08‏/06‏/2007

عن الفراق


كنا جالسَيْن على أعتاب سلم رخامي بارد.
الجو هاديء
كانت تدخن سيجارتها التي أشعلتها بالمعكوس بدءا ، و لكنها ألقت بالفلتر المحترق بعيدا ، و أكمَلَت تدخينها بهدوء ، بينما أدخن لفافة تبغ خفيفة ، تنطفيء كل برهة ، كنا صامتين ، ثم - و لا أدر لماذا - حدثتني عن الموت
قالت أن أعز أصحابها يموت ، و ليس بيدها حيلة
و قالت شيئا عن قسوة الفراق
و لا|أدري لماذا قفز في ذهني كل تلك الاشياء البعيدة ، و التي لا يجمعها سوى ثقل حزن كبير في حينها ، و ظلال هذا الحزن اليوم.

ــــــــــــــــ
حينما كنت طفلا صغيرا عشت في مدن عدة ، و عرفت أصداقاء عديدين ، ثم فارقت هذه الأراضي و الناس ، و حدث اليوم أن هاتفني صديق عرفته في طفولة بعيدة في بلاد صحراوية ، لم أرد ، و كانت هذه هي المرة الخامسة التي لا أرد عليه خلال عام.
وفجأة قفزت في ذهني ذكرى يوم بكيت مرارة و أنا طفل حينما سافر صديقي هذا لعدة أسابيع ، فقد كان أقرب الناس لي ، و كان شعوري بوحدتي لا يعادله شعور حينها ، و اليوم : لم أرد ، و لن أرد أبدا
لقد انتهى هذا الزمان ، و ليس بيدي حيلة فيما صرت إليه الآن ، أو فيما صار هو إليه.
أصبحنا شخصان بالكاد نملك بضع عبارات للشراكة ، و لا شيء آخر
و كل ألم الفراق ، تشربته السنوات ، و بالكاد أكترث الآن
ـــــــــــــــ
في نومي حلمت بفتاة أحببتها حبا كبيرا لسنوات ،و رأيت فيما يرى النائم و كأنني في بيت لها ، و شاهدت سرير طفل صغير .
حينما استيقظت قلت : ربما تحمل و تلد قريبا ، فلها أسرتها الآن
و ابتسمت ، و ربما سعدت بعض الشيء ، تذكرت كم بكيت مرارة أيضا حينما فارقتني ، و كم كان طعم حزني حينما علمت أنها آلت لآخر
و الآن ، أبتسمت لفكرة أنها سعيدة ، و ربما سيكون لها أبناء
اليوم ، أشعر و أنني أشاهد ذلك من بعيد ، أو كأنني أقرأ رواية كتبت برداءة
فالآن لكل حياته البعيدة كل البعد ، روحا و شكلا ، و محتوى
و إن كان طعم المرارة لا زال في حلقي ، و لا مفر من التذكر.
و كأن الأزمنة صنعت لنكبر قليلا ، فننسى.
أو لنتأمل كيف كنا ، و كيف أصبحنا الآن .

ـــــــــــــــ

مات قريب لأسرتنا منذ وقت ما ، كان عجوزا ، و كان يعيش في بيته مع زوجتة العجوز ، حينما رحل ، أذكر أن زوجته لم تذرف دمعة واحدة ، بل واجهت الوضع بقوة امرأة مصرية ، و قلب زجاجي ، و عندما سألت أنا عن ذلك ، علمت أنهما كانا في خصام فولاذي ، طال الخمسة عشر عاما.
بل أنهما لم يتبادلا أي حديث خلال هذه السنوات ، فقد كان الرجل قد آلم هذه السيدة كثيرا فيما مضى ، و لكنها لم تطيق الغفران طوال هذه السنوات ، و لا الطلاق.
مات في فراشه
بدون كلمة ، و علمت هي في اليوم التالي ، حينما لم يخرج بعكازه لتمشيته الصباحية المتوحدة ، التي لم يتغيب عنها أبدا.
مات ، و لم تتاح كلمة واحدة للود أو الغفران بينهما.
يبدوا أن الزمان أحيانا ، أقل قسوة كثيرا من بعض الناس ،
رحم الله الزوجين
و ربما أتيح لهما في حياة أخرى ، بعض من سلام ، و ربما من حب جديد.



رمي ، يشاهد ابنته تحدثه لآخر مرة عبر الشبكة ، في يوم وفاته
من: الغزوات البربرية


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ


لا أذكر كلمات عن الموت أكثر تأثيرا في مما كتب درويش عن نفسه :
“قل للغياب: نقصتني
وأنا حضرتَ ... لأكملَك"

و بالتالي تمر فى البال كلمات أخرى: ـ

في البيت أجلس، لا حزيناً لا سعيداً
لا أنا، أو لا أحد

صحف مبعثرة. وورد المزهرية لا يذكرني
بمن قطفته لي. فاليوم عطلتنا عن الذكرى،
وعطلة كل شيء... إنه يوم الأحد

يوم نرتب فيه مطبخنا وغرفة نومنا،
كل على حدة. ونسمع نشرة الأخبار
هادئة، فلا حرب تشن على بلد

ألامبراطور السعيد يداعب اليوم الكلاب،
ويشرب الشمبانيا في ملتقى نهدين من
عاج... ويسبح في الزبد

ألامبراطور الوحيد اليوم في قيلولة،
مثلي ومثلك، لا يفكر بالقيامة .. فهي
مُلك يمينه، هي الحقيقة والأبد!

كسلٌ خفيفُ الوزن يطهو قهوتي
والهال يصهل في الهواء وفي الجسد

وكأنني وحدي. أنا هو أو أنا الثاني
رآني واطمأنَّ على نهاري وابتعد

يوم الأحد
هو أول الأيام في التوراة، لكن
الزمان يغير العاداتِ: إذ يرتاح
ربُّ الحرب في يوم الأحد

في البيت أجلس، لا سعيداً لا حزيناً
بين بين. ولا أبالي إن علمت بأنني
حقاً أنا ... أو لا أحد! ـ

هناك 5 تعليقات:

  1. غير معرف6/09/2007

    حلوة كالعادة. شوف ما فيش حد من الاهمية حتى لا تسير الدنيا من بعده.

    ردحذف
  2. o7od you reminded me of a poem by Henry Wadsworth Longfellow ... it says:
    When I compare
    What I have lost with what I have gained,
    What I have missed with what attained,
    Little room do I find for pride.

    Ya o7od Life goes on in spite of our losses ... we just have to learn how to live with loss cause we can't waste life

    ردحذف
  3. غير معرف6/10/2007

    العزيز أوحد
    متابع الكتابات بتاعتك من مدة ، و اسمحلي أشكرك ، لكن أنا مش عارف إيه علاقة اللي بتكتبه هنا بعنوان المدونة


    خالد

    ردحذف
  4. حالة البين بين هي مماثلة للموت البطيء لكنها لا تؤدي بالضرورة لنتيجة واحدة (الموت الموت)
    بل بالإمكان أن تصل إلى نتيجة معاكسة تكون بمثابة "رِدّة" إلى الحياة
    والبعض الآخر يبقى في حالة البين بين هذه لمدة طويلة وهي تكون محفزة له من دون أن يدري بالضرورة

    شخصياً أستمتع بالتهكم على الموت من حين لآخر، والناتج (كتابةً) يكون ذا كمستوى أعلى مما أكتبه عادةً (على الأقل من منظوري الخاص)

    هناك حالة أخرى من الموت أشرت إليها في النص عن علاقتك المقطوعة بصديقك نظراً لانتفاء وجود الكلمات وانحصارها ربما بالرسميات. تسنى لي مشاهدة فيلم تركي هو
    Climates / Iklimler(2006)
    Directed by: Nuri Bilge Ceylan

    الشريكان بالكاد يتكلمان خلال الفيلم. الفيلم يتكلم عن حالة من انقطاع التواصل أو عدم الفهم بين الشريكين مما يجعل العلاقة تنهار. الفيلم أكمله كان مثالاً عن الموت البطيء.. لعلاقة
    !

    يقال على نسق الرحابنة بهيك مطارح:

    "
    شو بيبقى من الحب، من البكي؟
    .. بيبقى قصص زغيرة عم بتطيرها الريح
    "

    ردحذف
  5. غير معرف6/22/2007

    و كأن الأزمنة صنعت لنكبر قليلا ، فننسى.
    أو لنتأمل كيف كنا ، و كيف أصبحنا الآن .


    time is the most guaranteed of all remedies ya ahmad...
    rima

    ردحذف

المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO