشأنها سوى الحكومة (تلك التي تملكها في الأساس) مما يجعل الأمر عبثيا جدا ، لكن من أنا لأقول علي اية حال.
وجدت الكرسي فارغا و ان بدا متسخا بعض الشيء ، لم اكترث و اتخذته ركيزة للانتظار.
و كان الجالس لجواري يمارس عادة مصرية اصيلة و هي اختلاس النظر لأوراقي ، ففضلت ان اكشفهم امامه بشكل واضح لأوفر عليه عناء المتابعة، و ينتهي سريعا.
لحظات و أتى شاب شديد الأناقة ، مهندم و ذو شعر مصفف بطريقة لا أعرف إليها سبيلا، اقترب من رجل ملتحي على ميمنتي و قال له:
- ممكن تملالي البيانات بتاعتي في الاستمارة؟
الحقيقة لم أتصور ان الشاب أميا أبدا ، و شعرت بالضيق من نفسي أن اتصوربالضرورة أن يكون الأُمي فلاحا بجلابية مهترئة و خاتم توقيع معلق بحبل في رقبته ، قلت أن الزمن تغير ، و المظاهر تعوض فروق كثيرة الآن. و قلت انني برجوازي (في نفسي أيضا حتي لا يسمع الآخرون).
و بينما يملأ الملتحي المتجلبب استمارة الفتى لاحظت أن الفتى قبطيا، مما جعل الملتحي يعاني كثيرا في كتابة اسم عائلة الفتى: فيلوباتير.
و كنت اتوقع أن يبدو علي الملتحي اي ضيق او تململ من مساعدة القبطي ، و لكن العكس قد حدث فقد كان شديد الإخلاص و الدأب ، و من ناحية أخري فان الشاب الأول لم يجد غضاضة في اختيار الملتحي بالذات الجالس بجوار امرأة منقبة لكتابة بياناته هو المسيحي، ربما لعادة مصرية في اعتبار المشايخ من أهل المعارف و الكلم.

ثم من جهة أخري ، كان الجالس إلى جواري شابا طويلا جدا ، و أعني انه طويل جدا، نظر إلي و قال:
- لو تحب الجيش يكرهك ، تكره الجيش يحبك.
اعتدلت في جلستي و تأملته بشيء من البلاهة، كنت ادرك أنه يريد أن يفتح موضوعا ما لقتل الوقت، فقلت انني لا افهم ما عناه، فحكى لي قصته.
كان الشاب قد تقدم مع حملة مؤهلِه تحت المتوسط لأداء الخدمة العسكرية ، و لكن تم إعلان أسماء اللذين سيتم تجنيدهم، أما هو فقد حصل علي الإرجاء.
قلت انه شيء حسن ، فالآن يمكنه استكمال حياته ، الزواج او السفر او ما شابه. و لكنه لم يلبث أن أخبرني انه حزين جدا لما حدث ، حتي انه زار أحد الجهات العسكرية طالبا تجنيده ، لكنهم رفضوا.
اعتدلت مرة أخرى ، سألته :
- طيب انت ليه عاوز الموضوع ده قوي كده؟
قال:
- يعني الواحد يبقى عسكري بردو، في جيبه كارنيه ، واقف على باب كده ، بيدخل اللي عاوز و يوقف اللي عاوزه .. سُلطة برده.. كويسة السُلطة.
قلت:
- طبعا، كويسة السُلطة.


غرافيتي لجندي له هالة
القاهرة - فنان/ة مجهول

27/05/2009

إغلاق


أن أصحو يوما ، بأعين نصف مغلقة، و قدح من شاي في يدي ، فاتحا حاسوبي العتيق، منتظرا ان تأتي صفحة بريدي الالكتروني - و هي عادة امارسها صباحا لاسباب عاطفية بحته و مرتبطة بأناس بعينهم - فما أن اضغط على زر جلب الرسائل الجديدة ، إلا و أن أجد رسالة تقول
"810003c1: We were unable to sign you in to the .NET Messenger Service"
فحينها سأعلم أن هذه الخدمة قد حجبت عن بلادي.
الحقيقة أن هذا لم يحدث بعد - في مصر على الأقل - لكنه أعلن رسميا في مسارات أخرى، تماما كما حذر المستخدمون و المبرمجون مرارا ، و لم يكترث الكثيرون.
فمنذ بضعة أيام، أعلنت شركة مايكروسوفت رسميا عن إغلاق خدمة MSN Live في خمسة بلدان ، هم: السودان ،إيران ، سوريا ، كوبا و كوريا الشمالية . وفقا للمتحدث الرسمي للشركة قال:

"ميكروسوفت قد توقفت عن مد خدمة مسنچر لتلك البلدان التي تتعرض لعقوبات من قبل الولايات المتحدة
هذه العقوبات يمكن الرجوع إليها من خلال مكتب إدارة العلاقات الخارجية"

بالنسبة لي هو أمر مبهر كيف تتكتم الشركة على فعل كهذا ، بل ولا تفيد في أي تقرير او اعلان لها حول الدوافع و الأسباب ، باستثناء إحالتنا لجهة تمدنا بمعلومات حول العقوبات التي تقوم بها الولايات المتحدة ضد هذه الدول.
و حتي الآن تتضارب التقارير في الشبكة حول إن كانت الخدمة تحجب خدمة دردشة مسنچر فقط، أم انها تحجب البريد الالكتروني على هوتميل ،بما فيه من رسائل مخزنة. فتتضارب الآراء في هذا الصدد ، و لم استطع ايجاد تعليق من البلدان المعنية بعد.

الحقيقة إغلاق مسنچر ، ليس أمرا جللا ، و لكنه رمز لإلغاء وسيلة اساسية للتواصل بين هذه الدول و العالم، إمعانا في فرض عزلة اقتصادية ، و تتجاوزها لعزلة ثقافية و اجتماعية، و هو ما يقلقني في عالم لم يعد يعرف حدودا لاستخدامات الشبكة على الصعيدين المعرفي و الاجتماعي.
ظهرت مؤخرا حلولا لمستخدمي مسنچر في البلدان المحجوب عنها ، مثل استحدام خدمة ميبو مثلا، أو تغيير اسم و بلد المستخدم ، الذي أراه أمر مهين للغاية.
و هكذا يثبت أن الرهان على المواقع الضخمة التي تقدم خدمات مجانية مثل تلك ،أثبت خسارة فادحة ، و تحولت إلي وسائل ضغط ، و أدوات في معارك بغيضة تخوضها حكومات ما ليتحول المواطن/المستخدم لدمية بين رحي حكومته ، و شركات عملاقة تبذل جهودا اسطورية للامساك بزمام حياته، متحولة لوسيلة ضغط و قمع في يوم ما ، أو في حرب ما. أو على الأقل لعب دور الأخ الأكبر على مدار الساعة.

لذا تثبت مرة زخرى أهمية البرامج مفتوحة المصدر ، التي لا تتحكم بها شركات بعينها، بل يتحكم بها افراد- أو شركات أصغر - و لكن شراكتها ليست حكرا على أحد ، ولا يتحكم فيها أحد
تلك البرامج التي ستعطي المستخدم فرصة أكبر للامساك بزمام حياته سيبريا على الأقل ، فمثلا أنا لا اترك رسائلي معلقة في فراغ بريد چيميل ، و إنما افضل تحميلها اولا بأول على حاسوبي مستخدما ثندربيرد، و هو برنامج يتيح أكبر قدر من الخصوصية و التحكم و مفتوح المصدر. و بالتالي في اي وقت قد يترائى لجوجل انني أو بلدي أو ملتي غير مستحقين لخدماتهم ، ستظل مراسلاتي القديمة على حاسوبي الشخصي. و هكذا.
البرمجيات المفتوحة صنعت لضمان الحريات و التشاركية ، وهي تخضع لمباديء الحريات الأربع:

0- حرية تشغيل البرنامج لأي شخص و لأي هدف .
1- حرية معرفة كيف يعمل هذا البرنامج ، و القدرة على تعديله وفقا لحاجي اي فرد.
2- الحرية في توزيع و تبادل نسخ البرنامج ، و مساعدة الجار.
3- الحرية في اعادة تعديل و تطوير البرنامج ، و من ثم اصدار نسخة منه مغايرة لضمان استفادة المجتمع.

لا أدعي انني شخص تقني و الحقيقة لا أعرف عن الكود و البرمجيات على الاطلاق ، لكنني اعترف انني أجد خلاصا نسبيا من احتكار الشركات لحياتنا بهذا الشكل السافر. ربما في يوم ما تجد الحاسوب لا يفتح في بلدك ، لأن ميكروسوفت ويندوز اغلقت استخدام ويندوز. في المنطقة عند استشعاره بوصلة للانترنت من قبلها. أو ربما نجد برامج أخرى ممنوعة علينا . او تسرب معلومات حول سلوكنا كمستخدمين و ما نفعله على الشبكة.
هناك دوما برامج ذات مصدر مفتوح تعد بديلا رائعا لبرمجيات تنتجها ميكروسوفت و شبيهاتها ، و عادة هذه البرمجيات أكثر فعالية و خفة، و بالطبع هي مجانية و خالية من الاعلانات و الرساذل الالحاحية الغريبة التي ابتكرتها ميكروسوفت.
هناك موقعا للتعرف على أهم البرامج المفتوحة لنظام تشغيل ويندوز ، و نسخته لنظام تشغيل ماك.
أما مستخدمي لينكس فقد استوفو اجرهم ، و هم يعرفون تماما ما يفعلون.


رسالة الحجب كما تظهر في الامارات ، في السعودية لونها أخضر ، وفي قطر
تتغير الوانها حسب المزاج


طبعا تأتي هذه القصة اسبوعا من بعد إعلان حكما ما حول إلغاء الولوج للمواقع الجنسية في مصر، و كأننا فجأة عرفنا سر تأخر البلاد ، إنها صدور و مؤخرات النساء العارية التي تشكل أغلبية الشبكة.
و رغم أن هناك جهات حكومية و تكنوقراطية تعارض الحكم جملة و تفصيلا ، إلا أن الأمر جد مزعج ، ففتح باب الحجب في مصر لن ينتهي ، فنحن شعب ميال للحجب بطبعه. و محب له.
في العموم، أنا قد اتخذت قراري، في اليوم الذي احاول فيه الولوج لموقع جنسي وأجد رسالة سخيفة مثل تلك ، سأتوجه من غدي لسحب اوراق الهجرة. أنا اتحمل كل مساوئ هذا البلد ، إلا ما يتعلق بالجنس.
بالنسبة إلي هو خط أحمر.


خط أحمر!

01/05/2009

غوغائية السلطة


هذان الحدثان مرتبطان في ذهني بشكل عنيف ، ليس فقط لأنهما حدثا لي نفس اليوم ، و لكن لأن كلاهما مثال واضح و غير قابل للجدل حول ما تردت إليه الأوضاع. الحدثان هما قرار ذبح الخنازير صباحا ، ثم إعلان جوائز المهرجان القومي للسينما مساءاً.
فالذي حدث أن استقت وسائل الاعلام المصرية الطريقة السافلة من الترهيب و التخويف التي تقتات منها وسائل الإعلام الأمريكية ، و سادت بفضل بضعة عناوين صحفية حالة من الذعر العشوائي بين العامة خوفا مما أسموه" حمي الخنازير" ، ذلك الفيروس المسمى H1N1 ، الذي لم تثبت اي حالة اصابة به في مصر حتي كتابة هذه السطور ، بل و لم تثبت اي حالة اصابة بين الخنازير في أي مكان في العالم ، بل و الأنكى ، أن هذا الوباء "القاتل" كان حتى هذا الصباح المشرق قد قتل حول العالم كله ما لم يتجاوز أصابع اليدين .. في عالم يقطنه المليارات. وفقا لمنظمة الصحة العالمية.
بغض النظر عن كوني لا أكترث كثيرا لمسألة أن أموت بالانفلونزا ، أم بسرطان سريع ، أم لأي من الاسباب التي ذكرتها في المدونة قبلا ، إلا أنني أقدر طبعا خوف الناس على حياتهم ، و لكني لا أقدر سياسات التخويف و تغييب الشعوب. و الحقيقة أنني لا أحترم أبدا ما وجده الكثيرون فرصة لتدمير البنية الاقتصادية لآلاف العائلات القبطية ، علي اختلاف طبقاتهم.
ليس جديدا أن هناك نوع من الشماتة في الشارع المسلم تجاه فقدان الكثير من مسيحي البلد لمصدر رزق أساسي لهم، و قد سمعت عشرات التعليقات المتشفية خلال الأيام الماضية، ولا داع لذكرها هنا.
و أيضا.. هذه ليست الأزمة ، فهذا الاحتقان أضحى أمر واقع قد يتطلب أجيال لتغييره ، و لكن أزمتي هي رضوخ الحكومة لمطلب غوغائي مثل : ذبح كل خنازير البلد! فالحكومة بكل اساتذتها، و علمائها، ووزرائها لم تجد غضاضة في احداث خلل رهيب في منظومة اقتصادية و اجتماعية و بيئية في مقابل اسكات صياح نواب المجلس ، و لم يتطرق أحد إلي ان منظمة الصحة نفسها أعلنت انه : لا يوجد أي دليل علي انتقال العدوى من الخنزير للانسان ، و الحقيقة ان كل المصابين التقطوا العدوي عن طريق بشر مثلهم. و لم يكترث أحدا إلى ان يصبح القرار الحكومي مضحكة دولية ، بل و بسبب فعلة مصر ، قررت منظمة الصحة الدولية تغيير اسم المرض، حتي لا يحدث التباس مرة أخرى.
و بالنسبة للتعويضات - التي هي من اموالنا نحن دافعي الضرائب - فإنها فقط ستعطى كمقابل للحيوانات الي سيتم إعدامها (الصغار و العُشُر) و ليس التي سيتم ذبحها ، لانها مسؤولية المربي تصريف اللحوم و بيعها لحسابه ، في الوقت الذي شح فيه ثمنها ، و انعدمت الثلاجات نهائيا للتخزين. و بالتالي ضرب المربين/الزبالين في مقتل.
قال عمرو غربية ضاحكا على تويتر : " بفعالية مصر سوف تقوم ليس فقط
بقتل الخنازير ، بل و البشر أيضا ، اي شيء من أجل وقف انتشار الفيروس"
لا يحتاج الأمر لعالم في الاقتصاد ليدرك فداحة حجم الأزمة على الصعيد الاقتصادي ثم الاجتماعي والديني. فضلا عن البيئي، فقد انعدمت الآن وسيلة تصريف أغلب القمامة العضوية بالبلد.. و لكن الحكومة اثبتت مرة أخري أنها أكثر غوغائية من الشعب ، و قررت أن تتفرد بقرار لم تتخذه أي حكومة أخري في العالم ، بما فيهم الدول التي مات فيها مواطنين.

نشرت المصري اليوم صورة من المجلس
لأحد نواب الإخوان يرتدي كماكمة ، حفظه الله و ابعد عنه المرض



و بالتالي ، و بنظرة بسيطة ، نستنتج أن السلطة بكل مؤسساستها لا تختلف غوغائية عن بواب العمارة التي أقطنها، و هو بالكاد يستطيع القراءة، الذي قال منذ اول يوم للأزمة رافعا اصبعه : "لازمن يا بيه يدبحوا الخنازير استغفر الله العظيم، هي معروفة انها بتجيب أمراض."

ثم على صعيد آخر ، أعلنت نتائج المهرجان القومي للسينما ، و الملفت أن الجوائز هي المعادل الحقيقي لإيرادات شباك التذاكر ، و للعام التالي تتكرر هذه النتيجة ، فالأفلام الني حصدت الجوائز، هي الأفلام التي باعت أكبر كم من التذاكر و عرضت أغانيها و دعاياتها بشكل متواصل علي القنوات ، و يغيب عن الجوائز أي افلام ذات خصوصية او منحي مغاير عرضت خلال ٢٠٠٨.
و هنا تتبين الكارثة ، ففي العام الماضي كان أحمد السقا هو افضل ممثل في مصر ، و العام الحالي أحمد حلمي ، و ربما في العام القادم يأتي كريم عبد العزيز أو محمد هنيدي ، في مهرجان تنظمه وزارة الثقافة ، و يرعاه مستنيري مصر.

و هكذا يبدو التلاحم ما بين الشارع و السلطة ، فكلاهما يسيره نفس التيار ، و تحركه نفس المعايير.
و هكذا تتبدى لنا ، أنها حقا : نهاية الحضارة.


22/04/2009

جوائـــز، في صباح رديء

لا أقرأ الصحف ، و لا أشتريها، أبتعد قدرما استطيع عما يجري على صفحاتها، علي الأقل سياسيا.
لكن لا يخلو الأمر أن يراسلني صديق أو آخر برابط لخبر في صحيفة مصرية لا يندرج تحت أي مسمى سوى "نهاية الحضارة" ، و أظنه كان قاسيا على - كما على آخرين - أيضا أن أصحو في يوم واحد على أخبار من نوعية أن أعضاء الاخوان البواسل يقدمون قانونا ضد الردة للمجلس ، و كأن كل نائب منهم قد ارتاح لأن الشعب يحظى بتعليم جيد، و مستشفيات مؤهلة، و مواصلات غير مهينة ، و فرص عمل مواتية ، و لم يعد هناك أي مكدر لصفو البلاد سوى بضعة عشرات اختاروا دينا جديدا.
أو أن أصحو على خبر محامية مصرية تدعو رجال الأمة العربية للتحرش بالنساء الاسرائيليات، و كأن الأخلاق و احترام القيمة هي حكر على أمة أو عرق أو دين بعينه، أو كأن التحرش نقيصة لأنه ينتهك المرأة العربية فقط، و كأن العرب قد عدموا كل فرص الكسب في وجه عدوهم الصهيوني ، فلجؤوا لأعضائهم التناسلية المشرئبة ، و كأن القانون أصلا - و هي محامية أكرر - يفرق في حكمه وفقا لجنس و ديانة المجني عليه/ها. و كأننا جميعا لا نأسى من تعامل الغرب مع كل عربي و كأنه ارهابي مفخخ ، و لكنها لا تجد غضاضة في التعامل مع اي اسرائيلية و كأنها قطعة لحم للتحرش.
أو أن أصحوا أيضا على خبر تقديم بلاغ ضد البهائيين ، لارتكابهم لجرم فاضح ، و هو احتفالهم بعيدهم في حديقة المريلاند ، التي هي مكان عام ، ولا يجوز للمواطن المصري الشريف بينما يعود المنتزه العتيق ، أن تقع عيناه الكريمة على هذه الطائفة ، تشرب القهوة و تتسامر ، لأن ذلك بلا شك سيضعف من عزيمته ، و يرميه فريسة للشك. و أعلن المحامي أنهم "مرتدين و عقوبتهم القتل" ، و لن أطيل في تعليقات القراء على الخبر ، بل و حتي رأي الصحيفة نفسها حيث أشارت إلى المتحدثة باسم البهائيين قائلة: " ومحاولة منها اصطناع جريمة منه ضدها بالادعاء بارتكاب جريمة والتحريض على قتلتها محاولة منها فى جلب اهتمام وتأييد جمعيات حقوق الإنسان المشبوهة" .
و في نفس ذات اليوم ، تفرج الحكومة عن ثلاثة مواطنين أثاروا ذعرا و هلعا كبيرا.. فقد قاموا برش لوحات جرافيتي على الشوارع لم يفهم لها أحد مغزى ، حتى ذهب الكثيرين إلي اعتبارها من أعمال جماعات الإيمو ، ليس لأي سبب سوى لأنهم "جماعة" لم يفهم لهم أحد مغزى ايضا.
قلت : إنها نهاية الحضارة.
في ظل هذه المآسي لم أستطع إلى التركيز في العمل سبيلا، لذا قررت العودة لرابط كنت قد احتفظت به في del.icio.us، و كان رابطا لجوائز صالون مركز تحديث الفنون لعامنا ٢٠٠٩، و هو مركز أمريكي هام للفنون التشكيلية ، يضم على موقعه الرقمي مكتبة ضخمة لأعمال جميع الفنانين في جودة عالية ، فضلا عن تقديمه لمنح دراسية للفنون التشكيلية بالولايات المتحدة - لمن يهتم هنا الرابط - و لكن الاهم هو اقامته لصالونه السنوي الدولي للفنون التشكيلية في عدة أقسام. و قد أعلن عن الفائزين مؤخرا في دورته الخامسة.
و رغم أن الجوائز في رأيي ميالة للرؤية التقليدية للفن التشكيلي في العموم ، إلا أنني لا أنكر ان العديد من الفائزين و المكرمين - بل و حتي المرشحين وقد خانهم الحظ - قد خلبت اعمالهم عقلي، و أظن ان الجوائز النهائية هضمت حق البعض ، إلا أنها تستحق المتابعة بأقسامها الغزيرة.
لن أخوض أكثر ، و سأضع بعضا من الأعمال المختارة وفقا لذوقي الشخصي ، و ليس وفقا للجوائز ، أضع اسماء الفنانين و الأعمال بالانجليزية لتسهيل مطالعة أعمالهم علي الشبكة.
(يمكن المشاهدة بكفاءة أعلى كثيرا عن طريق موقعهم)




Hiroshi Furuyoshi
Julien
زيت
جائزة أفضل الأعمال
© All images are under strict copyright to the artist and may not be reproduced in any form
©حقوق جميع الأعمال تعود للفنانين ، و يُحظر اعادة انتاجها وفقا للمركز


Duffy Sheridan
"Head Study" - Marieke with Rose
زيت
أحد الفائزين بجائزة اختيار الإدارة


Max Ginsburg
Tire Swing
زيت
أحد الفائزين بجائزة اختيار الإدارة


Salvador Jose Villagran Jr.
Past Present Future
زيت
المركز الثالث - قسم الأشخاص



Aaron Wiesenfeld
Suspended
فحم
من المرشحين النهائيين في قسم الرسم


Terry Strickland
Shahrazad Illuminated
زيت
أحد الفائزين بجائزة المركز الخاصة


Ron Cheek
Vanity-Vanity
زيت
من الفائزين بجائزة تقديرية بقسم الأشخاص



Ananta Mandal
Smoking Morning
الوان مائية
من الفائزين بجائزة تقديرية بقسم المناظر العامة


Andrea Mosley
Daniele
زيت
من الفائزين بجائزة تقديرية بقسم الأشخاص

Marina Dieul
Somme
فحم
من الفائزين بجائزة تقديرية بقسم الرسم



Shawn Zents
An Arrangement of Flowers
زيت
من المرشحين النهائيين في قسم الأشخاص


Yuri Diatlov
A Girl
الوان مائية
من الفائزين بجائزة تقديرية بقسم الرسم



Terry Strickland
Plan of Attack
زيت
من المرشحين النهائيين في قسم الأشخاص

Max Ginsburg
The Discussion
زيت
من المرشحين النهائيين في قسم الأشخاص


Star Galler
Lady in Waiting
فحم
من المرشحين النهائيين في قسم الرسم





Jonathan Queen
First View of Florence
زيت
من المرشحين النهائيين في قسم الطبيعة الصامتة
©All images are under strict copyright to the artist and may not be reproduced in any form.
© حقوق جميع الأعمال تعود للفنانين ، و يُحظر اعادة انتاجها وفقا للمركز
المصدر : source : www.artrenewal.org


رغم الوقت و الجهد الذي بذلته في تحميل اللوحات و نقلها و إعادة رفعها مع أسماء الفنانين ، إلا أنني فعليا لست نادما على هذا الوقت بتاتا، فالحقيقة قد كان فرصة جيدة لتطهير الأعين و العقل من هذا الهراء الصباحي التي يضخه علينا ضعاف العقول ، بشكل يومي ، و متصل ، و دؤوب..

يمكنني الآن العوده للعمل بقلب مستريح لبضعة ساعات.


12/04/2009

من المُطلق

هو حطام بيت قديم .
ليس أكثر من ذلك ، كنت أفكر و أنا واقف على هذه الشرفة الواسعة ، ذلك السطح المترامي في وسط المدينة ، التي كانت يوما بيتا لأشخاص ما ، طمس التاريخ اسمائهم.
كنا نتحرك على ارضهم الخشبية ، ينفث صديقي الدخان في مكان كان يوما ممرا بين غرفهم ، ندردش في مربع كانوا يوما يجلسون فيه في الشتاء أمام مدفئتهم ، ليسمعون للراديو ، او ليقرؤن ، أو ربما ليمارسا حبا بطيئا في أكثر مكان حميمية لقلبي الزوجين صاحبا الدار. أو هكذا أتخيل.

كانت مدفئة لهما في شتاء قديم ما، و كانت هذه غرفة للمعيشة

بينما كنا نسير ، كان صديقي يتحدث في محموله ، و اطفأ سيجارته على الارض ، فكرت في ربة البيت ، قلت : أظنها كانت تدخن ، لدي شعور بذلك.
تحولت سيرا لأقف فيما كان يشبه الشرفة ، أو ما تبقي منها ، انظر للمدينة المترامية الأطراف أمامي ، آلاف اللواقط التليفزيونية ، كلا ، انها ملايين و ليست آلاف. تبدو غريبة جدا ، قلت له أن يعطيني سيجارة ، ففعل مستغربا.
سار بعيدا يتفقد شيئا و تركني ، حاولت الفكاك من النوستالچيا و لكن لم استطع ، كان أهل البيت في كل مكان هنا، أراهم ، أدرك كم أحبا المكان ، و أدرك كم أحبا بعضهما جدا لوقت طويل ، هو أمر استشعره تماما هنا .. هذان اللذان لا أعرف لهما إسما أو تاريخا أو ملة .
قلت في نفسي : الآن ، في هذا الهدوء ، لقد واراهما تراب مقبرة ما ، في القاهرة أو في بلد متوسطي آخر ، ربما امريكا او كندا ، ربما لازال أحدهما حيا يحن لبيته هنا يوما.. و لكن الزمان أتى و عصف بكل تفاصيلهما ، كل الأشياء التي حدثت ، كل صغائر الأمور ، تلك التي ظناها هامة و حاسمة لمصائرهم ، تلك الأزمات التي بكياها في ليال موجعة ، تلك الغصات الموجعة في الحلوق لأسباب عابرة ذوت الآن ، و لم يعد لها وجود.
كل قبلة اختلست هنا في هذا المطبخ ، كل مرة عاد رب البيت من الخارج و - ربما - كذب علي زوجته بشأن أمر ما ، كل لحظة خانها بجسده او بفكرة حمقاء -او جميلة- امتلكها ، كل مرة خانته ، كل مرة قال كاذبا أن الطعام جيد ، كل مرة تشاجرا لأنه لم يستمع لها جيدا ، كل مرة تضاجعا علي هذا المقعد ، او فعلاها فور دخولهما من هذا الباب للبيت و من دون أن ينطقا بكلمة ، أو ربما في هذا الحمام الذي لا زالت الوان القيشاني هي أكثر مربعات الشارع كله بهجة، كل هذه الأشياء رحلت الآن ، اصبحت نسيا منسيا ، تفاصيل صغيرة ، مرت بين السنوات العابرة ، و بقي ما يثير الخيال لذكراها.


جزء من حائط الحمام لازال قائما

هذان اللذان كانا هاهنا يوما ، مرت حياتهما عليهما فقط ، لم تمر علي الآخرين ، مرت في داخلهما ، و سرت بين حوائط هذا البيت ،و لكن لم يستمر البيت كما أرى ، و لا أعرف عن الحب ..
لا أعرف إن كانا قد كرها بعضهما في النهايات ، أو ربما كرها بعضهما في البدايات ، لا أعرف هل أختارت هي ورق الحائط و لون الستائر أم اختارهما لها ، لا أعرف إن كانت شاركته حياتها حقا و لا أعرف إن كان قد شاركها حياته أيضا ، فأنا لا أعرف شيئا ، لا أعرف البيت الغريب ، ولا أصحابه الغرباء ، قالوا لي زوجان يونانيان ، قالوا لي اسرة قبطية ، و قالوا لي امرأه كانت عجوزا في أواخر الثمانينات ، و جُهل خبر زوجها .

ورق حائط غرفة المعيشة ، الذي طالما حافظا عليه

نعم ، لا أعرف الكثير ، كل ما اعرفه أن احداثهم التي مرت مؤلمة يوما ، هي الآن محض كلام عابر على مدونة لا يقرؤها الكثيرون ، و مدون يضرب بالغيب عن حياتهما منمقا كلماته قليلا.
و لكن ما أعرفه أكيدا ، أن هناك روحا ما في هذا الحطام مرتبطة بحب ذهب بلا رجعة ، مرتبطة بسعادة ما باغتت قلبا زوجين ، و ربما عبرا عنها بلغة لا اتحدثها من الأساس. أعرف أكيدا ان التفاصيل الأخرى قد تلاشت في عباب المدينة ، و لم يتبقى سوى ما يجب أن يتبقى : روح محملة حبا ، كنوع من المُطلقات.
أدرك في هذا المكان أنهما كانت لديهما فرصة يوما أن يتحابا .
و أحب أن أتخيل أنهما لم يضيعاها ...



31/03/2009

ثلاث روايات مصورة ، لا تضيع الوقت

كلما اعترى الأيام فتورها المعتاد ، أجد نفسي أقرأ روايات مصورة ، فهناك شيء ما بصددها يجعلها غير قابلة للمقاومة ، تتابع الصور و النصوص يشكل لي اثارة لاحدود لها، و بالكاد أذكر انني تركت إحداها في المنتصف ، مهما كانت رديئة ، و الحقيقة الكثير منها رديء في تصوري ، و إن كان يحصل على شهرة واسعة.
لفظة "رواية مصورة" Graphic Novel ، هي لفظة مستحدثة ، و الكثير من كتاب و رسامين الكوميكس يرفضون المسمى تماما ، و لكن بعض الروايات المصورة طبقت شهرتها الآفاق مثل :WATCHMEN تلك التي أظنها تستحق كل التقدير.
يقول ألان مور مؤلف WATCHMEN ، و القاص الكلاسيكي : "تلك لفظة تسويقية لم اتعاطف معها أبدا ، المصطلح "كوميكس" أجده الأفضل بالنسبة لي ، الأزمة أن كلمة " Graphic Novel" أضحت تعني كوميكس غالية السعر، لذا فستجد أمثال "دي سي كوميكس" ، أو "مارڤل كوميكس" من مؤسسات يقومون بلصق أية ستة أعداد من أي هراء عديم القيمة تصادف أنهم قد نشروه ، ثم يضعون له غلافا لامعا ، و يطلقون عليها اسم (شي - هلك ، رواية مصورة)..."
بغض النظر عن المسمى ، إلا أنني قد قرأت الكثير خلال الاسبوعين الماضيين ، سواء في صورة كتب احتفظ بها ، أو في صورة رقمية محملة من الانترنت و مقرصنة في الغالب للأسف.
و قد وجدت ثلاثة روايات و اعتبرتهم بمثابة أحداث لا يمكن التغاضي عنها بسهولة سأختصر الحديث عنهم هنا:



- كبرياء بغداد -



كبرياء بغداد ، الحقيقة أعترف أنها لم تعجبني كثيرا رغم الجوائز، لكني أراها رواية مصورة مهمة ، و ذكية (أحيانا) ، هي انتاج عام ٢٠٠٦ ، كُتب في مفتتحها أنها بنيت حول حدث واقعي صار اثناء دخول الامريكان لبغداد ، قفد روى خبر صغير يوما أن القوات الأمريكية قامت باطلاق الرصاص على أربعة من الأسود الذين هربوا من حديقة الحيوان أثناء قصف بغداد ، الرواية تتصور يوم الهروب لهؤلاء الأسود ، و ما تعرضوا له حتى تم اطلاق الرصاص عليهم .
القصة بكاملها - ١٣٠ صفحة - لا يظهر فيها أي من بني البشر ، فقط نسمع تعليقاتهم او حديثهم على خلفية قصة الحيوانات المتكلمة ، الذين لا يعرفونهم كثيرا و يطلقون عليهم "الحراس" بدلا من بني البشر، و هذا أمر أظنه قد يستفز البعض ، خاصة أن لكل الحيوانات في القصة أسماء عربية مثل علي ، صفا ، و رشيد ،أنا لا أكترث ، ولكن ما ضايقني حقا هو التصوير المباشر لوضع الطوائف المتناحرة عن طريق عكسه على واقع الحديقة ثم المدينة/الغابة التي تجد الحيوانات نفسها فيها بعد تحررها ، و كيف لا يستطيعون غض الطرف عن علاقة الكره الموروثة بين الفصائل كالاسود و الغزلان و القردة . و لكن تم التعاطي مع فكرة "التحرير" بذكاء شديد ، و استحضارها للمساءلة طوال النص.


السرد بالقصة يدور بشكل تقليدي جدا ، و يستمر بشكل خَطي مع الأحداث ، و بالكاد ما نجد حدثا موازيا ، او استحضار لفكرة او تخيل ما ، باستثناء بعض مشاهد التذكر النمطية المعتادة ، و لكن ظل إيقاعها متسارع ، و حوارها متزن غير مستزاد.
الرواية تبدو مرسومة و ملونة رقميا ، كشأن الكثير من قصص الحركة في هذا العصر ، أظنه من الأفضل للمراهق قراءة رواية مصورة قريبة للألوان التي اعتادها في العاب الڤيديو و ما عداها ، و لكن هذا لا يمنع أن لهذه المدرسة باع في تطوير الكوميكس بشكل رهيب.




- وداعا شنكي رايس -



كنت قد كتبت من قبل عن كريج طومسون ، مؤلف الرواية المصورة البديعة Blankets ، و هذه الرواية Goodbye Chunky Rice ، هي العمل السابق لها.
القصة أعتبرها واحدة من افضل الروايات المصورة التي قرأتها قاطبة ، فهي تتمحور حول السلحفاة (شنكي) الذي يترك صديقه الفأر (الذي يظهر كحبيب أو عشيق أحيانا) ، ليودع إياه منطلقا لاستكشاف العالم . و الغريب أنه بالرغم من كونها أول أعمال المؤلف إلا أنها أكثر أعماله حداثة و خروج عن المألوف في اشكال الحكي و ربما في الرسم أيضا عن تاليتها.
تنتشر في القصة شخصيات عدة ، كلها مشوهة أو منقوصة بشكل ما ، و شديدة التوحد ، و كعادة مؤلفي الكوميكس النبلاء ، لم يخجل كريج من رسم شخصيات و أفكار قد يظنها المجتمع منفرة كثيرا. فمثلا واحدة من الشخصيات المحورية هما توأمتان ملتصقتان على سطح المركب ، و يتشاركان الرئة و الذراعان و جزء من الرأس ، و لكنهما لا تجِدا إجابة لسؤال شنكي : هل يمكن لأي منكن النفاذ إلى حلم الأخرى؟


أظن المؤلف قد قام بأشكال حكي و رسم غاية في الذكاء و الألمعية ، خاصة أن القصة تسري بين عدة محاور في المكان و الزمان ، فضلا عن تعدد الشخصيات حتى تصبحا السلحفاة و الفأر شخصيات شبه هامشية أحيانا.
و كانت الصفحة الواحدة في الكتاب بمثابة عالم كامل من التفاصيل و الصور و المربعات التي تروي القصة بشكل يبدو عفويا لأقصى درجة ، و أحيانا كان يستخدم التقطيع الكلاسيكي لمربعات الكوميكس كأداة جمالية و ليس أكثر ، و كأنه يرفض التعامل مع كل مربع كوحدة خاصة كما درج الرسامون و اعتادوا.


مؤلف شنكي رايس وراسمها في نفس الوقت ليس له سوى هذان المؤلفان ، و أستغرب تفرده و خصوصية أعماله بالمقارنة بآخرين ، و بالذات مع اعتبار نشأته المحافظة في قريته الصغيرة بالجنوب الأمريكي شديد التدين ، و كيف كان حبه للرسم مثار حنق الأهل و نفور الجيران ، و كيف واجه مخاوفه كلها ليقوم أخيرا بما يحب ، هذه الأجواء رصدها بشفافية في روايته الثانية ، و الحقيقة دوما ما ظننت أن ما عاناه طفلا و شابا في قريته قريب جدا لما يعانيه اي مراهق يهوى الفن في مصر ، فالعالمان يكادا ينطبقان باستثناء التفاصيل الصغيرة ، مثل الدين و الثلوج التي كست الرواية.




- سينما پنوبتكوم -


هذا المؤلف توماس أوت هو حدث خاص ، فالرسام الألماني أبى على نفسه إلا أن تصبح كل أعماله صامتة ، معدومة الحوار ، بلا أي كلمة أو تعليق ، فهو يرسم تتابع من الصور تحكي الحدث بسلاسة مذهلة ، و الأفضل أن كل أعماله تدور في أجواء صادمة سوداوية مما يلائمني تماما.
المضحك ، أن الرسام الألماني و إن ذاع صيته في أوروبا إلا أن أعماله لم تدخل الولايات المتحدة إلا مؤخرا ، على الرغم من عدم وجود مشكلة في اللغة ، لأن النص يعتمد على الصورة فقط ، إلا أنه فيما يبدو فإن المتلقي الأمريكي كان يجد ضيقا ما في متابعة نوع من الكوميكس يختلف عما ألفه طوال تاريخه.
يستخدم أسلوبا من التهشير و الشخبطة لرسم المساحات ، مما يجعل الصورة قريبة لشكل الطباعة الخشبية لكتب العصور الوسطى الأوروبية في رأيي ، و هذا يضفي جوا غيبيا قاتما علي القصص ، و ربما يختزا أحيانا عنصر العصر مما يروي ، فبينما أقرأ ٠ ان جاز التعبير - أشعر أحيانا ان الرواية تدور في بدايات القرن العشرين ، و أحيانا في أربعيناته ، و أحيانا في المستقبل ، كل وفقا للحالة المنبعثة من طريقة الرسم تلك.




دوما ما وجدت كتابة تقارير عن الأفلام و الكتب و الموسيقى أمر شديد الصلف و التعالي ، و لا أحبه بكل مسمياته ، نقدا كان أم تذوقا أم تحليلا ، فالكل بالنسبة لي أمر لا داعي له ، خاصة مع تفرد أذواقنا و اختلاف درجة تلقينا لغالب هذه الفنون و حبنا أو كرهنا لما نشاهد.
و ربما كتبت ما سبق لأتشارك مع الآخرين ما قرأت.
شكرا خاصا لـ "ر" التي تشاطرني هواية لا يشاركني الكثير فيها.


للتحميل و إلقاء نظرة - صيغة سي.بي.آر : (كبرياء بغداد ، وداعا شنكي رايس ، سينما بنوبتكوم )




23/03/2009

نهاية الحضارة

في طفولتي ، لم نكن نعرف الدش بعد ، لذا اعتدنا أن نستأجر الأفلام من نادي ڤيديو قريب ، و استمرت الهواية لعدة سنوات ، لدرجة أن وجدت نفسي ذات مساء واقف في المحل و لا أعرف ماذا أستأجر ، فقد شاهدت كل الأفلام.
و كنا قد اعتدنا أن نأتي بالأفلام مثنى أو ثلاثا ، و كنت أهوى الأفلام الدرامية ، أما أبي الذي كان يشاركني المشاهدة - فضلا عن أنه يدفع الجنيهات - كان له رأي آخر ، فقد كان دوما و قبل ان أنزل للنادي لاستبدال الأفلام ، يقول لي بكل روية:
- أحمد ، حاول تشوفلنا أفلام من نهاية الحضارة .
و كنت افهم تماما ما يريد ، فقد كان مولعا بالافلام التي تدور في المستقبل بعد أن تفنى الحروب هذا العالم ، و يعيش الناس في عصور من الهمجية و يرتدون ملابس لامعة جامعة لكل العصور و الثقافات، و حلي و كماليات مذهلة في قبحها و انعدام التمازج ، و عادة ما تصحبهم فتاة بملابس ساخنة ، و لا يخلو فيلم من موتوسيكلات او بدائلها.
مثال لما أعني ،
أو ربما هذا(التريلر)

تذكرت هذه الفترة الضحلة من حياتي بينما أقرأ مراسلات نهاية الحضارة ، التي وضعها بيسو .
فعنوانه: " نهاية الحضارة" هو عنوان قاتم يساير مزاجي ، ووجدت نفسي اتخذه مثلا ، كلما سمعت عن عجيب الأخبار فأقول : يالله ، إنها نهاية الحضارة.
و الحقيقة فإني سُقت كل هذا الهراء بأعلاه لأضع بعض الصور التي صورتها بكاميرا التليفون للأسف ، لأمر استعصى علي فهمه، و لكنه ثبت من وجهة نظري نحو الوطن و العالم و الحضارة.
فبينما انا واقف مع الحاج نصر الكهربائي ، أصلح عطبا في سيارتي القديمة ، و بينما نتحدث في أمور الدنيا و الدين ، لاحظت أنني واقف مستند على عمود خشبي ، تتدلى منه أشياء عدة .
بالتدقيق ، وجدت هذه الأشياء هي : مجموعة من عُلب "لا ڤاش كي ري" الفارغة معلقة في خيط ، و معها منبّه إيقاظ زهري اللون ، و أسفلها كيس من الملح متدلي بخيط في نفس العمود ، بينهم أوراق شجر بلاستيكية ، و قاعدة عبة حلاوة طحينية بلاستيكية، و بأعلاهم رأس فيل دمية . كما في الصورة:

المتأمل للوضع سيشاهد ألعابا تجلس في الأرض حول العمود ، و أمامها علب ملآي بالماء لتشرب او زجاجات قديمة مملوؤة ماءً أيضا.
خفت في الحقيقة .
قلت للحاج نصر: ايه ده يا حاج؟
قاللي: ده جارنا ، المحل اللي جنبنا ، بقاله مُدة بيعمل حاجات غريبة قدام المحل.
نظرت أمام محل جاره المغلق ، و شاهدت ما ذكرني تماما بأشرطة الڤيديو القديمة تلك. فقد قام الرجل بجمع كل ما تيسر له من أشياء و ربطها ببعضها على الرصيف أمام دكانه المغلق وفقا لتتابع و منطق لا يعلمه إلا هو و الله تعالى، و بعد ذلك قام بوضع بعض النباتات لاغلاق هذا الجزء من الرصيف حكرا لعالمه الخاص هذا.
سألت عن الرجل ، قالوا لي انه كان ضابطا سابقا ، و لكنه انهى معاشه، و كان له هذا الدكان في المنطقة مغلقا ، فعاد له مؤخرا، و أصبح الآن لا شاغل له سوى تنميق المكان بل و المبيت فيه احيانا. و لا يمارس من خلاله أي نشاط تجاري كان.
فوق زجاجة الزيت الحمراء توجد بطة صفراء


و المدقق في الصورة السابقة - وهي للركن الايسر من ارض الرجل - سيشاهد انه قام بتجميع ما تيسر من كسر الرخام ، و كسر المرايا ، تلك المرايا يسمونها العمال بالمنطقة : الرادارات ، لانهم يظنون أنه يراقبهم من خلالها حسبما حكوا لي. فضلا عن كم رهيب من الفلين ، و الزهور المجففة.
على عتبة مدخل مساحته هذه ، وضع عدد من الاواني البيضاء و ملأها بالماء ، فضلا عن قطع فلين قديمة
، و طبعابعض الزرع المجفف ، ناهيك عن الصبارات التي استخدمها كحاجز.


تلك الشجرة التي تظلل فنائه ، قام بتعليق شيئين عليها ليتدليا من غصونها،
على اليمين حبل فيه : شكل لطائر من الموكيت ، آية قرآنية ، مشابك غسيل عديدة.
اليسار : حبل يمسك صفحة من نتيجة تحمل صورة أبي الهول (لا تظهر لانها ملتفة هنا)


و هكذا ، اعود إلى نقطة الأصل : "نهاية الحضارة" فحيثما تعلمت في طفولتي ، فإذا اجتمعت هذه الصور في مكان واحد ، فإنها تعني أن العالم قد فُني ، و أنه لا بد من تدميره و إعادة بنائه . مستخدمين دراجات نارية ، و ملابس عشوائية ، و فتاة شرسة بملابس ساخنة.
و لهذا لم استغرب أن قابلت صديقة صبيحة اليوم التالي ، و قالت لي عن حلم رأته ، فقد رأت فيما يرى النائم و كأنها دخلت مكانا ما ، فوجدت اصدقاء و معارف يمسك كل منهم بلطة صغيرة فسألتهم عن حالهم و سبب تجمعهم فعلمت انهم مجموعة للتضامن مع غزة و لكن بشكل جديد ، و ذلك عن طريق ان يقطع كل منهم اصابع قدمه، و كان - وفقا لحلمها هذا - يتزايد حجم دعمه للقضية بعدد الأصابع التي يبترها. فكان قائدهم هو من قطع ثلاثة أصابع من كل قدم.
صاحت صديقتي ، و قالت لهم ان هذا الفعل لا يخدم القضية ، قالوا انهم يعرفون ، و لكنه فعل رمزي للاحتجاج.
و بينما تستطرد صديقتي متحدثة عن اشخاص بعينهم في الحلم ، و عمّا قالوه و ما ردت به ، وجدتني اتجاوب معها و مع ردود الناس .. فقد فقدت لوهلة تركيزي ، و تعاملت مع القصة على انها حدثت بالفعل.
و لكنها عندما عادت تحكي عن البلطة ، تذكرت أنه حلم ، قلت في نفسي:اهدأ يا احمد ، الفتاة تروي لك هلوساتها ، هذا لم يحدث بالفعل ، هذا ليس موجودا ، و نهاية الحضارة لم تأت بعد.
فاهدأ قليلا ، و تجرع بقية البيبسي.



The End - The Beatles

28/02/2009

من وحي الأوسكـــار



المخرج دارن أرونفسكي ، و ميكي رورك (المصارع) *

حينما كنت أصغر ، كنت لازلت مشدوها بالسينما الأمريكية ، و كنت أظنها خير الأفلام على الأرض - الحق هذا ليس من ذنبي ، فلم أكن أشاهد في القاهرة أياً من سينما العالم - و كانت ليلة توزيع جوائز الأوسكار ليلة مقدسة لدي ، بدأت منذ مشاهدتي صدفة (على قناة ام تي في اللبنانية) - كان ذلك قبل الفضائيات - و كنا نلتقط من مدينتنا الساحلية الصغيرة عبر هوائي التلفاز ، العشرات من قنوات التلفزة الخاصة بالطوائف اللبنانية المتناحرة حينها - ولا زالت - .
و بقيت أتذكر سماع خطاب سبلبرج على الهواء عام ١٩٩٣ عند فوزه بالأوسكار عن قائمة شندلر ، و لكن مصحوبا بترجمة فورية لبنانية. و كانت الحفلات عموما أقل ترفا و بذخا كثيرا عن الآن. و أذكر تردد المعلق اللبناني عن ترجمة جملة سبلبرج الأخيرة ، حول ضحايا الهولوكوست.

كنت حينها لا أعرف كثيرا عن حال السينما العربية - و الحقيقة لازلت لا أعرف ، أو أن الذي أعرفه لا أفهمه تماما - و لكني كمراهق كنت أتساءل : لماذا لا نصنع أفلاما جيدة "مثلهم"؟ .. ولكن بعد ان نضجت - نسبيا - و علمت القيمة الضئيلة لأفلام هوليوود ، و شاهدت سينما من كل أرجاء الأرض تغيرت حساباتي.

هذا العام شاهدت كل أفلام الأوسكار تقريبا ، على الأقل الدرامية ، و الآن و بينما أنا في سن الثلاثين لم يعد في خلدي سؤالي التقليدي : "لماذا لا نصنع أفلاما مثلهم؟" ، و لكن كان سؤال آخر : "لماذا لا نعيش حياة مثل هذه؟" ، فبينما أشاهد الأفلام ، كنت "أتفرج" بالمعنى الحرفي للكلمة ، الفرجة بمعنى الاطلاع على العوالم الأخرى الدائرة في الفيلم ، تلك التجارب الحياتية البسيطة التي لا نعيشها إلا في السفر ، و أخذت أفكر من موقعي هنا في قلب المدينة فوجدت أن أغلب قصص هذه الأفلام تستعصي على حياتي القاهرية هنا و أغلبها مستحيل الحدوث تقريبا، فلا أعرف كيف يمكن مثلا أن:

- يقيم شخصا علاقة مع امرأة غريبة جميلة ، و تكبره سنا ، قائمة علي أنه يقرأ لها الكتب .
- أو يبحث جندي سابق حول ماضيه ، و ماضي أمته العسكري .
- أو ان سأمت فتاة من حياتها ، فيمكنها أن تأخذ مركبا صغيرا في بحيرة ما في قلب مدينتها .
- و أن يدرس الفقراء في مدارسهم الرقص ، و الموسيقى جنبا لجنب مع الدين و كلاسيكيات الأدب ، صبيانا و بناتا.
- أن يناضل شخص من أجل ميوله الجنسية/المثلية، و أن تدعمه إدارة مدينته.
- أن يعامل القاتل معاملة إنسانية و يحصل على محاكمة عادلة ، حتى و إن تم شنقه.
- أن يتحرك صديقان بالقطار عبر حدود عدة، لا يحملان سوى حقيبة متاع ، و يصبحان في أي بلد تحلو لهما.
- أن تعيش امرأة وحيدة في مقطورة، و تعلم ابناها من وظيفة غير ثابتة في سوبر ماركت. أو تحول بيتها لفندق صغير بعدة غرف .
- أن يحظى سكان الحي سواسية - بغض النظر عن غناهم و فقرهم - بأقل بديهيات الحياة ، كتعليم جيد ، وحديقة صغيرة ، أو حتى مطعم رخيص يمكن الوصول اليه بالدراجة ، أو حمام سباحة عام لأهل الحي . و بالتالي تصبح لهم حياة كاملة.
- انه إذا ما سقط شخص مغشيا عليه فانه سينقل إلي مستشفى ، و تتم له جراحة قلب مفتوح ، حتى و إن كان بلا أقرباء أو تأمين.
- أنه إذا ارتكب الفرد أمرا خطأ -أو صوابا- فوجد نفسه في السجن ، فيصبح في مقدوره القراءة و الكتابة ، بل و تساعده إدارة السجن علي السكن و التوظف بعد الخروج .
- و لا أعرف كيف يعيش شخص في مدينة واحدة صغيرة ، و لا يحتاج للعاصمة أبدا ، و في مدينته يقوم بعمله و يعود أهله ، و يحضر الحفلات و يقع في الحب لثلاث مرات .
- ولا أفهم أن تعمل امرأة في مرقص للتعري ليلا، و لكنها تعيش حياة طبيعية في النهار ، و تستذكر دروس ابنها ، و تعهد به لطالبة جامعية حينما تذهب لتتعرى ، و الحقيقة لم أعرف عروض التعري من الأساس في القاهرة.


دوني بويل / دڤ پاتل (مليونير العشوائيات)

سام مندلز / كيت ونسلت ( طريق ثوري)

جص ڤانسانت / شن پن (ميلك)

چون پاتريك شانلي / مريل ستريب (شك)

وودي آلان / پنيلوپي كروث (برشلونة ڤيكي كرستينه)


كرستوڤر نولان / الراحل هث ليدجر (فارس الظلام)*


ختاما ، لابد لي أن أوضح أنني كرهت كل أفلام الأوسكار ، باستثناء فيلمين لا أكثر ، و الباقون هم أفلام تسلية بحتة , يغلب عليهم طابع تجاري محزن ، أو في ظروف أخرى لهم نكهة محافظة أو سياحية كيفما اتفق ، و حمل الكثير منهم بأفكار معدة مسبقا لمشاهد ضعيف الإمكانيات ، و محدود الرؤية إلى مدى بعيد. و لكنه يعيش نوعا خاصا من حياة ، ثم يصنعها أفلاما و يشاهدها .
و لكنها مازالت لا تحدث هنا.



ــــــــــــــــــــــــــــ
* - جميع الصور من أعمال آني ليوبوفيز ، المصورة الكلاسيكية الشهيرة لمجلة رولنج ستونز.




25/02/2009

التعلُّم

لاسباب جغرافية و مادية بحتة ، لم أحظ في تعليمي الإلزامي بالدراسة في أي مدرسة غير حكومية - باستثناء سنة في مدرسة خاصة انتقالية لا أذكرها كثيرا - حيث كنا نعيش في مدينة ساحلية صغيرة في الثمانينات - مرحلة الابتدائية - ، و كانت بالمدينة مدرستين لا ثالث لهما ، كلتاهما خاضعتان للوزارة.
الأولي في قلب المدينة ، و الثانية تطرفت في ضواحيها، و بالتالي كان قدري أن قضيت مراحل الابتدائية و الاعدادية و جزء من ثانويتي فيها. الأمر الذي اختلف عني فيه أخوتي و أخواتي الأصغر حينما تم افتتاح مدرسة خاصة تعلم الانجليزية في سنوات لاحقة ، و كانت لمدرستهم هذه توجه اسلامي مريب، فلم نكن نعرف حينها مدارس تحفظ القرآن إلا الأزهرية ، و تخرج فيها كل أخوتي و أخواتي فيها ما عداي لأنني أكبرهم.

أسوق ذلك مفتتحا ، و ابطالا لسؤال مكرر يأتيني من المرور على المدونة ، و الضاغطين على زر الدردشة ، و السائلين إن كنت قد درست في أوروبا ، أو أنني مجرد خريج آخر من الجامعة الامريكية ، و أجهل تماما سر هذا التصور الذي تكرر كثيرا فعلا. ولا أجد له مبررا سوى أنني أضع وصلات لأغان غربية. خاصة مع ضعف أعتقده في انجليزيتي و اسبانيتي و مؤكد عربيتي أيضا.

الصورة من فليكر


مدرستنا هذه كانت رائعة المعمار ، ممتلئة بالخضرة ، و تألفت من مجموعة مبان بطابقين ، و لها سقف عال جدا و مشمسة دوما ، و يقوم مستثمرو المدينة بأعمال صيانة دورية. و كنا جميعا نقود دراجاتنا للمدرسة صباحا ، فتجد صفا من عشرات الدراجات في مكان مخصص عند المدخل ، يشبه اماكن وقوف الدراجات بالعاصمة الهولندية كثيرا. و كان المدرسون يظنون - خطئا - أنني انطق عربية سليمة ، و ذلك لعادة تخليت عنها لاحقا متعلقة بتعطيش حرف الچيم ، كنت قد اكتسبتها من ثلاث سنوات دراسة أولى في بلاد النفط . و بالتالي جعلوا مني قارئا بالإذاعة المدرسية لسنوات . و باختياري رئيسا للفصل ، ثم رئيسا للكشافة حصلت على بضعة مزايا تافهة ، منها حذفي بشكل حبي من قائمة الحضور و الغياب اليومية في الفصل .

اليوم عادت إلي صور من هذه الحقبة الضبابية في عقلي الآن ، فتبدو تلك المدينة الأخرى بعيدة ، فلم تطأها قدماي منذ ١٠ سنوات ربما منذ عصور الثانوية العامة ، و ابدو انا نفسي ضبابيا كلما اجاهد لأراني شابا يركب دراجة عبر الحدائق ، في أمطار الشتاء . مرتديا منديل الكشافة ، و قبعة لا أذكر لونها ، أظنها خضراء.

مع الأحداث الأخيرة المرعبة ، أعرف مدى رداءة التعليم الذي حصلنا عليه في هذه المدرسة ، و إلي أي مدى أسهم هؤلاء المدرسون في خلق شباب جيلنا ،و الذين كانوا أصحابي الوحيدين و أثروا في أيضا ، فتكاد تكون حلقة محكمة الإغلاق على كل المدخلات و الثقافات التي تشربتها طفلا و مراهقا..لذا أحاول هنا تذكر أهم هؤلاء المدرسين ، و لسبب أجهله.



الصورة من فليكر


-مِس عبير-

لا أظن هناك شعور بالخذلان أقوى من أن يمتلك الطفل من المعرفة أكثر من مدرّسِه ، شعور بالعدمية و اللاجدوى في آن .
مس عبير ، كانت تدرس لفصول أصغر منا ، و لكنها كانت تأتينا في حصص "الاحتياطي" دائما. كانت الوحيدة التي ترتدي الإسدال بالمدرسة ، و كانت نصف مدرسات المدرسة هن فقط المحجبات في حينها.
جاءت يوما في حصة احتياطي ، و قالت أنها متعبة ، و اسندت رأسها و نامت على مكتب المدرس ، دقائق قليلة و فتحت أعينها ، و كأنما شاهدت رؤيا .
قالت: الحصة الاحتياطي مش حصة للعب ، لان الله سبحانه و تعالى حيحاسبني على الوقت اللي قضيته معاكم ، عشان كده ، لازم "تنهلوا من العلم" ، ثم وقفت و بدأت تكتب علي السبورة الآتي:
صلاة الفجر - ركعتان قبلها
الظهر - أربع ركعات قبلها
فهمنا أنها تكتب الصلوات السنن التي يجب أن نصليها ، و لكن ما فاجأني هو انها كتبت الآتي بالحرف الواحد.
سلاة الفجر - ركعتن قبله
سلاه الضهر - اربعة ركعة قبله
جعلت أبحلق في السبورة مشدوها بما أري ، لم أتمالك نفسي ، قمت و قلت : "يا ميس ، كل اللي حضرتك كاتباه غلط. ولا كلمة من دول بتتكتب كده."
انهالت علي بوابل من التوبيخ ، و طردتني من الفصل
و حتى الآن لم أعرف أبدا كيف كانت تدرس مادتها للفصول الأخرى. بإمكانياتها اللغوية تلك .


- أ. محب -

الأستاذ محب كان رجلا طبقيا جدا ، اول العام الدراسي سألنا أسئلة من نوع :
"مين باباه عنده عربية؟ مين ساكن في شقة و مين في ڤيلا؟ مين ساكن في الحي الفلاني ؟ مين اهلو بيتكلمو انجليزي ؟ مين معاه كلينكس في جيبه؟"
و بناء على ذلك قسم الفصل طبقا لاجاباته و رتب أماكن جلوس الطلبة.
و الحقيقة لا بد من القول أن المدرسة تلك كانت فقاعة اجتماعية ، لم و لن تتكرر ، فظروف المدينة الصغيرة أدت إلى أن أصبح اقطاعيوها و معوزوها يرسلون أولادهم لنفس المدرسة ، ففي نفس الفصل جلس أبناء دبلوماسيين ، و متعددو الجنسيات ، و أبناء مستثمري المصانع ، جنبا إلى جنب مع أولاد المزارعين و عمال نفس المصانع التي يملكها طلبة زملاؤهم.
و كان يحدث أن يعتذر طلبة عن الحضور لأنهم يعملون في الحقل في موسم ما يساعدون أهلهم في الحصاد ، في حين يعتذر آخرون عن الحضور لان الرئيس الفرنسي يزور مصانع عائلاتهم ، و سيرافقون ذويهم لمقابلته. هكذا كانت الأجواء.
عودة لمحب ، الرجل كان يضرب الطلبة بلا هوادة ، ولسبب ما - طبقي اعتقد - استثنى بضعة منا من العقاب المتعسف ، و كنت منهم.
كانت ممارسته الفضلى هي التعليق على الباب ، و علمت حينما كبرت أنها من ممارسات التعذيب باقسام الشرطة ، حيث يضع الطالب يديه من خلفه ، و يكون الحلق العلوي للباب بين ذراعيه و ظهره فيما تحت إبطيه ، مما يسبب حزا شديدا و ألما فائقا بفعل ثقل الجسم المعلق ، و كان إما يترك الطالب لوقت حتى يتأذى و يهتريء ما بين ساعديه ، أو يضرب باطن قدمه العاري أثناء ذلك.

لسبب أجهله ، زار محب دارنا بعد عدة من تخرجي - و أظنه أتى مع صديق لوالدي من المدينة القديمة - رفضت مقابلته و السلام عليه . غادر متأثرا ، لكنني لم أنسى بكاء الأطفال عاليا فوق الباب ليومنا هذا.


- أ. حسام -

الأستاذ حسام ، كان مدرس الدين و اللغة العربية ، و هو من ابتدع مقولة: السلام عليكم ، كتحية رسمية عند دخوله الفصل عوضا عن صباح الخير. ثم تبناها بقية المدرسون في المدرسة .
كانت حياتنا تتغير مع بداية التسعينات ، و نلمس المنحى الاكثر تشددا من الاسلام رويدا رويدا .
في يوم وقف الاستاذ حسام يحدثنا عن العادة السرية ، كان يتحدث عربية سليمة و ان كانت معدومة التأثير أو الكاريزما، قال من جملة ماقال: " هذه العادة حرام ، و من يدمنها سيضعف جسده حتما ، و يضعف بصره ، و تتكاثر الحبوب في وجهه ، و لن يعاود الانتصاب عند الزواج "
قال أحدهم (اسمه مكرم ، كتبت عنه سابقا ) : " يا استاذ انا بامارسها من سنة و ما بيحصليش اي مشاكل ، و بعدين مافيه متجوزين بيجتمعوا بزوجاتهم اكثر من مرة في اليوم ، هل بتظهر عليهم الأعراض دي؟"
قال أ. حسام: " يا مكرم لا تجاهر بالمعصية ، و تب إلى الله من هذا الفعل ، و إن كنت تقرأ أو تتابع احدث اكتشافات العلم لكنت عرفت أنه آثناء الجماع تكون فتحة قضيب الذكر مفتوحة عن آخرها ، فتدخل منها سوائل من مهبل المرأة ،هذه السوائل مليئة بالمقويات التي تعوض ما يفقده الزوج عند القذف"
همس مكرم في أذني بعد الحصة: " سيبك من اللي بيقوله ده ، ده كلام فارغ و مش علمي! انا باسرتن ٥ مرات في اليوم و باشيل حديد ، اصلا صحتي بتتحسن!"


- مس نجوى -

مس نجوى كانت محجبة حجابا يظهر أكثر مما يخفي ، فقد كانت في مرحلة الانتقال كسائر البلد . و كان الحجاب جديدا عليها و هي تشرف على العقد الرابع.
كانت تدرسنا الجغرافيا و كانت تنطق الاسماء بطريقة مؤسفة فتقول "كمبوتيشيا - Cambotishya" بدلا من كمبوديا ، و تقول حُمُّص بدلا من حِمص السورية ، و مرة كانت تؤكد لنا أن في كل دولة عربية مدينة بنفس اسمها ، مثل الجزائر و الكويت و تونس.
و من معارفي الضئيلة فكرت أن هذه استثناءات و ليست قاعدة ، بدليل أن ليس في مصر مدينة اسمها مصر ، عبرت عن ذلك ، قالت بلا تردد:" هو انت لما بتسافر القاهرة ، مش بتقول انا نازل مصر؟"
و كانت مقتنعة تماما.
السيدة عرفناها شديدة العنف أيضا ، كان لديها عصا تشبه رجل كرسي القهوة الخشبية السميكة ، أو هي حقا رجل لكرسي قديم ، غليظة جدا ، حتى ان الضرب بها على اليد لن يجدي كثيرا.
كانت تضرب بها على الرأس.وبشكل مباغت.
و حدث مرة أن نزف طالب من منبت الشعر في رأسه من جراء ضربة واحدة خاطفة.
أتانا بضمادة أعلى رأسه في اليوم التالي و بجواره أبيه واعداً المدرسة بان ابنه لن يكرر خطأه ، و طلب منه أن يعتذر لها ، قالت : "مش حاقبل اعتذارك ، بس من هنا ورايح تذاكر ، و نبقى نشوف"
الحقيقة هي ضربته ونزف لانه لم يعرف اجابة سؤال منهجي أبله.


الصورة من فليكر


على الرغم أنني أنا شخصيا كنت من أقل المتعرضين للعنف الجسدي ، أو اللفظي في المدرسة ، إلا أنه قد ترك في أثرا بالغا ، على الأقل الرؤية و التعاطي اليومي مع هذا الواقع .
و الحقيقة ، حينما يلقي مدرس بالطالب من الدور الثاني ، فإنني لا أظن في هذا العام - في المدرسة محل الحادث - سيصبح لتحصيل العلم أيه قيمة في نفوس الطلبة ، باستثناء تعاطيهم مع المدرسة كحلقة أخري في مسلسل الخوف اليومي ، سواء من الاسرة ، أو من الشارع ، أو من السلطة ، و القائمة تطول.


يقول پول سيمن ، مغني المفضل :

When I think back , On all the crap I learned in high school.
It’s a wonder I can think at all.
And though my lack of education Hasn’t hurt me none.
I can read the writing on the wall








الحقيقة أتفق تماما..




21/02/2009

أربعة من خمسة


كنت قد كتبت منذ مدة عن "أخطبوطي" الفيلم المتحرك القصير ، كنت قد مدحت فيه علي ما يبدو مما أثار حفيظة البعض.
مرت الأشهر ، و هاهو الفيلم - الذي لا يعدو أن يكون مشروع تخرج جامعي - و قد أصبح ضمن الأفلام الخمسة القصيرة المرشحة للأوسكار في هذا العام.
الأفلام الخمسة رائعة ، و صادف أن كل فيلم منهم من دولة ، و كل فيلم بتقنية تحريك و رسم مختلفة تماما.
عثرت على أربعة من الخمسة على الشبكة ، أضعها هنا كنوع من الإبهاج ، و التعريف ، خاصة أن دور العرض في القاهرة لم ترينا أكثر من خمسة أفلام من إجمالي تجاوز الستين فيلما تشارك هذا العام.
أعتذر عن كفاءة بعض الأفلام ، لكن بعضها مقرصن كما نعلم جميعا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الياباني
Tsumiki no ie
هو الوحيد الذي لم أجد له أثر علي الشبكة ، باستثناء صور منه ، او مقتطفات قصيرة





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ










ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفرنسي
Oktapodi





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الانجليزي
This Way Up






ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأمريكي
Presto





أطلب من جار القمر ، أن يحاول العثور علي أفلام قسم الروائي القصير و التسجيلي القصير بالمسابقة ، بصفته منقبا معروفا في غياهب الشبكة.
و للمرة الثانية الأفلام مهداة لطلبة معهد السينما ، و خاصة قسم الرسوم.






.

01/02/2009

حول الانتصار

حينما كنت صغيرا ، كثيرا ما شاهدت صورة لخالي بزي عسكري في بيت الجدة ، كانت صورة صغيرة ، موضوعة في مكان واضح ، و كنت أعرف أن خالي قد استشهد في حرب اليمن.
لم يشغلني الأمر كثيرا في صغري ، و لكن انتابني فضول في مرحلة ما ، و أذكر انني سألت أمي ذات يوم :
-ماما ، هو مين اللي انتصر في حرب اليمن دي
قالت أمي بيقين قاطع ، و عين لامعة : مصر طبعا.

تنتابني هذه الذكرى و أنا ابحث في المعاجم حول معنى كلمة "انتصار" ، و هي كلمة لا بد من الوقوف عندها كثيرا في هذه الأيام تحديدا

"( انتصر ) - على خصمه استظهر ومنه انتقم"
المعجم الوسيط



و كنت جالسا مع بعض الصديقات ، و أخذن في الحديث مطولا حول أحداث غزة ، و حول "انتصار المقاومة"
بحسبة بسيطة ، قلت أنني لا أجد فيما حدث نصرا لحماس ، أو للفلسطينيين ، و أن ما حدث كان خسارة فادحة لشعب يعاني منذ سنوات ، ووقع ضحية طبخة سياسية مكشوفة بشكل فج و أن استمرار اسرائيل في ضرب حماس ، ممتد إلى مالا نهاية ، و تتغير اشكال المعركة اطرادا نحو الكبر، و إذا فقد المقاومون قدرتهم على فهم معنى بسيط جدا كـ " الانتصار" فلا أظنهم بقادرين على الإتيان به أبدا.

"وانْتَصَر الرجل إذا امتَنَع من ظالِمِه. قال الأَزهري: يكون الانْتصَارَ من الظالم الانْتِصاف والانْتِقام، وانْتَصَر منه: انْتَقَم. قال الله تعالى مُخْبِراً عن نُوح، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ودعائِه إِياه بأَن يَنْصُره على قومه: فانْتَصِرْ ففتحنا، كأَنه قال لِرَبِّه: انتقم منهم كما قال: رَبِّ لا تَذَرْ على الأَرض من الكافرين دَيَّاراً."



الزلزال الذي ضرب القدس في العشرينات ، الدمار واضح على كنيسة القيامة
و يظهر اثنان من ضباط الإحتلال الإنجليزي - المصدر


اتفهم تماما ، أننا بعواطفنا العربية الجياشة ، نرى حرجا كبيرا في اعتبار المئات قد ماتوا سُدى ، و بدمائنا الشرقية الحارة ننكر فكرة الهزيمة نكرانا بينا ، خاصة أن المقاومة "إسلامية" و لديها من المدد الإلهي ما يغنيها تحليلات المحللين ، و سفسطات المدونين من أمثالي.
عثرت على خطبة هنية الشهيرة بعد أحداث غزة ، و الحقيقة تابعت منطق الرجل و كلي أمل و تعاطف ، و رغبة مرتبكة في الدعم ، قال هنية: " إن ما يحدث في غزة الآن ، هو آية من آيات الله".
قمت برفع الصوت قليلا ، ربما..
قال: "إننا نعرف أن هذه الهجمة البربرية وهذا الغدر الصهيوني، ما هو إلا لأننا آمنا بالله رباً وبالنبي قائداً وبالإسلام ديناً وبالقرآن دستوراً، وبالجهاد سبيلاً."
قمت بخفض الصوت.
الحقيقة لم يكن ذلك ما اتوق لسماعه أبدا ، الرجل علي يقين كامل بنصر من الله ، و بأن الحرب حربا للإسلام ، و بحجة الإسلام ، و نصرة للإسلام . و الحقيقة تندر أي صيغ وطنية في حديثة قياسا بالأدعية ، و الآيات القرآنية .هذا فضلا عن اليقين التام بالنصر الإلهي - مرة أخرى -.
قال: "
نحن هنا لن نلجأ في هذه اللحظات إلا لله ونستجير به ونستعين بقوته وحوله، وعظمته وجبروته، ونحتمي بحماه ونركن إليه، لا إله إلا هو القهار ذو القوة المتين .." ، و ينحي هذا المنحى في غالب خطابه.
ثم كان كلام السيد نصر الله قائلا : "من لم يعترف بنصر المقاومة في لبنان ، لن يعترف بنصر المقاومة في فلسطين"
اتفق مع السيد لأول مرة ، فالسيد ذكي ، و يعرف أن منطقية تفكير البعض لن تقودهم إلى فهم أي نصر حدث في لبنان ، و طبعا لن يرون أي نصر حدث في غزة ، و أنا منهم.
اري ما حدث في غزة كالآتي:

١- اسرائيل ترفع سقف هجومها على أعدائها او من لا يروقون لها في كل مرة ، و كل حرب (لبنان/غزة) هم يختبرون الرأي العام العالمي ، و يجدون انهم يخرجون بمذابحهم كالشعرة من العجين. و بالتالي فالمرة القادمة أكثر قمعا و مرارة.

٢- نجح هنية و معيته في جعل انفسهم رموزا وقتية للكرامة و العروبة ، و أفئدة المسلمين هوت إليهم ، و لكن كسب تعاطف شعوب غير فاعلة - خاصة استنادا على الدين - هو أمر سهل في هذه الأزمنة ، و مع دعم رهيب من الفضائيات ، تصبح المهمة منتهية في يومين . ربما هذا ما عناه بالنصر ، أن حركته أصبحت الممثل الحقيقي للقضية الفلسطينية في أعين العرب ، و لكن لم ينتصر على عدوه. إنه انتصر على سلطة ابي مازن.

٣- النصر - في رأيي - هو أن يكسب احد الطرفين مكسبا كبر أو صغر لصالح أرضه/ جيشه ،/او حتى مبدئه ، و لكن لا أرى ذلك قد تحقق هنا علي أي شكل.

٤- حماس استغلت صور الشهداء ، لتكسب تعاطف الشعب العربي معها ، و لم تتحرك خطوة لدعم قضيتها دوليا ، و هكذا استمرت حرب اسرائيل تغذي مستنقع ازمتهم الداخلية.

٥- فلسطين حماس ، التي تتجلى في خطابه ، ليست هي فلسطين التي اتمناها ، أو ابتغيها جارة ، فلسطين التي تحكي عنها حماس هي ضد كل ما تمنيته أن يكون ، و وقفت لأجله في أي موقف ، و هذا لا يعني مطلقا أنني أبغض ما قامت به اسرائيل كل البغض ، و لا يعني مطلقا أنني احتسب من ماتو شهداء ، و إن كنت لا أعلم لأي قضية تحديدا.

٦- مسألة أن "
الفلسطينوين نجحوا في وقف العدوان والعدو فشل في تحقيق أي من أهدافه" و أن "الفلسطينوين في لحظة انتصار استراتيجي لنواصل الطريق لتحرير الأقصى والقدس" على حد تعبيره ، أراها مُذلة و مُهينة بعكس ما اقتضى لها أن تكون ، و كأن العدو إن لم يحقق كل اهدافه ، نكون قد انتصرنا ، و كأنه اصلا يعرف تحديدا كيف كانت اهداف العدو في هذه المرحلة ، و كأنه إن دخل قاتل على البيت ، و حاول قتل الاسرة ، و اختبأ الأب تحت الفراش ، و خرج ليجد اسرته قد نحرت ، فسيعتبر أنه انتصر.... أنا اعتبره محظوظا .


فلسطيني يقف على اطلال مدينة تاريخية
١٩٢٠
المصدر


أحيانا ، يشق على انفسنا رؤية الأحداث بعين ألهبتها صور الأشلاء ، و أوصال الأطفال ، و صفوف الجثث في الأكياس البلاستيكية ، و لكن إن كنا فعلا نبغي إيقاف هذه المأساة - التي تتكرر دوما - علينا باتخاذ منهجيه أخرى في التفكير ، و نهج وسيلة أخرى لاطلاق الأحكام ، أو أضعف الإيمان ، تسمية الأشياء بأسمائها.

نهاية ، تظل كلمات هنية : "
يا شعبنا المرابط، يا غزة العزة يا أيها المجاهدون الأطهار أنتم تصنعون اليوم، تاريخاً ...إننا نعاهد الله ونعاهدكم ونعاهد أمتنا وكل أحرار العالم بأن نبقى في مواقعنا حتى ولو قصفونا أو قتلونا أو فرقونا أشلاء {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون}، فهنيئاً لكم أيها الشهداء فهنيئاً لكم أيها الجرحى هنيئاً لكم يا خنساوات فلسطين يا رجال فلسطين، واستعينوا بالله واصبروا وتوكلوا على الله وتضرعوا إليه، ولن يخذلكم أو يضيعكم أو يكبتكم، ووالله الذي لا إله إلا هو ليكبتن عدوكم ويخزي المتآمرين عليكم......"

و أظل أتساءل في قرارة نفسي، أحيانا ، رغم كل ما عرفته لاحقا ، عن سبب موت الخال.



06/01/2009

قِصــــة..


حدث في أحد الأيام أن كان هناك فيلا عملاقا يعيش بجوار إحدى القرى ، و كان فيلا قاتلا عنيفا ، كثيرا ما هاجم سكان القرية الودعاء.
حاول القرويون مرارا قتله أو إبعاده و إقصائه ، لكنهم فشلوا فشلا ذريعا ، بل و غالبا ما خافوا حتى من ترك منازلهم لعله يلاقيهم في الطريق و يفتك بهم أو يدمر بيوتهم .
حتى كان يوم اجتمع فيه حكماء القرية ، و تحدثوا طويلا في أمر الفيل ، و ما له و ما عليه ، سكت كبير الحكماء طويلا ثم بدأ في الحديث ، و حينها التزم الجميع الصمت و أطرقوا الآذان.
"من يستطيع تدمير الفيل ، له جائزة ضخمة" ، قال.
ضج الجمع باللمز و الهمز ، و لكن ما لبثوا إلا أن تأججت عزيمتهم فتجمع حينها أشهر صيادي القرية لقتله طلبا للجائزة ، و شرعوا في اقتفائه ،إلا انهم اخفقوا جميعا. لأسباب لا محل لها هنا.
و حدث - أيضا - أن كان هناك ضبع يعيش قرب القرية سمع خبر الجائزة ، فتنامَت إلي عقله فكرة ، فعدى نحو كبير الحكماء بالقرية و طلب في تأدب : "أؤمر لي أهالي قريتك أن يشقوا طريقا بين الأعشاب و الأحراش بطول ٢٠ ميلا ، هذا ما أحتاجه لضمان خطتي للقضاء على الفيل".
صمت كبير الحكماء لوقت اختلفوا حوله ، ثم أنشأ يقول: " لك ما طلبت أيها الضبع ، سنشق لك الطريق ، و إن نجحت فإنني لمعطينك طعاما مديدا ، و حشية وثيرة لتنام عليها ، و بيتا منيفا بدلا من سكناك الأحراش ، فضلا عن مكافأة أخرى قيمة من عملتنا المحلية"
و هكذا شق القريون للضبع طريقا معبدة بطول عشرين ميلا و عرض ربع ميل ، تبدأ من القرية و تنتهي في عمق الغاب.
حينما اكتمل العمل ، و رضي الضبع عن اداء القرويين ، قال: " أحسنتم" ، ثم شرع في تنفيذ مخططه .
جرى نحو الفيل في الغابة و دار حوار:
الضبع: يا فيل.
الفيل: نعم.
الضبع: إنني عازم على مسابقتك ، و هزيمتك.
الفيل: لن تستطيع (ضاحكا)
الضبع: بلى ، استطيع.
الفيل: هراء، ثم ماذا لك من هزيمتي؟
الضبع: لأثبت أنك غير قادر على العدْو سريعا.
الفيل: ياللسذاجة (ثم شتمه)

انتهى الحديث أن اتفق الغريمان على التسابق في اليوم التالي ، في الطريق الممهدة الجديدة ، من الغابة باتجاه القرية.
ثم انطلق الضبع سريعا نحو جماعته من الضباع ، و عرض عليهم الآتي : أن يساعدوه على هزيمة الفيل في السباق ، و بما أن أهل القرية يخافون الفيل، فإن أول ما سيفعلونه عند رؤيتهم للسباق و الفيل يعدو نحو ديارهم ، أن يهربو تاركين القرية ببيوتها ، و طعامها ، و طيورها ، هنا يتسنى للضباع سرقة ما لذ و طاب من دورهم.
قال أحد الضباع: هاه ... يالك من احمق ، و كيف لك بمجاراة الفيل و هو اسرع و اضخم منك؟
رد الضبع: لأن كل منكم أخوتي سيختبيء في الأحراش بطول الطريق المعبدة ، و بعد كل ميل سيتم استبدال الضبع الذي يركض، بواحد جديد يخرج خفية من جانب الطريق ، و بالتالي سيتعب الفيل قبل أي منا ، و سيستمر في العدو طوال العشرين ميلا. بينما نحن نشطاء نتجدد.

فيل أفريقي يركض - الصورة من فليكر

أما من ناحية أخرى ، فقد كان الفيل يشعر بمرارة و غصة في حلقة ، قضى ليلة سيئة ، و كان يلوم على نفسه كيف أصبح الضباع يساوون أنفسهم به ، و كيف هان به الحال لهذه الدرجة ، و قال في سره أن وجوده و شرفه كـــفيل أصبح على المحك ، و أن لا مكان للهزيمة أو التراضي.

في اليوم المشهود ، كان الفيل و الضبع في أول الطريق بينما تلوح القرية في الأفق ، و انطلقا في جري مستمر. و كما كانت الخطة ، عند كل ميل كان يختفي الضبع المتسابق قافزا بسرعة في الأحراش ليحل محله ضبع آخر نشيط على الطريق. و هكذا استمر الفيل في الجري مدفوعا بجنون عظمة تاريخي ، و رغبة مميته في النصر.دون أن يلاحظ المتغيرات ، و المتغيرون.
و على اعتاب القرية ، كان الفيل قد هدّهُ التعب فسقط صريعا ، و هو يرى القرية أمامه كآخر مشاهد حياته الصاخبة.
حينها تجمهر الضباع و قد تأكدو من النصر، و توجهوا فورا للقرية طلباً لنفائس أهلها و بيوتهم.
و لكن ما أن وصلوا للقرية إلاّ ووجدوها خاوية على عروشها ، فقد هجرها أهلها أثناء السباق باحثين عن أراض أخرى أكثر أمنا ، حاملين - مع يأسهم - كل ما لهم من طعام و شراب و حيوان و نفائس ، و لم يعد فيها سوى السُدى.
تجمع الضباع حول الفيل الملقى أرضا، كان قد مات ، و لم يستفيدوا من الجائزة ، و لا من نفائس القرويين ، و لم يجدوا حتى من يشاركهم سعادة نصر سريع.

غادرت الضباع في صمت حلبة السباق ، مكملين حياتهم التي عهدوها. بدون يقين واضح حول أي الأطراف انتصر.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصة من موروثات الغرب الأفريقي ، ليس لها أي علاقة بأي وضع سياسي راهن ، و تذكرتها هنا بكثير جدا من التصرف.

23/12/2008

واحد عادي


يعرف أي ذكر في أي مجتمع أرضي ، أن مساعدة صديقة أو زوجة أو قريبة في التبضع هي عملية مؤلمة جدا ، و تزداد سلبية تأثيرها وفقا لنوع التبضع الأنثوي ، و الحقيقة ، و لسوء حظي فقد وجدت نفسي أساعد إحداهن في أكثر العمليات إيلاما للنفس ، و هي شراء الماكياچ.
و تجنيبا لذاتي من مشاكل التنفس أو ارتفاع ضغط الدم ، تركت الفتاة ترعى مع إحدى العاملات ، منكبتان على اختيار اشياء باسماء فرنسية ذات فحيح , و تركتهما متسللا لأجزاء اخرى في المحل الضخم - الذي يعتبر تحفة في الإهدار الكهربي و الإضاءة الساطعة - مشاهدا الوانا و أشكالا من مستحضرات التجميل ، و صورا للفتاة النموذجية و هي تستخدم عطرا ما ، أو للشاب المثالي - الذي يفترضون أنني أفترض التحول إليه - و هو يستخدم عطرا ذكوريا آخرا ربما ساعده على تنميق لحيته. و جعل شعره أكثر إعجازا.
و بينما أنا علي هذه الحال ، شاهدت امرأة منقبة تتشح سوادا ، تقف أمام قسم أصابع الشفاه ، و كانت أمامها موظفة تبدو مرتبكة بعض الشيء . طبعا لم أفوت الفرصة ، و تسللت و يداي في جيبي حتى اقتربت من المشهد ، حينها لاحظت أن مع السيدة المنقبة طفلة صغيرة تقف إلى جانبها. و ايّما كانت دهشتي عندما وجدت الأم المنقبة تختبر الألوان على شفتي ابنتها الصغيرة.
كانت الأم - و الطفلة - خليجيتان من لهجتهما ، و كانت الام تجرب كل لون على ابنتها ، ثم تمسحه سريعا لتجرب الآخر.
ثار فضول العاملة ، فسألت السيدة:

- مش من الأفضل تجربي اللون على شفايف حضرتك أحسن
- لا ..لا ... شفايفي نفس لون شفايف بنتي ، بجرب فيها.

سكتت الموظفة. و كاننت الطفلة في ضيق تام من كثرة تلوينها و مسحها.
لم تلبث لحظات أن تمر ، إلا و كانت أكثر من موظفة تساعد السيدة لمجرد تبينهم أنها عربية - في تقديري - ، بل و أثنى بعضهن على فكرة احضارها لابنتها لهذا الغرض ، حتى أن الموظفة التي كانت تساعد صديقتي ، تركتها لحالها ، و ذهبت لتملق العربية لبعض الوقت.

نموذجان من الملصقات الدعائية المعتادة في بدايات القرن العشرين بفرنسا
تندرج تحت مدرسة (آرت نوڤو) ، العملان للرائع الفونص موخا
(يمكن تكبير الأعمال بالضغط)


ذكرني هذا بحوار حدث في أحد أقسام الشرطة بين إثنين من الأمناء
الأول: إيه اللي حصل في محضر الخناقة بتاع امبارح؟
الثاني: لا ، خلاص اصطلحوا
الأول: هي كانت بين مين و مين؟
الثاني: بين واحد سعودي ، وواحد عادي

الآن عرفت تصنيفي أخيرا.
واحد عادي



المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO