28‏/12‏/2006

أتذكر ديسمبر


ديسمبر هو شهر مؤسف حقا... بالنسبة لي هو مفعم بالذكريات ، ليس لأنني ابتليت بأن ُخلِقت فيه ، و ابتليت ببرج القوس المتفائل المتشائم ، التعس المُبْهَج ... و لكن لأن الإرادة الإلهية جعلت منه مفعما بالتذكر و الذكرى ...
أذكر أعياد ميلادي - التي عادة لا أحتفل بها ، و أتوتر ان تذكرها أحد ، و لكنها غالبا ما حوت شيئا حميما على مدى أطياف السنوات - ، كما أذكر أن الشتاء يعود ، و أن المطر سيهطل مرة أخرى ، و أشتاق للاسكندرية..
أذكر ميلاد النجار في كهف مقفر في فلسطين، و أذكر كيف تغير العالم. أذكر محلات الأقباط قي شبرا و هليوبوليس و هي مزينة بالاحمر، أذكر حفلات و ترانيم حضرت بعضا منها ، في الأوبرا ، أو القلعة ، أو داخل كنائس صغيرة...
أذكر محلات الخمورفي وسط المدينة و جاردن سيتي و هي مكتملة الإضاءة ، و تبيع نبيذا للعشرات في عرض الطريق..
أذكر حفلات رأس السنة الماجنة ، و حفلات رأس سنة اقتصرت على فردين ، و ربما فرد واحد أحيانا.
أكتب من اجل ديسمبر بكل قسوته و حنينه ، و أكتب ما تذكرته اليوم...
أو ما تذكرت أنني قد رأيت و سمعت في ديسمبري هذا ..
و عذرا لعدم الترابط..
فهي القاهرة!

-١-
كنت أسير في زقاق في وسط المدينة ، قبل الأعياد بأيام ، و بينما أجتاز بين شارعين و جدت بائعا للأحذية المهربة على ما يبدو، قلت لمن معي : حسنا ، فرصة لأشتري حذاءا جيدا و رخيصا ، قالت هي: لن يحدث ذلك أبدا...
سألت: لماذا؟!
قالت: هذا المحل قد كان مكتبة في يوم ما ، و الآن هو محل أحذية ، لقد كنت قد اشتريت منه كتاب أشعار لراهب ياباني ..
لم أجب..
قالت : لن أستبدل الشاعر الياباني بحذاءك ، ابتَسَمت ، و انطلقنا....

-٢-

بعد ذلك بعدة أيام دار هذا الحوار
#1 to #2: look, let me introduce you to Ahmad ... he works as (....) ، I told you about him before i guess..
#2 to me: Hello, it's a great pleasure ...
ME: Hi ... the pleasure is mine

دار هذا الحوار بين ثلاثة من المصريين - أنا من بينهم - في الشارع بالقرب من ميدان العتبة....

و في اليوم التالي دعيت على عشاء كريسماسي عتيد
و قابلت عدد من اصدقاء قدامى ، و أناس جدد ، منهن فتاة أوروبية ، حدثتها بأسبانية متكسرة سائلا إن كانت تفضل الحديث بالاسبانية أم الانجليزية ، ردت في عربية قاطعة : لأ طبعا .. بالعربي .. أنا مصرية!!
الفتناة اسبانية قلبا و قالبا و لم تخطو مصر إلا منذ ثلاثة سنوات ، و تعتبر نفسها مصرية.
لم أفهم شيئا!

-٣-

نويبع - أول الشهر -، خطبة صلاة الجمعة في مسجد المدينة ، تحدث الخطيب عن الشرور ، و اجتنابها ، و كيف أن الشر مهلكة ، و ما شابه ذلك ، و أضاف : و زي ما النبي عليه السلام ما قال... ابعد عن الشر و غني له!
قال الناس : صدق رسول الله!


-٤-
في نفس هذا الديسمبر ، و على الصعيد الموسيقي ، فقد أصدر دامين رايس (واحد من أكثر المغنيين كآبة و ظلمة على هذا الكوكب ) ألبومه الثاني ، بعنوان ٩، و الألبوم يمتاز عن سابقه بأنه حتي أكثر قتامة ، و أغانٍ مثل
Accidental Babies , 9 crimes, Gray Room
هي أعمال لا أظن هناك ما يتجاوزها حزنا ، وواقعية في احيان كثيرة ، و لذا أعدت الاستماع إلى الألبوم الأول مرة أخرى ، ولاحظت أن أغنية
I remember
تلك التي أسرتني لأيام و أيام ، كان يتحدث فيها عن ديسمبر
داميان مواليد شهر ديسمبر ، برج القوس
(اضغط على آسماء الأغاني للاستماع)
-٥-

قبل عيد ميلادي بأيام ، جاءني تليفون من صديق حميم ، و كان يعمل على ترجمة نص يسمى (أوسكار و السيدة الوردية ) و كان قد أرسل لي بعضا من ترجمته ، و الحق فقد كانت ترجمة بديعة لنص شديد الروعة ، و النص عن طفل مصاب بالسرطان ، و يعلم أنه ميت خلال أيام ، و لكن هذا الطفل ، تقنعه السيدة الوردية بأن يكتب خطابات لربنا ...!!
و أن يكتب في كل يوم خطاب ، و يتخيل في كل خطاب أنه قد كبر عشرة سنوات ... و بالتالي ، فالنص عبارة عن خطابات موجهة للخالق ، بلُغة طفل في العاشرة ، و يسرد فيها حياة كاملة من حب و احباط و عشق و عراك، و دين و علم و كل ما مر في خياله ...
النص قد لمس قلبي بمنتهى اليسر حينما أرسل لي صديقي هذا على بريدي الالكتروني ترجمته لأول خطابات أوسكار:

عزيزي ربنا:

انا إسمي أوسكار، عندي 10 سنين،ولّعت في الكلب و القطة و البيت (و اتهيألي، إن السمك الذهبي اللي كان جوه البيت هوه كمان اتشوى من النار)، و باكتب لك لأول مرة، علشان قبل كده ما كانش عندي وقت – علشان المدرسة انت فاهم بقى ..." ـ
و حينما انتهى الخطاب الأول كنت مشدوها بسحر النص و اللغة إلى أبعد مدى...

آدي الحكاية يا سيدي، و بمناسبة بقى أول جواب أنا شرحت لك الأحوال هنا في المستشفى اللي شايفيني فيها عقبة في طريق الطب و عاوز أطلب منك تنورني في الموضوع بتاعي: يعني أنا باختصار هاخف و لا لأ؟و ياريت لو تجاوبني آه أو لأ، يعني تحذف الإجابة الغلط و أنا هافهم، اتهيألي مش صعبة دي.

إلى اللقاء بكره، قبلاتي

أوسكار
ملحوظة: دلوقت أنا مش عارف عنوانك، هنعمل ايه بقى؟!" ـ


المهم ... حينما هاتفني صديقي هذا ، الذي ترجم النص ، سألني:
أليس عيد ميلادك في التاسع عشر؟
قلت : نعم!
قال: أتعرف أن أوسكار في النص بدأ أول خطاب في التاسع عشر من ديسمبر؟
قلت : ...
قال: أتعلم أنني عاكف عليها لأنهيها في يوم التاسع عشر من ديسمبر؟ ستكون هديتي لك ، أعلم أنك تحب النص!!!

في يوم التاسع عشر من ديسمبر - رغم كل أحداث هذا اليوم - فقد كانت معي أول نسخة مطبوعة من ترجمة هذا الكتاب ، مختومة بإهداء أعتقد أنه أرق ما وصلني في حياتي هذه قاطبة ، و كان الإهداء مذيلا بكلمة : القاهرة في التاسع عشر من ديسمبر


- ٦-
صدر لمحمود درويش نصا بعنوان "في حضرة الغياب" و أتى الديوان لمصر هذا الأسبوع ، و بهذة المناسبة تذكرت نصا من كتابه: "كزهر اللوز أو أبعد" ـ

إن مشيت على شارعٍ لا يؤدي إلى هاوية

قُل لمن يجمعون القمامة: شكراً!

إن رجعتَ إلى البيت، حيّاً، كما ترجع القافية

بلا خللٍ، قُلْ لنفسك: شكراً!

إن توقَّعتَ شيئاً وخانك حدسك،فاذهب غداً

لترى أين كُنتَ، وقُلْ للفراشة: شكراً!

إن صرخت بكل قواك، ورد عليك الصدى

"مَنْ هناك؟" فقل للهويّة: شكراً!

إن نظرتَ إلى وردةٍ دون أن توجعكْ

وفرحتَ بها، قل لقلبك: شكراً!

إن نهضت صباحاً، ولم تجد الآخرين معك

يفركون جفونك، قل للبصيرة: شكراً!

إن تذكرت حرفاً من اسمك واسم بلادك،

كن ولداً طيباً!

ليقول لك الربُّ: شكراً!ـ



12‏/12‏/2006

من وحي ما يدور

واقف أنظر من الشرفة ، أتأمل حديقة ذلك المنزل الهاديء العتيق ، أشرب شايا ، و تتقلب أفكاري .... كان الحي ساكنا ، و أسمع حفيف شجرة مانجو عملاقة ، يبدواأنها من عمر هذا الحي ، أو هذا المنزل ذو الثلاثة طوابق.
كانت تقوم بشيء ما بالداخل ، اقتربت و سألتني : سرحان في إيه...
و لما كان هذا السؤال يثير حفيظتي ، و يربكني دائما منذ كنت صغيرا ، فإنني أخيرا وجدت الحل ، أن أجيب باستفاضة عما يجري في خبايا عقلي ، داريا بأن خير عقاب للسائل هو أن يتعرض مباشرة لذلك، و لأجعله يدور دورة منهن ، فربما يكف عن السؤال ...
و رغم أنها تكبرني بأعوام ، إلا أنها صديقة جميلة ، فقررت ألاّ أضايقها ، و لن أطلعها سوى على أول دائرة فقط من ترهات عقلي ، قلت: بافكر في ليلى مراد ، كانت ساكنة في البلكونة اللي هناك دي ، يمكن زي ما أنا ما واقف هنا ، هي كانت من سنين واقفه هناك و بتفكر ، يمكن في أغنية ، يمكن في حد بتحبه ، يمكن في تغير ديانتها و لاّ لأ ، و أكيد كانت بتشوف نفس الشجرة دي.
سَكَتَتْ ..
و قالت فجأة : آه يعني ما بتفكرش في الفيل؟
قلت: فيل؟

فحكت لي حكاية ...
و ياللمصادفة ..
فقد كانت اعتادت أن تأتي من مكان بعيد مع أبيها الطبيب المشهور طفلة منذ سنوات بعيدة إلى نفس هذا المبنى الذي كنت أتأمله ، ليس لأي سبب سوى لتلعب مع الفيل ، فقد كان أحد سكان هذا المبنى المجاور - و هو صديق لأبيها - قد حصل على فيل صغير في الستينات ، و أدخله لحديقة البناية ، و جعل له خدما ، و أطباء، إلى أن كبر الفيل ، و أضحى من الصعب إخراجه من حديقة البناية الخلفية حيث عاش لسنوات ، نظرا لأن الممر الذي أدخلوه منه صغيرا و لم يعد يتسع كفاية لإخراجه الآن.
و حدث في الثمانينات أن مرض الرجل صاحب الفيل مرضا عضالا ، و أوشك على لقاء وجه كريم ، فأوصى الناس بالفيل ، و مضى ..
فما كان من أهل الرجل إلا أن استأجروا ونشا لرفع الفيل في كبد السماء ، و تخطي السور به ، ووضعه في شاحنة ضخمة اضطروا أن يخلوا الشارع الصغير لكي تمر ، و حمل الفيل إلى غير رجعة. إلى مكان بعيد مجهول.

....
سَكَتَتْ ، قالت أنها لم تشهد نقله، و لكن هكذا حُكِي لها ...
سَكَتَتْ مرة أخرى... كانت (ل) تتابع القصة ، و هي تنظر إلي بدهشة ، و أعلم لماذا ، فقد كانت هي الوحيدة التي كنت حكيت لها عن صوت الفيل الذي أزعجني في هذا المكان منذ بضعة أيام ...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كنت أشاهد فيلما في مهرجان السينما ، و كان أن قابلت عددا من أكابر السينمائيين و بضع نجوم أعرفهم عن طريق عملي ، فحدث أن جلسنا متجاورين في الصالة نتابع الفيلم الذي أحدث بعض المهاترات عند انتهائه ، و أخذ كل من الجالسين حولي في شحذ أسنانه ، مستعدا لأن يدلي بدلوه ، أو لأن يسكت و يستمع للآخرين متظاهرا بالحكمة ، أشفقت على مخرج الفيلم ، قررت الانسحاب ، و بينما أنا اتحرك ، إذا بفتاة صغيرة لا تتجاوز السابعة عشرة ، تقترب مني ، و تسلم علي بحرارة ، و لم تكتفي بذلك ، بل و احتضنتني بحرارة أكبر ... لا أعرفها ! قلت في نفسي لعلها أخطأت في الشخص ، سأحاول التصرف بلباقة ، فقالت لي: أحمد ... انت مش فاكرني؟!
سحقا ، انها تعرفني ، و أنا لا أذكرها..
....
اعتذرت أنني لا أعرف .. و أنني لم أنم منذ يومين ، و كل هذا الهراء.
فأخبرتني أنني كنت قد شاركت في ورشة عن صناعة الفيلم للأطفال منذ ٧ سنوات في الصعيد ، و هي قد كانت من ضمن الحضور من الأطفال ، و ها هي قد كبرت ، و أحبت السينما من حينها ، و هي الآن طالبة في معهد السينما... و في نفس تخصصي ..
شعرت أنني كبرت ، أو أنني فعلت شيئا كبيرا و لو لمرة ...
انعقد لساني ، و كانت الفتاة متحمسة لتعرف كل شيء عني ، و ماذا أفعل الآن ، و مع من أتيت، و لماذا أرتدي السواد ، و رأيي في الفيلم ... و الكثير و الكثير...
انعقد لساني ..
لم أستطع الحديث من تضارب ما شعرت به.
قالت كلمات قليلة عن الفيلم ، و كان رأيها أكثر ما سمعته صوابا و قربا للمنطق ، و تبنيت هذا الرأي من حينها ... رأي الفتاة الصغيرة الصعيدية.
سلمت الفتاة ، و غادرت القاعة ..
تعجبت من نفسي ، كيف أمكنني التعامل لساعات مع نجوم و نجمات السينما ، و مخرجين ، مديري تصوير متمرسين ...
و انعقد لساني أمام فتاتي هذه..
......
ياللأشياء الصغيرة ، ألن تكف ؟

29‏/11‏/2006

الضربات

لا أنفك اتعجب مما يدور من حولي ، و مما أشاهد و أختبر يوميا ، أشياء كثيرة نشاهدها ، و نختزنها ، لنحكيها للأصدقاء و الندماء ليلا ، و تكون مادة للتندر و الضحك ، أو مصمصة الشفاة كيفما اتفق ... و لكنني بدأت في القلق ، و الحيرة...
يا لهذه البلاد...
كنت أقابل شخصا مريبا ، أو محطما ، أو غير متزن ، بين فترات و فترات ، و هذه الفترات آخذة في القصر ، حتى أصبحت أختبر نماذج بشرية غاية في الندرة و الغرابة يوميا ، و بدأت أفكر ، أي ندرة إذن؟
ربما العيب يكمن في الرائي؟
إن قابلت حالة انسانية "فريدة" كل يوم، فاظن ان هذا يعكس مجتمع كامل...
يعكس بلاد بأكملها..
لن أطيل، فالقصة أنني أبحث عن شقة للسكن لصديقة ما ، و لما توسمت في هوسا معماريا مرضيا ، فقد طلبت مني أن أساعدها في ذلك،..
بدأ الأمر بالسماسرة ، و الوسطاء الذين ظلوا يراسلوننا فيما بينهم و بين المبان القديمة البلجيكية ذات السقف العالية و الأراضي الخشبية وفق ما أصررت أنا عليه .
إلى أن أتى يوم ذهبت بنفسي إلى الاستاذ (أمجد)* ، و هو وسيط عقاري مكتبه عباره عن غرفة في ممر مظلم في مدخل فيلا متهدمة في وسط البلد ،و الجو العام مقبض رغم روعة المعمار الذي غزته عناكب و فئران ، لم اكترث فإن هذا هو مكان الرجل ، و لن أعيش هنا على أية حال.
دخلت في غرفة مكتبه، و هي منيرة نسبيا ، و بها أثاث جلدي من الاربعينات ، و لكنه في حالة جيدة ، خلف الرجل دواليب ضخمة ملآى بأوراق ، و ملفات ، الرجل ضخم ، هاديء ، يشرب سيجارة عبر مبسم ، الموقف كله ذكرني برواية (آمال عظيمة) لديكنز ، و بفيلم ديفيد لين عنها ، حينما يدخل البطل البيت ذو الماضي الجميل ، و يجد المرأة العجوز تحيا في وسط حطام ، و في جو مقبض و نستالجي في نفس الوقت.
أخذ الرجل يحدثني عن الشقق المتاحة و أسعارها و هو يقلب دفاتره و أنا جالس أمامه على المكتب ، و كان الرجل بالكاد يرفع عينيه نحوي.. أخذ يقوم ببعض المكالمات ، بصوت رخيم ووقور ، و لا يزيد حرفا عما يريد أن يسأل ، بالكاد يلقي التحية. و هو أمر غريب جدا في مجاله ، ربما لأني اعتدت منهم الوسطاء أن يسألوا عن حياتي ، أو حياة الفتاة ، أو ماذا تعمل ، أو أين تسكن ... و سخافات كثيرة أخرى ، باحثين في جلاليبهم عن قصاصة ورق لتسجيل رقمي ، الذي يضيع في نفس اليوم، و لكن (أمجد) كان مختلفا ، شكلا ، و ملبسا ، و أداءا...
و بينما كنا على هذا الحال، هو يسأل عن شقق بالهاتف ، و أنا أتأمل تفاصيل المكان - حيث دوما ما أبحث عن صور و أيقونات دينية في مكاتب الأقباط و التي عادة ما توضع في أماكن مخفية ، و في هذه الحالة كانت تحت التليفون!- فشاهدت الدولاب العتيق ، فاصطدمت عيني بلفافات بلاستيكية ضخمة موجودة فوقه ، تحوي مئات النسخ من كتاب ما كما تسلمه المطابع ، اقتربت من الدولاب و رفعت رأسي ، و جدتها رواية من تأليف "أمجد عزمي" *، قلت : يا عم أمجـ .. يا أستاذ أمجد ، هو حضرتك اللي مؤلف الرواية دي؟
قال بدون أن ينظر لي : أيوه
قلت: حضرتك بتكتب؟ روائي؟
قال: يعني ... بحب الكتابة
قلت : الرواية دي عندي في البيت ، اشتريتها ، و ما قريتهاش للأسف.
رفع رأسه نحوي ببطئه المعهود ، قال: عندك؟ قلت : ايوه
قال: جبتها منين؟
قلت: من بياع الجرايد اللي عند هارديز التحرير
هز رأسه و أكمل البحث في أجندة تليفونه ، و أخذ يحدثني عن العقارات المتاحة ، و لم يفتح موضوع الرواية معي مطلقا!

أصبت بصدمة ، ليس لأن أي مثقف من مثقفي وسط البلد إن قابلته صدفة في الحرية أو اليوناني أو حتى الجازكلب ، سيملأ رأسك بترهات عن ابداعاته ، و أعماله ، و غالبا معاناته ، فكيف بهذا الرجل لم يفتح فمه بأي شيء سوى كيف عثرت على الرواية.
أي مجتمع هذا تجد فيه روائيا يعمل سمسارا ، و يتاجر في الشقق ، و ربما يعيش شخصية مزدوجة؟
كيف انتهى هنا ، في هذا المكان بالذات .
و كيف انتهت الرواية بأعلى دولاب العقارات ، و في المكان نفسه.
عم تحدثت الرواية؟ هل كتب عن نفسه؟ عن حياته؟ أم أنه كتب عن شخصيات و أماكن أخرى؟
لا أدري ، لكنني حتما سأقرؤها.

ثم أتي اليوم التالي ، كلمني سمسارا من ذوي الجلاليب مؤكدا أنني "باشا "، و أن "طلبي عنده" ، و أعطاني عنوان شقة يرشحها بقوة ، فذهبت وحدي ، و دخلت بناية صغيرة من ثلاثة أدوار ، تاريخ انشائها مثلما كتب على بابها الحديدي المتحفي هو العام ١٨٨٧ ، و في أعلاعا برجا كولنيالي الطابع ، و بأعلاه ذلك الديك الحديدي لتحديد اتجاه الهواء ، المبني قطعة فنية ، و في حالة ممتازة ، يقطنه العديد الأجانب ، و في مكان هاديء .
صعدت للدور الأول ، وقابلت الأستاذ "كامل" * صاحب الشقة ، و هو رجل في أواخر الأربعينات هاديء و يعيش في منزل بحالة رثة ، وحيدا ، بين أكوام من أتربة و ملابس مبعثرة.
أراني الشقة ، و التي رفضتها من أول وهلة لعيب ما ، و لكنه سألني أن أجلس و أن نشرب بعض الشاي ، قلت له أن لدي عملا ، لكنه أصر ، قلت لا مانع ، و جلسنا ، و تجاذبنا أطراف الحديث ، و بدأنا في التعارف ، و الكلام عن الزحام ، و الحكومة ، و الفساد ، و الشرطة ، و حال البلد و الناس ... و إذا بالرجل يبدأ في سرد أدق مشاكله لي ، و الحقيقة الرجل مر بمحنة نفسية مؤلمة ، أعرفها لأنني خبرتها من قبل ، و لكن الرجل ضاع في غياهب عقله تماما ، و ظل يحكي ، و يحكي ، و يسألني ، وأجيب ، و إذى بالرجل يبكي ...
ربتت على ركبته وهو جالس أمامي ، حكيت له عن نفسي ، عن أشياء مشابهة ، عن قصص من أصدقاء هدأت من روعه قليلا ، لكنه ظل يرتجف ، و يمسح عبرات تسيل ، حتى آخر اللقاء الذي تجاوز الساعة و النصف.
فتحت له شبابيك المنزل، تلك الشبابيك الخشبية التي تضاعفني طولا ، و أعلقت الأنوار الكهربية و سمحت للشمس بالدخول ، قال أنه يخاف من الناس و اللصوص ، قلت لا تقلق ( فكرت أنه لن يصيبه أسوأ مما حدث بالفعل!) ، و قلت له أننا في منتصف الظهيرة، كيف له ألا يعلم أن الشمس في كبد السماء؟ و لماذا يستعمل اضاءات النيون في نهار مشرق ، و لماذا ينام في الغرفة التي ماتت أمه فيها؟
سكت الرجل
شاركته نصف برتقالة من مطبخه
أكلها ، و أنا مضغتها و ابتلعتها فانني امقت البرتقال.
قلت كلام لا أعلم مدى صحته ، سألته أن ينهض ، و يبدأ من جديد ، و قلت أن الضربة التي لا تقتله تقويه ، و أظنني كاذب ، لأن الضربة التي لا تقتل ، غالبا ما تكسر.
بدا مسالما ، و متفقا ، اخبرته أن علي أن أذهب فلدي موعد في الشارع.
أوصلني للباب ، و رحلت.
وجدت رقمه على هاتفي ، طلبته ، سألني إن كان لا يزعجني أن يسأل عني بين الحين و الحين؟ قلت أنه شرف لي ، و يسعدني ذلك...
يا إلهي
الرجل ليس لديه أصدقاء
ليس لديه أحد
أتوقع أنه مقدم على أمر مهلك
أعلم ذلك لأنني خبرته يوما....
اليوم السابق لمقابلتي هذه ، قال لي صديق قديم أن "كل شيء يحدث لسبب ، و لا شيء يأتي هباءا ، و لا تستقل كوارث ما منطلقا من أنها أتت بأهون الوسائل ، و لكنها أسباب ، و علينا البحث فيها"
قلت في نفسي : ها أنا ذا ، كل شيء يحدث لسبب ، و الآن ربما أنا الصديق الوحيد لشخص على شفا الانهيار و لم أره في حياتي سوى مرة واحدة.
مرة أخرى...
ما هذا الذي يحدث؟
كيانين انسانيين فريدين ، في يومين متتاليين ... ( و لم أعدم القصص بعد) هل هي صدفة؟ أم أن المجتمع على حافة الهاوية على المستوى الإنساني و النفسي (قبل السياسي و الحزبي و الديني و الحجابي !) ؟
أعتقد أنها صدفة ..
و كله تمام..

أتساءل عن نفسي ، و عن الأناس الأقربين الذين أحببتهم أو أحبهم ، إلام سنؤول حينما نطرق باب الخمسين؟
و ربما الأربعين .....
أعتقد أن علينا المواظبة على تلقي الضربات ، فإن لم تقتلنا ، فربما ... ربما ... تقوينا! ـ


ـــــــــــــــــ
* قمت بتغيير أسماء الاشخاص حفاظا على خصوصيتهم ، و لم أذكر اسم الرواية لنفس السبب

24‏/11‏/2006

عن البيان

قمت بوضع البيان في مدونة خاصة ، شاملا آخر الإمضاءات حتى مساء البارحة "٢٣ نوفمبر"، لكي تكون كل الأسماء في متناول الجميع ، و يمكن متابعة التحديثات ، أقترح على من يرغب إضافة اسمه أن يضعه في
comment
ــــــــــــ
محاولة صغيرة لتظهر أصوات أخرى

شكر للجميع

22‏/11‏/2006

هناك صوت آخر

هذا هو ما حدث ، يبدوا لي غير مطمْئِن بالمرة ، و لكن قررت أن أرصده هنا لعلي أرى الوضع بشكل سليم

١- قام فاروق حسني بالحديث عن الحجاب بشكل عابر خلال مقابلة صحفية ، و أفاد بعدم قبوله للفكرة ، و سواء كانت تصريحاته للنشر أم لا ، فإنها صدرت عنه فعليا و لم ينكرها.

٢- قامت الدنيا ، و قام حمدي حسن- المتحدث باسم الكتلة البرلمانية للإخوان - بتقديم
بيان عاجل لمجلس الشعب ، مطالبا الوزير بالاستقالة ، و قال من جملة ما قال : " إذا كانت علاقات السيد الوزير وكما يعبر هو عنها في رسوماته وكما هو معروف عنه، لا يحب فيها ارتداء الملابس , فالذي يجب أن يعرفه الوزير جيدًا أن العلاقة بين العبد وربه ترتبط بالملابس"

٣- نهج العديدون نهج الأخ الأسبق و امتلأت المدونات و المواقع الاسلامية و المعتدلة بالحديث عن ملابس السيد فاروق ، و علاقاته الجنسية

٤- في خطاب
الرئيس مبارك في مجلس الشعب ، لم يظهر فاروق حسني بين الحضور ، و سرت إشاعات عن أنها بناء على توجيهات عليا

٥-
لم يعتذر الوزير عما قال ، و إنما أوضح أن ماحدث "كان رأياً شخصياً، لم يتطرق أبداً إلي كون الحجاب حلالاً أو حراماً أو فريضة أو غير ذلك، فالأمر يرجع في ذلك إلي رجال الدين، مؤكداً أنه علي أتم الاستعداد لطرح الثقة فيه في مجلس الشعب" ، و قد حدث

٦- لأول مرة تجتمع الأطراف (الاخوان و الوطني ) و
قاموا بالأمس بسحب الثقة من الوزير ، و لكن ليس لها سند قانوني ، لأن النواب الأفاضل لم يعلموا أنه لا بد من استجواب الوزير قبل سحب الثقة. و تم اتهامه من قبل المستقل مصطفى بكري بأنه عبء على النظام ، ووصفه سعد عبود ( حزب الكرامة ) بأنه :"زائدة دودية". ووضح البعض بأنهم تقدموا بمذكرة للنائب العام يطالبون بمحاكمة الوزير بتهمة "ازدراء الأديان"

٧-إضافة لمطلب الإخوان بإقالة الوزير ، فإن جهابذة الدولة
أوضحوا موفقفهم بالأمس ، و تنصلوا من الوزير تماما ، فبينما صرح الدكتور أحمد فتحي سرور :" أنه ليس هناك رأي شخصي لمسئول في الدولة‏,‏ وأن علي من يريد أن يدلي بآراء شخصية متناقضة مع مسئولياته‏,‏ أن يتحرر من مسـئولية موقعه فورا‏."‏
وتعهد الدكتور مفيد شهاب وزير الشئون القانونية والمجالس النيابية بـ "مثول وزير الثقافة أمام لجان مجلس الشعب‏,‏ واستعداد الحكومة للمساءلة والمحاسبة البرلمانية التي ينص عليها الدستور"‏.‏‏ وزايد الشاذلي:" أن رأي الوزير لا يمكن أن يكون توجها حكوميا‏,‏ وقال‏:‏ إن غالبية نساء وبنات مصر يرتدين الحجاب‏,‏ وإن زوجته وابنته محجبتان" ، و الحمد لله!!

٨- علمت اليوم أن كفاية لن تقوم بأي شيء ، لأنه و إن كان العديد من كوادرها يستنكرون محاسبة الوزير على هذا التصريح بالذات ، إلا أنهم لن يخسروا تحالفهم السرمدي مع الإخوان .

٩ - تم رسميا - في تصوري - ذبح الوزير ، ذلك الذي يلوح باستقالته للمرة الثانية في فترة وجيزة ، و هذا لم يرض الحكومة ، و لا النواب ، و كالعادة زايدت الحكومة فيمن هو أكثر أسلمة من الآخر ، فأعلن مبارك أنه لم يقر مشروع قانون ضد النقاب.

١٠- الوزير معتكف في المنزل ،
وقال: أنا فوجئت بنواب لي علاقات وتاريخ معهم يكفرونني، وهذا شيء غريب، فهل شقوا الصدور وتفحصوا في القلوب وإيمانها؟! فهذا أمر لا يملكه إلا الله وحده." ، و الكلام في أروقة الوزارةعن نهاية و لايته لا ينتهي ، .


و أما بعد،
إذا قال لي شخص منذ عدة أشهر أنني في يوم سأكتب بضعة أسطر في دعم السيد فاروق ، لكنت حسبته قد أصابه مس ما ، و لكن هذا الزمن الغريب ، لا ينفك يتغير ، و يتبدل ، ، و الحق أنني أنأى عن أي مشاركة سياسية ، و خاصة مع الخذلان المستمر من الحركات و القوى الوطنية التي لا تنفك تبيع و تساوم و تبني التحالفات بغض النظر عن اتجاهات الأعضاء ، و مباديء التأسيس التي كانت مسلمة بالنسبة للبعض ، و لكن تدور رحى السياسة ، و تنقلب الأوضاع ، و لكن ما دفعني للتفكر و التساؤل ، هو هذه المساحة التي يكسبها التيار الإسلامي الجديد في حياتنا ، و حكومانتا و إعلامنا و صحفنا ، و قد فكرت فيما ما سمعته من غادة (
شايفينكم) صباح الأمس ، فعلى حد تعبيرها : "إللي بيلمس هيبة المؤسسة العسكرية بيقلشوه ، إللي بيلمس هيبة المؤسسة الدينية بيقلشوه ، كلها كام يوم و مش حنعرف تنكلم عن المكوجية !" ، ضحكت ، و علمت يومها أن كفاية لم تتحرك بعد ، و يبدوا أنها لن تفعل ، و أن الجميع اتفق على ذبح الرجل كما ساد التعبير.
و في نفس اليوم شاهدت صورا لمظاهرات الطالبات ضد تصريح الوزير ، و قيل أنهن كن يقلن : "«وزير الطبلة والمزمار.. مالك إنت ومال الخمار"... و الحقيقة انني أتساءل:

• هل ستبقى مصر و العالم العربي لا يهج و لا يثور إلا إذا لمست القضية دينه؟ (عذرا فإني اعتقد تعاطي الشارع مع قضية فلسطين و العراق مرجعيته دينية بحته)!
• الوزير الذي ظل يحابي التيار الإسلامي لسنوات ، و يمنع الكتب ، و يغير من رؤساء و مراكز قيادية عقابا على نشرهم لما حوى "تطاولات" على الدين كما ساد حينها، هل من العدل أن يشرب من نفس الكأس؟
• هل سيظل سباق التسلح الديني ، و اللمزايدة بالله و كتابه و رسوله ، هو الحل في برشامة؟
• هل ستأتي التغيرات السياسية وفقا لمرجعية دينية ، علما بأن للوزير ذنوب في حق الثقافة و التراث ، كفيلة بإحالة حكومات بأكملها للاستقالة ، لكنها لا تعني شيئا بالنسبة لأمر جلل كالحجاب؟

بالأمس قابلت المهندس يحيى حسين عبد الهادي - عضو اللجنة الذي فضح التدليس
في قضية عمر أفندي هباءا ، فالشركة بيعتلأنوال السعودية بفارق تجاوز ال٧٠٠ مليون جنيه على أقل تقدير له -، و لقد أحببت بالرجل حقا ، أحببت وعيه ، و إدراكه معنى المواطنة، و المال العام ، الرجل قال: " أنا موظف عام ، المال الذي نوقع عليه ملك للشعب ، ملك لأولادي ، و لعشرات الملايين ، و لن أشاهد الشباب و هم يعانون من أجل شقة للزواج ، و تتحجج الحكومة بقلة الموارد ، و تباع ثرواتنا للسعودية ببخس الثمن" ، فكرت أن الرجل البسيط الذي ترتاد عائلته المواصلات العامة ، هب في وجه الوزراء و الحيتان من أجل قضية عامة ، من أجل ما يؤمن به ، من أجل أن يعيش أبناؤه و أبناء بلده في ظروف أفضل ، و فكرت في الأربعة آلاف طالبة اللائي قلن لا لتصريحات الوزير ، و أتساءل مرة أخرى : فتيات جامعة الأزهر لم يصرخن من أجل أتوبيسات أفضل ؟ أو مظلات تقيهم الحر و الأمطار و هن يتكدسن بالساعات في انتظار الفرج أمام جامعتهن؟

أي أولويات أصبحت لنا؟!
كيف نفكر؟
....
أقف مع الوزير ، ضد المد التكفيري ، ضد أن نفكر مليا قبل أن ننطق كل حرف ، ضد بيع الوطن للجماعة الأقوى و الأنفذ
أقف مع رجل أكن له كل ازدراء.
أقف معه لأنه إن أتى يوم على مصر ، و تم تغيير وزير ثقافتها لأنه ضد الحجاب ، لا أريد أن أكون مشاركا في ذلك أمام التاريخ ، و بعد سنوات طوال ، حينما تأتي أجيال أكثر وعيا و خلقا و تدبيرا ، أتمنى أن يكون بعض من جيلي قد أوضح أنه على الأقل حاول ، و لم يتخاذل أمام عاصفة التكفير ،

وصلني البيان ، مذيل بتوقيعات عدة ، و أنا من ناحيتي فقد بدأت حملة لجمع التوقيعات بين المحيطين - لن تؤدي إلى شيء إلا إلى إظهار أن هناك صوت آخر ، هناك من قالوا لا أمام نعم رددها الملايين - و أرجوا ممن يتفق أن يمرر البيان و يجمع التوقيعات.

من يدري؟ ربما هناك حقا صوت آخر ، و قد يؤثر...



بيان


لقد دأبت قوى سياسية بذاتها التحدث باسم الدين باعتبارها وصية على الإسلام ومحتكرة استنباط الأحكام الشرعية، وفي محاولة لتحقيق أغراضها السياسية راحت تبحث عن معارك وهمية مستغلة حديثا خاصا للفنان فاروق حسني وزير الثقافة قامت بنشره إحدى الصحف لم يخرج عن كونه مجرد رأي شخصي في قضية لا تمثل جوهر الدين وأهدافه.
لكن هذه القوى استغلت القضية في محاولة لفرض سطوتها وممارسة إرهابها الفكري، متجاهلة رصيدا ضخما من التاريخ المصري، لم تكن قضية الحجاب هي جوهر القضايا وإنما كان الفكر والحوار هما لغة الخطاب تعبيرا عن روح الإسلام وفلسفته الرائعة، التي عنيت بجوهر الأشياء في سمو جعل الدين علاقة خاصة بين الإنسان وربه دون ادعاء.
إن الموقعين على هذا البيان باعتبارهم في طليعة القوى الاجتماعية والثقافية يشعرون بالقلق أمام تلك الهجمة التي تستهدف تحقيق أغراض سياسية مستغلة الدين، مما ينذر بشيوع مناخ من الإرهاب الفكري، يعوق حرية الرأي وينذر بمخاطر تهدد الوطن وتحول دون أن يتبوأ العقل مكانته اللائقة.

الله والوطن من وراء القصد والسبيل


الموقعون على البيان

السيد يس (كاتب وباحث ـ مدير مركز الدراسات الإستراتجية بالأهرام سابقا )
يوسف شاهين (مخرج سينمائي)
توفيق صالح (مخرج سينمائي)
قدري حفني (أستاذ جامعي)
يونان لبيب رزق (أستاذ جامعي وعضو مجلس الشورى)
سعد أردش (مخرج مسرحي وأستاذ بأكاديمية الفنون)
محمد طه حسين (فنان تشكيلي وأستاذ جامعي)
عدلي رزق الله (فنان تشكيلي)
عمار الشريعي (موسيقار)
سيد حجاب (شاعر)
سمير فريد (ناقد سينمائي)
لينين الرملي (كاتب مسرحي)
عطيات الأبنودي (مخرجة سينمائية)
أحمد نوار (فنان تشكيلي)
خالد يوسف (مخرج سينمائي)
عبد الهادي الوشاحي (فنان تشكيلي)
بهيرة مختار (صحفية)
عبد الرءوف الريدي (سفير سابق)
وجيه وهبة (فنان تشكيلي)
محسن بدوي (رجل أعمال)
شهيرة محرز (أستاذة الفن الإسلامي)
منير عامر (كاتب صحفي)
سيف عبد الرحمن (ممثل سينمائي)
جابر عصفور (ناقد وأستاذ جامعي)
جهاد عودة (أستاذ جامعي)
مهدي بندق (كاتب وباحث)
أبو الحسن سلام (مسرحي وأستاذ جامعي)
محمد بغدادي (كاتب صحفي)
سهير فهمي (نائبة رئيس تحرير الأهرام إبدو)
إبراهيم عبد المجيد (روائي)
محمد حامد راضي (ناشر)
إيمن العزباوي (مصمم ديكور)
فاطمة المعدول (كاتبة مسرحية)
غادة سهبندر (أستاذة لغة والمتحدثة الرسمية لحركة شايفنيكوا)
عزة شلبي (كاتبة سيناريو)
محمد الجوادي (أستاذ جامعي)
عاصم حنفي (كاتب صحفي)
بثينة كامل (إعلامية)
قاسم عبده قاسم (أستاذ جامعي)
دينا الخولي (خبير تصحر)
رءوف عباس حامد (أستاذ جامعي ورئيس الجمعية المصرية للدراسات التاريخية)
محمد صابر عرب (أستاذ جامعي)
نبيل حلمي (أستاذ جامعي)
فريدة النقاش (كاتبة ورئيسة تحرير مجلة أدب ونقد)
أحمد عبد الله (مونتير سينمائي)
سلمى الطرزي (مخرجة تسجيلية)
صلاح قنصوه (أستاذ جامعي)
سامح مهران (مخرج مسرحي وأستاذ جامعي)
عبد القادر حميدة (شاعر)
إنجي الحداد (استشاري تسويق وعضوة حركة شايفنكوا)
أسماء يحيي الطاهر عبد الله (مسرحية ومعيدة بآداب حلوان)
أحمد أبو النور (رجل أعمال)
نادية حمادة (مرشدة سياحية)
إبراهيم البحراوي (أستاذ جامعي)
مهيب سالم (مدرس)
راجح داود (مؤلف موسيقي وأستاذ بأكاديمية الفنون)
محمد عفيفي (أستاذ جامعي)
ماهر فهمي (كاتب صحفي)
وفاء إبراهيم (أستاذ علم الجمال)
صلاح عيسى (كاتب صحفي)
أحمد زكريا الشّلق (أستاذ جامعي ووكيل كلية الآداب بجامعة عين شمس)
أحمد الشهاوي (شاعر وكاتب صحفي)
ناجي محمد حميد (رجل أعمال)
أحمد مرسي (أستاذ جامعي وعميد كلية الآداب بجامعة بني سويف)
أحمد الراعي (طبيب وأستاذ بمعهد تيودور بلهارس)
شريف محيي الدين (قائد أوركسترا)
نيفين علوبة (أستاذة بأكاديمية الفنون)
جمال زكريا قاسم (أستاذ جامعي)
خالد زغلول (كاتب وناشر)
أحمد سعيد (كاتب)
علي أبو شادي (ناقد سينمائي)
سعيد توفيق (أستاذ جامعي)
منى غنيم (موسيقية وأستاذة بأكاديمية الفنون)
عبد الوهاب بكر(أستاذ جامعي)
محمود يسري (كاتب)
منال محيي الدين حسين (أستاذة بأكاديمية الفنون)
حمدي حسن (عميد كلية الإعلام بجامعة 6 أكتوبر)
أحمد مجاهد (ناقد ومدرس جامعي)
أحمد الجمال (كاتب صحفي)
يوسف القعيد (كاتب وروائي)
سحر صبحي عبد الحكيم (أستاذة جامعية)
عماد بدر الدين أبو غازي (باحث في التاريخ والوثائق)
وحيد عبد المجيد (نائب مدير مركز الدراسات والإستراتجية بالأهرام)
أنور مغيث (أستاذ جامعي)
محمد حاكم (باحث سوسيولوجي)
مجدي عبد الحافظ (أستاذ جامعي)
عطيات أبو السعود (أستاذة جامعية)
كاميليا عتريس (صحفية)
فتحية العسال (كاتبة)
حلمي النمنم (كاتب صحفي)
هاني أبو الحسن سلام (مسرحي وأستاذ جامعي)
عبير الجنزوري (مصرفية)
عادل وسيلي (مهندس)

الأسكندرية في زمان قديم قبل تبدل الأوضاع

29‏/10‏/2006

تغرق بعض القباب أحيانا


لا أظن أنه هناك ما هو أكثر غرابة ، من مشاهدة بحيرة طبيعية في قلب القاهرة ، يمرح فيها البط البري ، و صغار السمك..
طبعا باستثناء غرابة القاهرة الحديثة نفسها ، و جمعها لكل هذة المتناقضات بشكل معجز ، لكن أعتقد أن بحيرة عين الصيرة حالة تستحق أن أنحي سيارتي ، و أقف هناك بعضا من الوقت...



طبعا ،البحيرة صغيرة نسبيا ، واطئة عن الطريق ، و فوجئت عندما قال لي العديد من معارفي لاحقا أنهم لم يلاحظوها من قبل ، و الحق انه لمن غير المتوقع بالنسبة لمن لم يزر و يخبر هذه المنطقة ، أن يظن أن هناك بحيرة حقيقية تقبع وسط الزحف الرمادي القاهر للمدينة ، و على يمينه بينما هو يتجاوز سرعة المئة منطلقا غربا، و تبدوا على خلفيتها شواهق بنايات المعادي ، الرمادية أيضا، لذا كان الأزرق في هذا اليوم حدثا جللا.. و خضار الأعشاب التي آواها البط - ذلك الذي لا يحب التصوير - من مصادر بهجة نادرة.





، كنت قد عرفتها من خلال زيارتي لصناع الفخار في المنطقة ، فالبحيرة يعيش على شاطئها الصغير مجتمع من صناع الفخار ، في بيوت صغيرة من دور واحد ، و أكواخ ، حيث يمرح الأطفال، بالرغم من بؤس شديد ، و يصطادون منمنمات من السمك.

كان الناس هناك قد عرفوني لترددي عليهم في الفترة الأخيرة لأسباب شرائية روتينية ... و لكن هذه المرة ، طلبنا الإذن بالتجول و التصوير ، ، و كنا قد شارفنا على موعد الإفطار بسكونه المميز، و لم يمانع أي منهم كبارا و صغارا، نساء و رجال ، من أن يتركوا فتى و فتاة ، يبدوان كأنصاف سائحين ، أنصاف مصريين ، أنصاف أغنياء ، أنصاف صحفيين ، من التجول بحرية ، و إرشادنا إلى خفايا المكان.





يبدوا أن (م) كانت أكثر مني قربا للأولاد الذين تقاطروا عليها لتصورهم ، و الحق انني عجزت عن التعامل مع الأطفال دوما... و لكنهم آثروا أن يتباروا فيمن يأتي بسمكة أكبر ، و يبدوا لي أن أحدهم ، لم يحظى بكبير السمك ، فقام بجمع عشرات من السمك الصغير جدا في شبكته ، و أصر أنه أفضل من الجميع ، مبررا أنه لديه كم من السمك أكثر منهم مجتمعين ، و لم أعرف كيف أفصل في هذا الجدال ، فالحجج قوية!


و ليست لدي أي فكرة كيف استطاع هذا البط البري ، العائش في عائلات صغيرة ، من الإستمرار في كل هذا الصخب القاهري ، و كل هذه المدنية المزعومة ، و كيف يعيش على رمية حجر من طريق الأوتوستراد المدوي... حقا لا أعرف، و قد أخبرني أهل المكان أنهم لا يأكلون منه ، و أيضا لم أعرف لماذا .. !

و لكن أهم ما لفت نظري ، و هو سبب حملي الكاميرا إلى هناك ، هو هذه القباب الغارقة ، مقامات من عصر بائد ، غمر الماء ثلثهم أو أكثر ، و اجتمعت حولهم الأحراش.. و عيدان من بوص ..


و لهوسي بالآثار الإسلامية ، قمت بأرشفة ما استطيع من المقام ، و بحثت عن أصله ، و علمت أنه الأثر الوحيد الباقي من العصر الإخشيدي!!!
نعم.. الأثر الوحيد..



كان هذا وفقا لبحثي السريع ، لكن طبعا هبة تعرف أكثر...
علمت أنه يسمى مقام طباطبا ، و طباطبا هذا هو إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن بن علي ، و كان من الثوار الزيديين، و بايعه الكثيرون على الإمامة ، و من جملة من بايعة أبي حنيفة الفقية ، و أرسل له أربعة آلاف دينار ليسير في جيشه و يقاتل ، و مات بالقرب من البصرة ، و تسري قصة مقتله (وفقا لمروج الذهب للمسعودي) :
".. وجيء برأس إبراهيم فوضعه في طشت بين يديه والحسن بن زيد بن الحسن بن علي (ابن عمومته) واقف ،و رأسه عليه السواد، فخنقته العبرة والتفت إليه المنصور وقال: أتعرف رأس من هذا؟ فقال: نعم:
"فتى كان تحميه من الضيم نفسه **** وينجيــه من دار الهـوان اجتنابها"
فقال المنصور: صدقت ولكن أراد رأسي فكان رأسه أهون عليَّ!! ولوددت أنّه فاء إلى طاعتي."
و يروى أنه قد حمل "ابن أبي الكلام الجعفري" رأسه إلى مصر ، بل و تذهب الروايات إلى أنه ربما تكون الرأس قد دفنت في المشهد الحسيني المعروف بالقاهرة!
و قد عرفت عن الاسرة الطباطبية الدعوة للخروج على العباسيين ، و الرضا من آل البيت ، و انتشروا في أرجاء الدولة الإسلامية بما فيها مصر ، حيث من المفترض أن هذا المقام قد ضم بعضا من فقهاء و أولياء آل طباطبا...

طبعا نشكر الدولة ، ووزارة الثقافة على عدم وضع أي لوحة بجوار الأثر ، و في ذلك دفع للشعب للبحث و التقصي ، و زيادة معارفه ، و تضارب مصادره ، فتتأتى الاستنارة ، فشكرا جزيلا..

و أشكر (م) ، التي لولا تشجيعها لما حملت الكاميرا بعد عامين من الهجر ، و رغم رداءة المستوى ، فأرجوا أن أواصل هواية قديمة..
و كنا قد وعدنا الأولاد هناك بأننا سنجلب لهم صورهم ، فلابد أننا ذاهبان مرة أخرى عن قريب..

يبدوا لي أنه بعد ما حدث ، لا بد من العثور على جمال مفقود في المدينة ، على عزاء و سلوى ما، فهي الوسيلة الوحيدة للاستمرار في أرض لنا، و أملا ألا نغرق في بحر مبتور الذراع ، كما غرق طباطبا ، و ظلت قبته تلوح....


20‏/09‏/2006

قلب الماشي

كان الماشي يتحدث مع أخيه الأصغر ، عبر خدمة سيبرية ما ،
قال الأصغر:" لا داع للبكاء على شيء ، إن الكل قابل للتعويض ، و كل شيء متاح استبداله ، حتى القلب ، الطب أصبح في مقدوره أن يستبدله بقلب خنزير"
انزعج الماشي ، و تذكر أحد الافلام التي أحبها
grams 21
تذكر حينما استبدل البطل قلبه ، بقلب رجل آخر ، فأحب أشياء و أشخاص أخر..
ثم مر يومين ، و تبدلت الأحوال ..
كان الماشي قد فقد حبا كبيرا، كان قد أنهى ٥ سنوات من السعادة و الهناء ، و من الشقاء و البغض أيضا،
قال الماشي "انني لم انه ذلك ، و لو كان في مقدوري أن يستمر لاستمر ، و لكن هذه الحياة ، لا تعرف العدل"
و كان الماشي مخمورا ، محاط بعطف اصدقاء ، و ربما شفقتهم أيضا.
كان الماشي لا يبالي ..
فقط كان يطمح ألا يبقى وحيدا ، يلوكه جنون أفكاره ، وواسع خياله.
و الندم.
"ماذا يعني أن تحب شخصا ما ، أو تكرهه ، ماذا تعني كل هذه الطاقة المبذولة نحوه ؟ و إلى أين الهدف؟
فيم سيؤثر كل ذلك؟
هل على الآتِ؟
أم سيذهب أدراج الرياح و سأَنسَى؟"
كانت قد قالت شيئا ما عن الـ :
comunication
تعجب الماشي ، فقد كان يشارك فتاته في حب نفس الألوان ، و الأغاني ، و الكتب ، و الملابس ، و المباني ، و المطاعم ، الأشخاص، و المشروبات و الأطعمة التي يصنعونها في صباحات شتوية. كل هذا بدون اتفاق مسبق
comunication
قال الماشي لنفسه.
شعر الماشي بأن السنوات ستمر بثقل
شعر بثقل الهواء حتى..
و بثقل الشوارع و المارة ، و زملاء العمل
" تصبح المدينة عالما عندما يحب المرء أحد سكانها"
تذكر في صمت.
و اشتاق لوهلة لفتاته ..

قال صديق:
"may be this is the most important moment in your life! commit to it!"
قالت أخري: انك تولد من جديد ، تنفس
أما عن الماشي فلم يقاوم دمعة من آن لآخر ، بل استلذها أحيانا.
كان يعلم حجم ما فقد ، و كان يترنح بين مجيئات و أذهبة الخلان و المعارف ،
و كان الألم يعتصر قلبه ، ذلك الذي يمكن للطب استبداله.
تذكر صباحاته الفائته
تذكر خفق قلبه السريع و لحظات من حب قديم تجوب رأسه بين الحلم و استقبال صباح بارد أجوف.
شعر بوهن شديد ، و سأل نفسه عن جدوى ما كان و ما سيكون.
سأل: هل يبقي الحب فينا ما كنا هنا؟
و احتار في كل طاقة المحبة ، و كيف يستطيع البعض اعادة توجيهها و بوتقتها .
قال أنه لم يسيطر على شعوره المحب من قبل ، و ها هو يوارى الثرى إلى غير رجعة.
هل كان جامحا؟ أم ساكنا؟ لا يدري ، فلم يحكم عليه أبدا.
قال الناس: " الفناء هو أصل كل الأشياء ، و الحب مختوم بنهايات سرمدية منذ الأزل ، و الدليل أن الأحياء يموتون"
كان الماشي قد غامر - و لازال - على خلود عواطف الناس
إعتقد أن :
الحب مستمر بلا هوادة ، حتى بعد فنائنا ، كل لحظة حزن و بهجه و شبق ، تحيا في خلايانا ، في انفاسنا ، و نظرات أعيننا.
و تستمر منتقلة لأناس جدد ، و أجيال لن ندركها.
أحب الناس أناس اخر ، و بهذا الحب بنيت الأساطير : مريم العذراء ، المسيح ، على الإمام ، سيدهارتا.
كان الماشي يكن حبا خاصا للعذراء التي لم يعرف أبدا إن كانت حقيقة أم بنتها أفئدة المحبين و التعساء و المهزومين لقرون
ولكنه دوما ما ظن أنها تحدثه في مناماته .
كرر الماشي في يأس:
" يا ممتلئة بالنعم ، مباركة أنت بين النساء .... صلي لأجلنا نحن الخطاة ، اليوم ، و في ساعة موتنا أيضا"

شعر الماشي بفداحة الفقد ، و هول الخطيئة .
و لا زال يسأل عن الجدوى ، و عن هذا السر الدفين
و عن قلبه و جسده ، و هل تحصن بهما ؟ أم تحصنا به ؟ أم تحصنا ببعضهما البعض ، و ظل هو يرقب فتات المعركة.
كان يعلم أن ما بذل ليس هينا .. و ما يبذله الآن أصعب.
كان يبحث عن حل ، فظل يسرد لنفسه تاريخه ليتعلم.

" صَدْرُ الْعَاقِلِ صُنْدُوقُ سِرِّهِ، وَالْبَشَاشَةُ حِبَالَةُ الْمَوَدَّةِ، وَالْإِحْتِمالُ قَبْرُ العُيُوبِ.
"إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ
"أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الْإِخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ
" أَهْلُ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ يُسَارُ بِهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ
"مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلاَّ ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ، وَصَفَحَاتِ وَجْهِه.
.......
"فَقْدُ الْأَحِبَّةِ غُرْبَةٌ"
....
"فَقْدُ الْأَحِبَّةِ غُرْبَةٌ"
.....
و ظلت الكلمات تنساب في مخيلته ..
و تتماهى ، و تتكرر ، و لا زال الماشي يمشي ، و لكن بقلب آخر
قلب واهن
قال الطبيب أن عليه أن يهدأ ، و أن " يكون أكثر بساطة"
كانت البساطة هي أبعد ما يكون عن الحال.
و كان العالم يزداد وحشة و تعقيدا
و المرارة في الحلق أزلية ، و ذكرى أزمنة السعادة ، طيف شبح مرعب، يعكس مرآة الحال
و الخوف قدر محتوم
و لا وجود لصورة الغد التي طالما ظل يرددها في صمته.
و لن يتحدث عن الفقد.

و لكنه ظل يمشي
بلا هدف محدد ،
بلا مستقبل محدد
بلا وطن محدد
حاملا قلبا واهنا في عمر الثلاثين..
و شوقاً لفتاة جميلة عرفها يوما ...
...

09‏/09‏/2006

العزلة .. مرات أخرى


بينما كنت أعبر الطريق ، رأيت شبابا و فتيات يقاربون المئة ، يجلسون في حديقة (جزيرة) واقعة ما بين اتجاهي الشارع ، الذي كان قريبا من أحد المعاهد العليا الجديدة .. و لم يكن هناك من فتاة واحدة لا تضع الحجاب ، جميعهن بلا استثناء ، في معرض للألوان و الأشكال ، اللهم إلا ثلاث فتيات محتشمات بشكل مبالغ فيه بالنسبة ليوم صيفي ، و لكن بدون حجاب ، و استطعت عن بعد أن أتبين أن كلا منهن كانت ترتدي صليبا ذهبيا.
و لكن ما لفت نظري بشدة ، هو الانفصال بين مجموعتي الفتيان و الفتيات ، فبين كل هؤلاء ، لم أجد شابا يتحدث مع فتاة مطلقا، فكل طائفة منهم في مجموعة أو حلقة مستقلة.

ثم حدث أن ذهبت مع إحدي صديقاتي إلى حديقة الأزهر ذات صباح ، فوجدت حول منطقة الألعاب عددا رهيبا من السيدات المنقبات - اجزم أنه تراوح ما بين الخمسمائة و السبعمائة - و كن جميعا منقبات بألوان داكنة مختلفة ، و الغالبية يمسكون كتبا دينية صغيرة ، و بينما كنت أجول مع صديقتي على قدمينا ، كن ينظرن لنا تارة بتوجس ، و تارة بضيق ، و لم أفهم إلا حينما أدركت كم اختلف شكل صديقتي عنهن ، بشعرها الأسود المجعد ، و ألوانها الزاهية. و مشيها مع شاب ما ، و لم أفهم أبدا سبب هذا التجمع ، أو هدفه.

في الحدثين السابقين أخذت أفكر في معان كالعزلة ، و الاغتراب ، ليس عزلتي أو اغترابي الشخصي ، لأنها مسألة نسبية ، و تتفاوت من آن لآخر ، و لكن في عزلة المجتمع ، طائفيا ، و جنسيا ، و ثقافيا عن الآخرين الذين يشاركونه نفس الحياة اليومية، و نفس المشاكل و الأزمات ، بل و ربما نفس الأحلام أحيانا.
كان قد لفت نظري لذلك صديق لي ، تخرج في الجامعة منذ عامين أو أكثر ، و هو موسيقي موهوب ، و في أحد المرات ، اضطر أن يعمل مع زميل لي قبطي ، و الحق أنهما تآلفا تماما و أصبحا صديقين ، و قد اعترف لي صديقي هذا أن هذه هي أول مرة في حياته يتعامل مع قبطي ، و "ياكل معاه عيش و ملح" على حد تعبيره. و قال أن في جامعته كان الأقباط دوما منعزلين ، و احتكاكهم بالآخرين في حدود الدراسة ، و في أضيق الحدود. و قال أن ليس لعائلته أي أصدقاء من الأقباط.
و هنا تذكرت أحداث الاسكندرية ، و كل هذه الدماء، و قد كنت تعجبت وقتها من الرجل الذي يطعن راهبة عجوز ، و هو يصرخ " الله أكبر" ، و من أين أتى بكل هذا الكره ، و الجهل ، و ضبابية الرؤية، و صديقي الموسيقي هذا ، اعطاني شيئا لأفكر فيه. فالجهل الرهيب بالآخر ، مدعوما بخطاب كراهية مستمر من " الأخوة" ، بالتأكيد ستكون هذه هي أول تبعاته.
دوما ما امتزنا كمصريين بالفهلوة ، و تحليلنا للآخرين و كأننا ندرك تماما سرائرهم ، بل و نعرفها ربما أفضل منهم ، و في الشارع تجد الناس يتحدثون عن أمريكا و اسرائيل باستفاضة العارف بكل بواطن الأمور ، و إن سألت أي شخص أن يسمي لك ثلاث مدن إسرائيلية فقط ، فقلما ستجده ، و هناك إيمان رهيب في الشارع بنظرية المؤامرة ، و توكل إليها كل تحليلات العامة لشتى القضايا السياسية ، و الداخلية ، بل الكثير و الكثير يعزي نقل تمثال رمسيس إلى رغبات دولة إسرائيل .
فضلا عن أن مبدأ (معانا و لا مع التانيين) منتشر بشكل قاهر ، فالكل يبحث عن شبيه له ، أو لما يعرفه ، و كان في أزمة البهائيين مثال واضح لذلك ، فإن كلا من المسلمين و الأقباط لم يدعموا الاعتراف بالبهائية ، على اعتبار أن الأديان في مصر هي الديانات السماوية ، و من أراد أن يختار ديانة فلا بد أن تنحصر في ذلك ، و لا داع لتوسيع النطاق قليلا.

في النزهات الشرائية كثيرا ما تسمع من البائع جملا من نوعية "إحنا شباب زي بعض .." أو "إحنا مسلمين زي بعض " ، بل و أعرف صديقة ظل البائع يحلف لها بالأمانة أن هذا هو السعر السليم ، و أنهم مسيحيين زي بعض ، و لن يخدعها ، و العجب أن الفتاة لم تكن مسيحية ، فقط كانت غير محجبة و ترتدي في عنقها مفتاح الحياة. و ظلت تسألني كثيرا .. هل لمجرد أنها غير محجبة يعتبرها الناس مسيحية؟ أم أنه أخطأ و خلط بين قلادة مفتاح الحياة و شكل الصليب؟ و أعتقد أن فرق الشكلين واضح.
و مع أزمة لبنان الأخيرة ، انحازت شتى طبقات الشعب إلى حسن نصرالله ،على اعتبار أنه عدو عدونا ، و حتى المسلمين لم يتمهلوا ليدركوا أنه يخالفهم في الكثير من أمور العقيدة ، و لكن لا بأس ، فهو بذقن ، يقرأ القرآن ، و يحارب الصهاينة ، و يعيد كرامتنا المسلوبة ..... ، الغفيرعلى الأرض التي إللى جوارنا (حارس) لا يقرأ و لا يكتب ، لكنه يعيش في بيت من صفيح يشاهد فيه الجزيرة بطريقة ما، و يعلق صورة لحسن نصرالله. و لا أعلم كيف سيفيد هذا حاله المزري إنسانيا ، أو يعلم أولاده.
أقود سيارتي لساعات يوميا ، و يندر تماما أن أجد سيارة بدون إشارة توضح ديانة راكبها ، إما معلقات " إلا رسول الله " الشهيرة ، و إمّا ملصقات إسلامية المنحى عن نصرة المقاومة و تحرير القدس ، و بعضهم يضع " لا إله إلا الله" فقط ، و كأنه واجب علينا أن نقول إلى أي طائفة ننتمي، و الأقباط و إن كانوا تنازلوا عن السمكة الشهيرة ، إلا أن الصلبان لا تخطئها عين في المرآة.
ما أود قوله هو أن كل يجهل الآخر ، و لا يتعاطف معه أو مع همومه ، التي ما هي إلا انعكاس لهموم أمة بأكملها، و لا أبالغ إن قلت أن كل ينظر للآخر كدخيل عليه.
و أي فتاة غير محجبة تعلم جيدا أنها في أي مصلحة حكومية ، أو أي هيئة إدارية ، يتم التعامل معها بشكل فيه الكثير من العنصرية ، و الكثيرون ينظرون إليها ، و يحكمون - وفقا لطبعنا في إطلاق الأحكام - على أنها قليلة الدين ، و تنهج النساء نهج الرجال في ذلك ، و إن لم يكن أكثر.
و القصص كثيرة لا مكان هنا لسردها كلها - و دوما ما ظننت أن التدوين هو عن حيواتنا اليومية ، أكثر مما هو عن إذاعة الأخبار ، أو التحليل السياسي - فسأحكي عن أخر قصتين سمعتهما ، الأولى في ميكروباص ، حيث قام شاب ما بدس يده في صدر الفتاة الجالسة إلى جواره ، نعم صدرها، بهذه الفجاجة و المباشرة ، فصرخت الفتاة.. فما كان من الركاب إلا أن نهروا الفتى الهائج ، و انصبوا يعتبون على الفتاة مظهرها و عدم التزامها الزي الشرعي طالما هي مسلمة و الحمد لله.
و الثانية ليست قصة ، و إنما ظاهرة ، و هي أن عديدات من معارفي غير المحجبات أكدن لي أنهن كثيرا ما ركبن التاكسي في القاهرة ، فإذا بالسائق يضع شريطا دعويا تكفيريا عن النساء، و الحجاب ، و عذابهن.

أعلم أن الأمور تبدوا متداخلة ، لكني أراها مترابطة الأصول ، و هي أن لكل مواطن في مصر ، مهما ضحلت معارفه و ضاق أفقه ، طائفة و اتجاه ، و غالبا ما ينظر للآخر نظرة التحدي ، و العقاب إن استطاع ذلك.
لن أعيد الحديث الممجوج عن أن أمهاتنا و جداتنا لم يكن يرتدين أي زي شرعي ، و صور العائلات القديمة لم يكن لك أن تفرق من مظهرهن هل كانوا أقباط أم مسلمين أم يهود ، و أري أنه كان هناك التزام أكبر بالمعايير الإنسانية ، و الأخلاقية بين الناس عن زماننا الضحل هذا.



صورة لعائلة رومانيللي الإيطالية في مع بعض الأصدقاء المصريين - الإسكندرية - حوالي ١٩٥٦



عائلة موسى شرزلي اليهودية بالقاهرة - تاريخ مجهول




صورة لعائلة أحمد النقيب المسلمة - القاهرة - حوالي ١٩٤٢




صورة لعائلة نينيو اليهودية في بلكونة شقتهم في هليوبوليس - بين عامي ١٩٤٧-١٩٤٨





عائلة أبيلا اليونانية/ القبرصية في منزلهم في بورسعيد - عام ١٩٣١


لا أظن أن أياً من السابق رؤيتهم ، كان يحمل في سيارته ، أو حنطوره ما يدل على ديانته أو أصله العرقي ، و إن كنت أظن أنه و لا بد كان الكثير على درجة ما من التدين ، خصوصا الأقليات.. و من العجيب أن الشعب قد تعايش مع بعضه البعض بلا شكوى ، و بدون تكتلات أو تصيد لزلات الآخرين. و الغريب أننا انقسمنا إلى طائفتين دينيتين فقط ، قديما كانت عدة ديانات ، و عدد كبير من الأصول العرقية الأخرى ، و أعني بقديما :٥٠ سنة !! و قد عاش الناس.
تذكر العديد من المواقع الإسلامية كلمة " الخنازير" للدلالة على اليهود أو الإسرائيليين تحديدا.. لن أضع رابط لأنها موجودة على أي موقع سلفي، و إنني أتساءل : إن هؤلاء الـ " خنازير" استطاعوا أن يبنوا أمة قوية مستقلة ، متطورة تكنولوجيا ، و علميا ، و قد تكونت من مهاجرين من أمريكا ، وبولندا و العراق و فرنسا و روسيا و إيران و أثيوبيا، و فنزويلا ، و كل منهم يتحدث لغة أخرى ، لكنهم تعلموا أن يبدأوا من جديد ، و أن يقبلوا بعضهم البعض ، و يتعلم الجميع لغة واحدة ، و يتشاركوا مجتمع ما ، - طبعا هذا لا يعني أنني مع وجود إسرائيل ، لكني أسرد الواقع الذي لم نستفد منه - ، هذا ما كان من الخنازير ، أما نحن: " خير أمة أخرجت للناس " فنتكلم لغة واحدة ، عددنا فلكي ، يكاد يجمعنا الدين ، و لا ننفك نغزوا بعضنا البعض ، و نثير القلاقل دوما، و تحكمنا حكومات عسكرية قمعية خوفا من هجوم من الـ"خنازير" في أي لحظة!
أي عبث هذا؟
أما عن الأقليات . التي أعتقد أن درس قبولها و هضمها هو ِمفْصل وجود مستقبل للمنطقة أم لا ، فأذكر عن يوسف درويش رحِمه الله ، أنه كان يكرر دوما أن : الأقليات في كل مجتمع لها أخطاؤها ، و أحيانا ما تكون أخطاء كبيرة ، و لكن يرجع اللوم الأكبر على الأغلبية التي لم تستطع أن تحتويها ، و تجعلها تحيا بشكل طبيعي.
و قد كنت أرى في هذا القول تعسفا ما في البداية ، لكني بدأت في الاقتناع مؤخرا، مع عدم إعفاء الأقلية من الملامة أيضا.

الكل في دوامة ما...و لا يزال يغرق فيها حتى يتلاشي نور السطح ، و ها هو العالم أجمع قد أغلق أبوابه أمام أمتنا ، و العربي في الخارج شخص مرتاب فيه ، و ربما يُخشى طرفه بالنسبة لمن لا يعرفونه.
و الحل الأمثل في رأيي هو الانفتاح الثقافي على الآخر ، القبطي ، اليهودي ، الأوروبي ، الأمريكي ، و ربما الإسرائيلي أيضا إن تحسنت الظروف. فالبقاء في مكاننا لا بد أن ندرك أنه لم يزدنا إلا تأخرا ، أو ثباتا في أفضل الأحوال. و العالم سبقنا بأجيال ، و نحن نتشبث بما يؤخرنا بشكل يائس ، و دون اقتناع ، و بعاطفية فارغة.

و الآن و أنا أكتب آخر أسطر هذه التدوينة ، أعترفت لنفسي أن كل ما كتبته فيها كان "تلكيكة" لوضع هذه الصور ، و التملي في وضع عشناه يوما ، و رحل إلى غير رجعة..
غريبة حقا مصر ، لا أظن أن هناك بلد آخر ، تاريخه الحديث إذا ما طالعْتَة ، تجده تاريخ دولة أخرى..
دولة أخري فعلا..
...

30‏/08‏/2006

عَشْر في ذِكْرى محفوظ

قرأت مرة أخرى .. و بتأمل
:

دعاء

دعوت للثورة وأنا دون السابعة .

ذهبت ذات صباح إلى مدرستي الأولية محروسا بالخادمة. سرت كمن يساق إلى سجن. بيدي كراسة وفي عيني كآبة. وفي قلبي حنين للفوضى, والهواء البارد يلسع ساقي شبه العاريتين تحت بنطلوني القصير. وجدنا المدرسة مغلقة, والفراش يقول بصوت جهير :

بسبب المظاهرات لا دراسة اليوم أيضا.

غمرتني موجة من الفرح طارت بي إلى شاطئ السعادة ، ومن صميم قلبي دعوت الله أن تدوم الثورة إلى الأبد.




قبيل الفجر

تتربعان فوق كنبة واحدة . تتسامران في مودة وصفاء , الأرملة في السبعين وحماتها في الخامسة والثمانين . نسيتا عهدا طويلا شحن بالغيرة والحقد والكراهية , والراحل استطاع أن يحكم بين الناس بالعدل, ولكنه عجز عن إقامة العدل بين أمه وزوجه ولا استطاع أن يتنحى , وذهب الرجل فاشتركت المرأتان لأول مرة في شيء واحد وهو الحزن العميق عليه. وهدهدت الشيخوخة من الجموح, وفتحت النوافذ لنسمات الحكمة. الحماة الآن تدعو للأرملة وذريتها من أعماق قلبها بالصحة وطول العمر, والأرملة تسأل الله أن يطيل عمر الأخرى حتى لا تتركها للوحدة والوحشة .

الطرب

اعترض طريقي باسما وهو يمد يده . تصافحنا وأنا أسأل نفسي عمن يكون ذلك العجوز. وانتحى بي جانبا فوق طوار الطريق وقال :
- نسيتني؟!
فقلت في استحياء:
- معذرة , إنها ذاكرة عجوز!
كنا جيران على عهد الدراسة الإبتدائية وكنت في أوقات الفراغ أغني لكم بصوت جميل, وكنت أنت تحب التواشيح..
ولما يئس مني تماما، مد يده مرة أخرى قائلا :
-لا يصح أن أعطلك أكثر من ذلك.
قلت لنفسي : يا له من نسيان كالعدم, بل هو العدم نفسه, ولكني كنت وما زلت أحب سماع التواشيح.




الصور المتحركة

هذه الصورة القديمة جامعة لأفراد أسرتي..
وهذه جامعة لأصدقاء العهد القديم.
نظرت إليهما طويلا حتى غرقت في الذكريات.
جميع الوجوه مشرقة ومطمئنة وتنطق بالحياة.
ولا إشارة ولو خفيفة إلى ما يخبئه الغيب,
وها هم قد رحلوا جميعا فلم يبق منهم أحد,
فمن يستطيع أن يثبت أن السعادة كانت واقعا حيا, لا حلما ولا وهم



الأشباح

عقب الفراغ من صلاة الفجر, رحت أجول في الشوارع الخالية, جميل المشي في الهدوء والنقاء بصحبة نسائم الخريف, ولما بلغت مشارف الصحراء جلست فوق الصخرة المعروفة بأم الغلام.

وسرح بصري في متاهة الصحراء المسربلة بالظلمة الرقيقة, وسرعان ما خيل إلى أن أشباحا تتحرك نحو المدينة. قلت : لعلهم من رجال الأمن . ولكن مر أمامي أولهم فتبينت فيه هيكلا عظميا يتطاير شرر من محجريه.

واجتاحني الرعب فوق الصخرة , وتسلسلت الأشباح واحدا في إثر آخر تساءلت وأنا أرتجف عما يخبئه النهار لمدينتي النائمة..



فرصة العمر

صادفتها تجلس تحت الشمسية, وتراقب حفيدها وهو يبني من الرمال قصورا على شاطئ البحر الأبيض.
سلمنا بحرارة , جلست إلى جانبها عجوزين هادئين تحت مظلة الشيب.
وضحكت فجأة وقالت:
لا معنى للحياة في مثل عمرنا, فدعني أقص عليك قصة قديمة .
وقصت قصتها وأنا أتابعها بذهول حتى انتهت.
وعند ذلك قلت :
فرصة العمر أفلتت ، يا للخسارة.



الرحمة

البيت قديم وكذلك الزوجان ..
هو في الستين وهي في السبعين.
جمعهما الحب منذ ثلاثين عاما خلت, لم هجرهما مع بقية الآمال.
لولا ضيق ذات اليد لفر العصفور من القفص.
يعاني دائما من شدة نهمه للحياة, وتعاني هي من شدة الخوف ويسلي أحلام يقظته بشراء أوراق اليانصيب لعل وعسى.
كلما اشترى ورقة غمغم " رحمتك يا رب".
فيخفق قلب المرأة رعبا وتغمغم " رحمتك يا رب".


المليم

وجدت نفسي طفلا حائرا في الطريق. في يدي مليم, ولكن نسيت تماما ما كلفتني أمي بشرائه, حاولت ان أتذكر ففشلت, ولكن كان من المؤكد أن ما خرجت لشرائه لا يساوي أكثر من مليم


سؤال بعد ثلاثين عاما

بعد انقطاع عشرين عاما عن حي الشباب دعتني مناسبة إلى عبوره , لولا ما جاش في صدري من عواطف نائمة ما عرفته في عمائره الجديدة وزحامه الصاخب, وثبت عيناي على بيت قديم بقي على حالة فشعرت بابتسامة ترف على الروح والجسد. إنها اليوم وحيدة في الثمانين, وآخر لقاء جمع بيننا بالمصادفة منذ ثلاثين عاما حين أخبرتني بهجرة وحيدها إلى الخارج بصفة نهائية , ومضيت ومظللتي وقصدت الباب بعد تردد وضغطت على الجرس فتحت شراعة الباب عن وجهة امرأة غريبة فداريت ارتباكي بسؤال : إلا تقيم ست سامية هنا؟
فأجابت بسرعة:
- نحن نقيم هنا من ثلاثة سنوات !
تحولت عن موقفي في حيرة , وذهبت إلى مشواري وأنا أتسأل ترى أين هي؟ هل تقيم في حي آخر؟ هل لحقت بابنها في الخارج, هل رحلت عن دنيانا دون أن نعلم رغم القربى ؟ وهل يصلح ذلك نهاية لذلك التاريخ المؤجج بالعواطف والأحلام!
وجمعنى في نفس العام مأتم مع الباقين من الأسرة فسألت أحدهم :
- ماذا تعرف عن ست سامية ؟
فرفع حاجبيه بدهشة وقال :
- أعتقد أنها ما زالت تقيم في البيت القديم ! ـ



عيد الميلاد

ما أكثر ما يسير بلا هدف. وإذا التعب نال منه توقف, لكن لم يكف عن مناجاة الأشياء الثابتة والمتحركة ، في نهاية هذا العام يبلغ الثلاثين من عمره


عجباً .. فقد رحل الرجل
العزاء غدا في مسجد آل رشدان بمدينة نصر ، خلف الاستاد
و من قبله سيتحرك الجثمان من سيدنا الحسين ، بناء على وصية محفوظ
ـــــــــــــــــــــــ
المقتطفات السابقة من مجموعته " أصداء السيرة الذاتية" متاحة كاملة هنا (١) ـ
النص الكامل لرواية نجيب الممنوعة "أولاد حارتنا" متاحة هنا (٢) ـ

29‏/08‏/2006

خواطر الماشي


كان الوقت ليلا... و الصخب مستمر ، و لا فكاك من زحام المارة .
و كان الماشي وحيدا ، يتأمل من حوله ، و لا يتحدث
تذكر الماشي أنه لم يخاطب أحدا منذ عصر اليوم ، دندن نغمتين ليحرك صوته
نظر حوله ، و شاهد بلادا جديدة ، و أناس جدد ، ربما لم يعتدهم من قبل، كان ميدانا فسيحا ، و الباعة يفترشون الأرض ، و يصرخون بألوان و موديلات ، و القرآن يدوي مستمرا من المئذنة الشامخة.
نظر الماشي إلى بائع الكتب الذي كان يجلس أمام باب المسجد ، ذلك الذي كثيرا ما باعه كتبا جميلة ، تذكر نسخة من " اللص و الكلاب" بربع جنيه ، و تذكر محفوظ الراقد في الفراش.
كان الماشي يعلم جيدا أن أول رواية قرأها كانت لمحفوظ ، بعدما تجاوز مرحلة القصص المصورة ، و قصص الأنبياء في الخليج..
نظر لما حوته فرشة البائع .. فكانت أفلام الصيف على أقراص مدمجة ، و مصارعة حرة ، و أحاديث عمرو خالد .
كان الباعة يصدحون بنداءات لم يفهمها ، و مئذنة الجامع تردد دعوات ما...
و كان الرب متربعا بالأعلى.. كان يعلم أن المدينة تغرق ، و لا حراك. فقال الرب: ليكن سلام على الأرض، و لتكن البركة في الميدان . و أصبح الميدان مباركا...
ولوقت طويل ، كان الماشي غريبا في المكان .. لم يفهم ما يرى ، و لم يدرك ما سمع،
قال الماشي في نفسه : " إنني بعد شابا ، لست بكهل أو عجوز ، فمن أين لي بكل هذا الحنين إلى أيام ولّت؟"
" كيف تسنى أن خَبِرتُ كل هذا التغير في ذلك الزمن الوجيز؟" ...
كان الماشي يعلم أنه على حافة الهاوية ، أن الارتطام قادم لا محالة.. لم يجزع.. فقط أخذ تنهيدة ما...
و أطرق..

قال: لتكن الموسيقى، سلوى للروح ،و عذوبة للذات السقيمة.
وضع سماعاته في أذنه. و فكّر أنه ينبغي أن يعود للفراش
و بالصدفة سمع

"In restless dreams I walked alone
Narrow streets of cobblestone
'Neath the halo of a street lamp
I turn my collar to the cold and damp
When my eyes were stabbed by the flash of a neon light
That split the night "

" ان هذا الميدان يتغير بسرعة .. أسرع حتى من أن أدركه" قال في نفسه
و كان حزينا لأنه دوما ما اعتقد بقدرته على هضم الأشياء بسرعة.
و كان هناك بائع جرائد ما ، فقرأ على صفحة الأهرام الأولى كلمتين..
نجيب
محفوظ
بخط مبعثر ، و صورة تملأ صفحة أولى...
استجمع الماشي شجاعته
و سأل البائع: " هو نجيب محفوظ مات؟"
هز البائع رأسه بلا دراية
سأله الماشى عن هذه الصحيفة و ما تعنيه
أجاب البائع أنها "إعلانات مجانية"
.....
و اعطى للماشي هذا الملحق ليمضي في حال سبيله
"إعلانات مجانية" قال الماشي في نفسه.
نظر للملحق ، قرأ : للقيمة .. للقاريء
لم يفهم شيئا..
طوَىَ الصحيفة في حقيبته ، و اجتاز الميدان حتى وقف أمام ساتر من النور..
إضاءات ضخمة .. قرأ فيما بينها " قصب خير مزارعنا"
كان الماشي يمني نفسه بأي قدر من البهجة، دخل المحل ، دفع للملتحي ، ذلك الذي صاح بصوت هادر " واحد قصب للـ(أخ)"
سأل الماشي نفسه عن الماركات النحاسية القديمة ، تلك التي كنا نعطيها للساقي بدلا من أن ندفع له مباشرة..
كان الماشي يعلم أنه لم يعد من ماركات نحاسية ، فقد رآها تصبح رقائق ألومنيوم ثم دوائر بلاستيكية ، ثم أصبح النداء...
و كان القرآن عاليا هنا أيضا.
كان الماشي ذو حظ كبير في حفظ القرآن منذ أزمنة الخليج الغابرة، كان يعلم كل ما يقرأه المقرىء السعودي في هذا الجهاز التالف ، فقال أنه لا بأس من أن يعيد السماعات إلى أذنه.
فليس من جديد على أية حال..

سمع غناء ما ، و شاهد أناس ملتحين ، و نساء مكفنات ، و أجال بصره في الميدان باحثا عن شيء ما سعيد..
فلم يجد
و كان القصب قاتم اللون
حمضي المذاق
"
And I don't know a soul who's not been battered,
I don't have a friend who feels at ease
I don't know a dream that's not been shattered or driven to its knees
But it's all right, it's all right
For we lived so well so long
Still, when I think of the road we're traveling on
I wonder what's gone wrong
I can't help it, I wonder what's gone wrong
"

و بينما هو على حاله هذا ، شعر بهزة في الأرض ، و زئير محركات ، و صياح ناس، رفع رأسه لأعلى ، شاهد تمثالا ضخما يحلق.. و تتساقط منه أتربة لم ترى النور منذ الخمسينات ، و لم تر من قبل سوى أناس سعداء...
رفع الماشي كأسه الحمضي محييا التمثال...
و كان الجنود يصطفون علي الجوانب و زحام الناس يتابعون الحدث..

تذكر شادي عبد السلام ، و تذكر النساء و هم يبكون فجرا أثناء نقل التوابيت..

" أعطني اسمي في البيت الكبير..
و أعد إلى الذاكرة اسمي..
يوم أن تحصى السنين ..."


و رأى التمثال يبحر في غياهب المدينة ، و يختفي وسط الجموع ، و علم أنه من هذا اليوم ، فلن تبقى تلك البقعة كما عهدها، تذكر حينما كان طفلا ، و كان يجلس في المقعد الخلفي للسيارة ، و كيف كان يمد عنقه من الشباك محاولا رؤية أكبر قدر من التمثال ، و كان الماشي لم يشاهد من قبل نصبا بهذا الحجم في بلاد الخليج ، و لام على أباه كثيرا أنه كان يمرق مسرعا فلا يستطيع الرؤية...
تعجب الماشي كيف كان الميدان في وقت ما يمكن تجاوزه بهذة السرعة .
و تذكر أنه أصيب بهوس فرعوني في طفولته ، و دار على مكتبات الزيتون محاولا شراء كتب عن الفراعنة على قدر ما أوتي من ضئيل المال ، و تذكر كتابا عن حياة رمسيس الثاني ، بصور ذات طباعة رديئة لدرجة أنه لم يتبين أغلبها.. و لا زال يذكر البائعة ذات الصدر المكتنز ، و صليبها الذهبي الصغير.
و عزَّى نفسه: " ليس من أحد ينظر للتمثال بينما يعبر الميدان على أية حال"
" ربما كان هذا أفضل" ... قال.
ظل الماشي يسير في المدينة المزدحمة طويلا، كان الليل قد انتصف منذ مدة ، و لا زال الزحام .
ركب الماشي إلى هليوبوليس ، و هناك رأَى بوابة المريلاند ، أو لم يَرَها ، فقد أزيلت من عالمنا هذا في نفس اليوم.
كانت بوابة بيضاء فريدة الطراز . كان قد اجتازها مرات طفلا ، و طالبا ، و مُحِبا، قال في نفسه " منتزه مصر الجديدة" كان يذكر نفسه بما كُتِب يوما على هذه البوابة.
شعر الماشي بمؤامرة ما ، تذكر الكهل الذي كان يصيح في العمل قائلا أن اليهود وراء نقل التمثال ، وأنهم يكرهون رمسيس ، وأن حكوماتنا عميلة.
قال الماشي في ذاته أن جميعنا عملاء... الكل يشارك في هدم حياة عشناها يوما ، و ليس من أثر لها الآن.
و الكل ينظر للـ" يهود" ، و ينتظر ...
تذكر السكندري العجوز:

" إن الليل قد أقبل ، و لم يظهر أحد من البرابرة
ووصل البعض من الحدود ، و قالوا أنه ما عاد للبرابرة وجود
ماذا سنفعل الآن بلا برابرة؟
لقد كان هؤلاء الناس حلا من الحلول
."

و قبل أن يأوى الماشي لفراشه ، نظر إلى رف الكتب ، نظر إلى الأفلام ، نظر لموسيقاه ، و لورق كان قد اختط فيه شيئا سخيفا آخر ...
سأل نفسه عن الجدوى
سأل نفسه عن حل..
و أغلق هاتفه..
و نزع ثيابه..
و بينما هو في الفراش .. تذكر وجوه أناس عرفهم يوما و ماتوا ، و كان لا يذكرهم سوى مبتسمين..
أغلق عينيه بصعوبة...
و تذكر الله..
و سأله الرحمة...
....
و ظلت عينيه مغلقة حتى أشرق صباح جديد على مدينته.
معلنا وجوب بدء يوم جديد..
يوم جديد للجميع...
....
"لتكن المشيئة" ، قال في نفسه ..
....
و نهض مرة أخرى

..

17‏/08‏/2006

هليوبوليس - مرة أخرى

و ها قد وضعت الحرب أوزارها .. و انتهي الكابوس الحالي .. و إلى أن يأتي الكابوس المقبل .. و نبدأ في الشجب و الادانة و التظاهر و العويل و الدعاء و الخطابات و الملصقات و قناة الجزيرة و كل ما سيحتمله الوضع ... سأنحي بكل ٌآمالي و آلامي جانبا ..

و سأكتب عن واحة هليوبوليس

قد لا تجد حي آخر في القاهرة لازال يحوي بقايا تعددية و مجتمع غاية في التركيب و التجانس مثل المنطقة القديمة من مصر الجديدة، و أتكلم عن المنطقة البادءة من أول شارع ابراهيم اللقاني حتى نهاية ميدان تريومف ، مرورا بشارع الاهرام ( و الذي سمي بذلك لأنه كان من الممكن رؤية الأهرام في افقه ) و الكوربة و بواكيها الشهيرة ( و سمي بذلك لأنه كان شارعا منحنيا - على غير العادة في وقتها - و الكلمة بالايطالية تعني الانحناءة أو القوس) ، و كنيسة البازيليك التي استنسخت من كنيسة آيا صوفيا الشهيرة ، مرورا بميدان الجامع حيث ترى التحف المعمارية الني تكون بلوكات سكنية عريضة بحدائق - و قد أزيلت - من الامام و الخلف ، و التي صدمت حينما علمت أنها كانت بيوتا لعمال شركة مصر الجديدة و عمال المترو ، و من حولها بعض المباني السكنية التي على بعضها مآذن وهمية ، لخلق نوع من خداع البصر ، و لمحاكاة اللندسكيب القاهري الشهير.

كان أول غرامي بالمكان سببه المعمار قطعاً، لا أعتقد أنني أعرف في القاهرة مبان أكثر رقيا و جمالا ، و لا حتى مباني الزمالك أو جاردن سيتي ، و إن كانت توجد بعض النماذج الفريدة هناك أيضا... لكن عند الحديث عن حي بمجمله ، تخطيطا و معمارا و أناسا، و حياة... ستبقى هليوبوليس دائما..

و قد حدث ذات مرة منذ عدة سنوات أن و قفت مع تشكيل عند ناصية أحد الشوارع ، نشاهد مبنى بلجيكي الطابع - و لفظ بلجيكي يطلق في مصر الجديدة على عمارات الشركة الاصلية ، تلك ذات السُقُف العالية و الحوائط السميكة و الزخارف المشتقة من التراث الاسلامي ، و الذي امتازت به مبان المنطقة منذ ١٩٠٥ - و بينما كنَّا نشاهد المبني في أسى ، لما طرأ عليه من تصدعات و شقوق ، فإذا برجل عجوز وقف إلى جوارنا، و أخذ يتطلع إلى المبني معنا ، كان أبيضا و قصيرا ، ممسكا عصا و مرتديا بدلة و قبعة ، و قال لنا بعربيَّة معوجّة:
عمارة خِلوة خالص .. خسارة خيهِدُّوها...!
ثم انصرف في عجالة بعدها ، محييا إيانا برفعه للقبعة...
قلت أنا و تشكيل في نفس اللحظة : جريجي! ..
فَضَحَته عربيته الجميلة ، و روحه الضاحكة... و لا أظن أنه عاد في الامكان في أي بقعة في القاهرة أن تصادف أحدا من الطوائف المندثرة ، و تتجاذب معه بضع عبارات في ظروف عادية، و بلا سابق معرفة ، سوى هناك...





يمينا: شارع الاهرام و كنيسة البازيليك (١٩١٠)

يسارا : منظر علوي لقلب هليوبوليس
(١٩٢٩)







و لا زلت أقف مشدوها أمام مبان بعينها ، و كثير ما أنحي سيارتي المتهالكة جانبا و أسير في الشوارع الهادئة ، و سيظل فندق هليوبوليس الكبير - الذي هو القصر الرئاسي الآن - واحد من أبدع مبان القاهرة، بمعماره البديع و الآيات القرآنية الثلثية التي تحيطه، ، و يقال أنه كان في بداية القرن أكبر فندق في العالم!! هذا بحسب مراجع عدة ، و قد استخدم كمستشفى في الحرب العالمية ، قبل أن يستخدمه الرئيس مبارك أطال الله في عمره، .... ، و في مقابِله ما عرف بفندق هليوبوليس هاوس ، و كانت شرفته هي المكان الذي كان يغني فيه بوب عزام أغانيه الشهيرة مثل ( مصطفى يا مصطفى) و بعده بقليل مبنى سينما نورماندي بسقفه القرميدي المثلث الذي يشبه معمار منطقة نورماندي فاكتسبت الاسم ، و من قبله محل الامفتريون البديع الذي لا زال يعد من الأماكن النادرة التي يمكن فيها احتساء بعض البيرة الباردة مع الشيشة في مكان مفتوح ، فضلا عن طعام جيد جدا.. و إذا اجتزت إلى ميدان روكسي ، أقف دوما أتأمل تلك المنصة العجيبة ، كثيرة الزخارف و التفاصيل ، مزرية الحالة ، و قد علمت من كتاب ( مصر الجديدة - حكاية في مائة عام ، لنبيل شوكت) أن هذا هو آخر ما تبقى من مقصورة سباق الخيل الشهيرة ، التي كان مضمارها يكون ما يعرف الآن بشارع السبق (المريلاند) و قطاعا كبيرا من الحديقة نفسها.. و الآن يستخدمها الحزب الوطني المتاخم لها في لقاءاته الجماهيرية أو عروض كأس العالم. فضلا عن شارع الكوربة الحميم الذي لازلت أعتقد أنني قد أنقذت جزءا كبيرا من أشجاره من الهلاك... أو يريحني أن أتصور ذلك.
(*)


منصة السباق -١٩٤٦

وشارع ابراهيم -١٩٢٦



و صك من فندق واحة هليوبوليس



و قد تعجبت من كم الكنائس الرهيب ، و ازداد تعجبي عندما علمت أن هذه الكنائس تخدم - تقريبا - كل طوائف المسيحية في مصر، فتجد كنائس الروم الكاثوليك ، و الاقباط الكاثوليك ، و الكنيسة المارونية ، و كنيسة الادفنتست ، فضلا عن كنائس الاقليات ككنيسة الجريك الكاثوليك، و نادي أرارات ، وكنيسة و مدرسة الارمن الابتدائية. فضلا عن كنائس الارثوذوكس العتيدة..
و كما يوجد مبنى معبد فيتال ماجار في شارع المسلة ، ملحقة به ما كان يوما مدرسة الطائفة اليهودية ، و هو الآن يستخدم كمتحف مغلق للتراث اليهودي.
و لا زال من الممكن ملاحظة نجمة داود على مبان عديدة في المنطقة ، مثل بواكي آخر شارع الكوربة ، و أول شارع عثمان بن عفان و في شارع الاسكندرية ، فمن يرفع رأسه عاليا في القاهرة أعلى من لافتات المحلات الفينيل المضيئة سيشاهد تاريخا لن يقرأ في الكتب. و تعجبت حينما كنت أسير حول ميدان الاسماعيلية ، ووجدت محل للكلف يضع لوحة بخط رقعة جميل كتب عليها: "محل إسرائيل" ، و يبدوا أن المحل كان ملكا لشخص يهودي ذات يوم ، و صاحب المحل الجديد لم يغير اسمه رغم تقلب السنوات و الاحوال.

اشعر بالأسى أحيانا لأني أشاهد عائلات لم يعد يربطها الكثير بالمكان ، و أجد الاجيال الجديدة عادة ما يرغبون في الرحيل إلى أحياء أخرى ، و مبان جديدة.. و أعتقد أن استمرارية الحياة في نفس المكان جيلا وراء جيل ، تخلق ما يسمى بالوطن... و لكن بمعنى شخصي جدا... أقول هذا و في رأسي صورة لـ ٤ أجيال يتناولون الطعام في نادي هليوبوليس، الجدة العجوز القصيرة و ابنتها رمادية الشعر ، و ابنتها الشابة اليافعة ، و ابنتها الصغيرة المشاكسة.. الجميع اجتمع في مكان واحد ، بمفهوم واحد،تجمههم مفردات اجتماعية و بصرية واحدة ، فيما لا يمنع أن كلا منهم له ذاتية منفصلة..

فالعائلات التي تعيش في هليوبوليس تعلم أنك إذا احتجت مصفاة للمطبخ فتوجه إلى (خدر) البائع الشامي الذي يتحدث الفرنسية دوما في التليفون ، و إذا احتجت زرائر للقميص فتوجه إلى بابازيان و اشرح لصاحبة المحل الأرمنية طلبك، و المخبز عند ناصية شارع ابراهيم يقدم خبزا مدعوما ، و جيدا في نفس الوقت، و للاحتفالات فإن بولس يبيع النبيذ إذا كنت تشرب ، و إذا كنت لا تشرب فيمكنك ان تشتري فاكهة جيدة أو محمصات من ميدان الجامع، أو اكتفي بالحلوى السويسرية المعدة بعناية اسطورية من كريستين، و إفريمنز يبيعون الادوات المدرسية باسعار الفجالة رغم أن المحل مكيف الهواء ، هذا إذا كنت لا تنزعج من الايقونات و الصلبان العديدة المعلقة.
أسوق هذا و أنا أعرف أن عائلتي ( ليست هليوبلسية) تشتري كل احتياجاتها من الابرة للصاروخ من محل واحد متعدد الطوابق ، كمترو أو أولاد رجب أو المحمل حسب الظروف ، مضيعين مع المال علاقتهم بالجيرة ، بأهل المحلات الصغيرة و بشوارع حيهم.

لا أكاد أعرف معنى لكلمة
Neighborhood
في العربية ، فمعني الجيرة لا ينطبق على دلالة الكلمة ، و لكنها تعني " الحتة" أو المنطقة ليس بمعناهما الجغرافي و حسب و إنما بالمعنى الاجتماعي أيضا.
علاقة الانسان بالـ "حتة" ، هي علاقة تبادلية ، و ليست نفعية و حسب ، فبينما تسير في شارع ما فانت تعرف هذه الأماكن و أولئك الناس .. تؤثر و تتأثر بهم - كما في الاحياء الشعبية القديمة -. و الشوارع في ذلك الحين تصبح أماكن لممارسة الحياة ، فضلا عن الشراء و المشاهدة و التسكع و المعرفة ، عوضا عن أن شوارع مدينة نصر أو المهندسين مثلا : هي طرق تؤدي بك إلى وجهة ما .. و لا ينطبق عليها أي مما سبق..
فإذا تحول شارع إلى طريق أو اتجاه ، فقد فُقِد معنى الوطن في رأيي... و بعد سنوات، ذاكرتك لن تسمح لك باسترجاع وجه الكاشير في مترو... و لكن أهل هليوبوليس يعرفون وجوها متباينه إلى درجة أن أَختَصُّهُم بهذه التدوينة دوناً عن شُبْرا أو الزمالك أو الضاهر.. فالتعددية لا زالت.. و روح المكان لا زالت... حتى إشعار آخر.

أكتب ذلك بينما أطالع صرحا أسمنتيا قبيحا خارج غرفتي في حيي الجديد، و أعصر عقلي محاولا تذكر شكل الكاشير في أولاد رجب ... فأتذكر شيئا في وجهه.. زبيبة الصلاة؟... لا أذكر....

...





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)
أغلب المعلومات الواردة ، هي من كتاب ( مصر الجديدة - حكاية في مائة عام ، لنبيل شوكت) ، و الباقي من خبرات شخصية

..............

09‏/08‏/2006

بغداد .. تلك المدينة البعيدة



شاءت ظروف ما... أن أجد في حوزتي مجموعة من الشرائط التي صورتها كاميرات المراسلين في العراق... تتضمن ساعات من اللحظات الحية ، تؤرخ لما حدث بدءا من دخول التحالف لبغداد .. حتى يومنا هذا...

قد لا يتعجب مشاهد الجزيرة الدؤوب من هذه المادة. بحكم أنها تملأ الشاشات ليل نهار.. لكن الغريب بالنسبة لي هو كون هذه اللقطات لم تمس مونتاجيا،أي لم يتم تصنيفها و تقطيعها لإخراجها مصحوبة بصوت معلق فيما يعرف بـ: نشرة الأخبار

الناس فيها أحياء... شاهدت كلاّ منهم لدقائق طوال.. كيف يأكل أو يشرب.. كيف يتحدث.. كيف يرفض وجود المصور ثم يقبله بالتدريج.. أو آخر يرحب به و كأنه النجدة السماوية

كان أول ما لفت نظري هو ما عرف بـ " مقبرة الجيش العراقي" ، و هي مقبرة للدبابات و المدرعات بل و الصواريخ..الآلاف من الحديد المهتريء الذي يمتد على مرمي البصر . . بلايين من الأموال... كانت يوما سلاح الجيش العراقي..و الآن هي أكبر ساحة للخردة في الشرق الأوسط


ليس بسبب الامريكان فقط.. و إنما المقبرة هي نتاج حروب ضروس أكلت الشعب العراقي منذ عام ٨٠ إلي اليوم، حروب باسم العروبة تارة و الوطن الكامل تارة.. باسم الاسلام تارة و باسم دحر الثورة الاسلامية تارة.. و الشعب لا ينفك يمسك سلاحا.. و يمتطي مدرعٍة ما.. و يموت على حدودٍ ما..

ساحة الخردة ، هي كل ما تبقى للعراقيين من حلم الرفاه و الدولة المقتدرة، فالدبابات التي بناها النظام السابق من أقوات الناس ، أضحت هي اليوم مصدر قوت للناس ، فتجد العشرات يجدّون السير من الصباح ، رجالا و نساءا ، زرافاتٍ ووحداناً ، شيوخاً و أطفالاً ، نحو الساحة العملاقة ، في يِدهم المطارق و الشواكيش... لتبدأ رحلة الجمع اليومية.. كل يأخذ ما يستطيع خلعه: باب سيارة.. عداد صديء .. قذيفة فارغة .. علها تصلح للبيع .. آتية لهم بما يسد الرمق في هذه الأيام العسيرة.

قد تجد بينهم أمهات و آباء.. جهلة و متعلمين.. و لكن الفاقة تجمع الكل

تابع المصور رجل بنصف وجه مشوه... و سأله بعد عناء عمن فعل به هذا قال الرجل بتلقائية: صدام ، فقد بتروا أذنه لهروبه من الجيش.. و حبسوه ثلاث سنوات. و الوجه المشوه كان" كادو" من الجلادين فوق بتر الأذن حسب القانون

يبدوا لي أن بعض الحكومات تكون أكثر قسوة على شعوبها من أبشع ما يمكن تخيله


المُشاهد للبؤس و الشقاء الذي يتكبده الشعب ، والحزن الدفين فيهم.. لن يتمالك ألا ّيسأل كيف حدث ذلك في ثاني دول العالم امتلاكا للبترول.. في أهم القوى العسكرية في المنطقة، في احدى أعرق دول الشرق..

أعتقد أنه لا توجد سوى إجابة واحدة...ً

ليس الاستعمار الامريكي.. فالحال يسوء منذ الثمانينات.. و ليست اسرائيل طبعا

و لكنها الحرب.. لقد قضت الحرب على الحكومة التي كانت قد قضت على شعبها في الحروب


. و على ضفة نهر البصرة .. كان الصيادون يعيشون في حطام باخرة ضخمة في عرض النهر الضحل، و يأكلون خبزا قديما مع البصل، و على الضفة الأخرى كانت تماثيل لصدام و معاونيه تنتصب في شموخ. و يروي البعض أن هذا الحطام الهائل هو
يخت الرئيس




كان التناقض موجعا بين التماثيل الشاهقة البرونزية التي تشير نحو العدو (كان إيران في وقتها) ، و الصيادين الذين يحتمون في هيكل مركب صديء.

و بينما كنا نشاهد هذا البؤس الذي يحياه الناس، و كل هذه الاسلحة و الأموال و الارواح التي أهدرت في يوم ما ، من أجل قضية ما... كان صديقي الذي يشاهد معي متسمرا في ذهول، و لم يستطع سوى أن يعلّق : ** ام العرب

و لم استطع أن أجيب سوى بهزة من رأسي موافقا... فقد أضاعت أنظمة أجيال و أجيال من شعوبها.. و الشعوب ظلت خانعة مستسلمة تحت قمع الانظمة القومية الثورية العربية الاسلامية الاشتراكية العظمي... فالصورة لا تختلف في العديد من دول المنطقة.. و أغنى دول المنطقة لم تنجوا من الفقر و الشقاء ، و أفقر الدول لم تسلم من الحرب.

دائما هي الحرب.. أجيال ورا أجيال نمسك السلاح.... و نفدي قضية ما .. تتغير بتغير الظروف ..

و كما كتبت من قبل ، الحرب و استمرار التوتر في المنطقة، هو السبب الرئيسي لبقاء الحكومات العسكرية ، و عدم اقامة دول مدنية بدلا من حكم الشرطة و العسكر ، الذين هم قطعاً يحموننا من كل خطر و مكروه ، داخلي أو خارجي

حينما كانت انتخابات الرئاسية تجري في مصر ، قابلت احد الشخصيات المعروفين باتجاهه القومي ، و أعلن لي أنه لن ينتخب أيمن نور مهما حدث ، فكيف سيستأمن نور إذا قامت الحرب؟ و أخذ يسخر أن يتولّى شخص مثل نور فكرة اعلان الحرب أو وقفها، قال يلزمنا - في هذه المرحلة - رجل عسكري

و اندهشت من قوله.. و لكن بعض بضعة ايام كنت قد سمعت هذا الرأي من عشرات الناس، و ادركت إلى أي مدى ربِينَا على أن نفكر بمنطق الحرب

دائما هي الحرب.. أجيال ورا أجيال نمسك السلاح.... و نفدي قضية ما .. تتغير بتغير الظروف ..


سأل المراسل شخصا هل هو خائف بينما تتعدد الانفجارات بشكل يومي ؟ أجاب الرجل أنه لا يخاف الآن، طالما أنه ليس من أحد يصيح في الطريق، سائلا إياه عن هويته ، و قادر على اعتقاله... بينما أجاب آخر أنه لا يزال خائفا ، فربما يأتون للحكم مرة أخري.


التفجيرات في العراق يومية ، القتلى تجاوزوا الـ٤٠ ألفا.. و هو رقم مرعب، و ٩٠٪ منهم ضحايا عنف داخلي، فقد انتهت الحرب العسكرية و أفسحت المكان لحرب أهليه ضروس

:ووفقا لتقرير الـ آي بي سي


العام الاول لحرب العراق : متوسط القتلي في اليوم الواحد ٢٠

العام الثاني لحرب العراق : متوسط القتلي في اليوم الواحد ٣٠

العام الثالث لحرب العراق : متوسط القتلي في اليوم الواحد ٣٦


الحرب العسكرية توقفت.. و الأمريكان في طور الرحيل ، و الآن العراقيين وجها لوجه.

و عدد القتلي الذين قتلهم عراقيين هو أضعاف القتلى الذين كانوا قد قضوا على يد أمريكان


و يبدوا أنه في خضم هذه الحرب.. لا زالت الناس تخشى قمع الحكومة



دولة اسرائيل ، بكل عنصريتها و بغضها ، قامت باسقاط عشرات الآلاف من التحذيرات قبل كل ضربة جوية وفقا للبنانيين بانفسهم ، - و هو أمر لا أدري لماذا لا أسمع عنه كثيرا في الجزيرة - و بالتالي كان من الممكن انقاذ عشرات الاطفال من موت محقق.. ماذا حدث؟

مع كل المعونات و التبرعات للبنان ، استغل الناس هناك و في سوريا و الاردن الفرصة ، و بلغ سعر اجلاء المواطن الواحد من اللبنانيين ١٠٠٠ دولار بحسب مصادر عديدة ، مما أدى إلا بقاء غير القادرين.. فتساءلت .. من أكثر قسوة علينا .. العدو الصهيوني؟ أم العرب أنفسهم؟

الموقف يزداد تعقيدا .. لغة الحرب تسود.. و بدأت أشعر أننا لا نتكلم غيرها...




:العاملون في مجال الطباعة و النشر لهم قول طالما أعجبني


" القاهرة تكتب ، و بيروت تطبع ، و بغداد تقرأ"


اليوم ، بغداد لا تقرأ ، و لبنان لا تطبع ، فهل ستستمر القاهرة في الكتابة؟

23‏/07‏/2006

عن مظاهرة الأربعاء... و رزقي على الله


رغم أنني كنت قد نزهت نفسي عن الوقائع الدموية في الشام..ليس سلبية و لا انهزامية... و إنما احباط في أغلبه... إلا أنني لم أستطع الاستمرار في الصمت و الكتابة عما أحب .. خصوصا مع ما أراه من ردود أفعال... و الحق بعضها أثار غضبي و إحباطي .. ربما أكثر من الحرب نفسها...

كما قال بيسو .. إن الخطاب الغالب تحول إلى خطاب عنصري .. من الطرفين .. كل يسعى لإبادة الآخر .. المسلمين من جهة و اليهود من جهة أخرى .. و كأن أصل القضية : الأرض و الحقوق و الواجبات التي على الطرفين أصبحت جزء هامشي....

و قد زاد الطين بللا .. دعوة أخونا في الإسلام علاء إلى تظاهرة عنوانها:

" تضامنا مع فلسطين ولبنان وضد الصهاينة والأستعمار والعملاء العرب

لا عذر لنا لو لم نذهب ولا خير فينا لو لم نحتشد

بعد 50 عاما من تأميم قناة السويس مازلنا نقف في وجه الاستعمار والصهيونية"

واضعا هذا البانر:



و لا بد أنه قد استشرى في المدونات كالنار في الهشيم... و لكن عن نفسي لم اسعد بالدعوة على الاطلاق لعدة أسباب .. و قد قررت أن أسطرها في مدونتى و ليس في مكان الدعوة ، احتراما مني لدعاية المظاهرة .. و حتى يكون رأيي هذا هو طرح لأفكار و تساؤلات ... و ليس هدما ، و لمجهود الآخرين ... المهم، استغربت الآتي:

١- أولا : طريقة الأحكام الجائرة و المستفزة تجاه الآخر المتمثلة في جملة "لا عذر لنا لو لم نذهب ولا خير فينا لو لم نحتشد" .. و كأن الكل لا بد أنه فريق واحد .. و الجميع يرى أن مظاهرة الاربعاء ستساعد في حل الأزمة ... و من له رأي آخر فـ" لا خير فيه "

٢- لم أفهم ما المطلوب من هذه المظاهرة ... ماذا ؟ "فتح باب الجهاد؟ طرد السفير؟؟" كانت هذه غالبية طلبات مظاهرة الأزهر ... فماذا عن هذه الوقفة؟ لي رأي في كل منهما:

أولا
: فتح باب الجهاد هو دعاية للحرب ... كثيرين ليسوا معها... خصوصا إذا كانت تجاه عدو سافل و لا خلق له ... و يفوقنا بأضعاف ما نملك من خبرات عسكرية .. و عتاد .. و دعاية .. و دعم دولي...


فاسرائيل أقوى الآن ...منذ قيامها و هي تكسب العالم في صفها .. نحن لم نفلح كعرب سوى في التقوقع.. و البعد عن الغرب قدر الإمكان .. سواء بتكفيره أو وصفه بالصليبي أو المنحل.. إلي آخره... نعادى أمريكا و الدانمارك و فرنسا و انجلترا.. و أي آخر يظهر عكس ما نحب ... و النتيجة الإمعان في العزلة.. جواز سفر المواطن العربي جميعنا نعلم ماذا يعني في أي مطار في العالم....ففقدنا الدعم السياسي أو الإنساني . ففي حالة أي معركة، دم العربي لن يساوي شيئا - كما نرى الآن-
و الصوت العالي لن يفيد أيضا.. كان صوتنا عالي في حرب العراق و أيام محمد الدرة... لا بد أن يكون لصوتنا قيمة.. و ليس حشدا فقط... لا بد من إعادة بناء اعتبارنا.. أوطاننا.. أنظمتنا .. أحزابنا.. قبل أن نستخدم أصواتنا...

كما جيوشنا ليست مؤهلة مثل الجيش الاسرائيلي...و الدليل أن الجيش المصري تتحول وحدات كاملة فيه إلى دور عرض سينمائي .. أليس بالأحرى أن نغير هذا أولا؟ و قرأت أن اسرائيل تستثمر في ١٤ قمر تجسس حول المنطقة!
و الحرب العصرية لم تعد جموع و بنادق.. بل أصبحت معلومات.. و تحديد أهداف .. و قصف بالطيران.. و دعاية مضادة ، بل و حتى هجوم على مواقع العدو السيبرية لشل قدرته هناك أيضا... هل نملك نحن كل هذا؟ و هل لدينا التنظيم الكافي ، و المال الاسطوري اللازم؟

و حتى إن كانت جيوشنا مؤهلة و كنت على خطأ .. كم روحا ستتطلب إهدارها من أجل إجلاء ٨ مليون مستعمر - مُعَسْكَرين-؟ ... أعتقد أن الكلام عن إجلائهم ده كان زمان .. الآن لا بد من إيجاد و سيلة للتعايش.. و أن يفهم بعضنا البعض.


ثم ..هل الحرب هي الحل؟ - لا أقول أن التظاهرة دعاية للحرب لكن الكلام جاب بعضه حول الجهاد الذي يطالب به الكثيرين - إن لبنان مثلا .. ستستلزمها عشر سنوات لإعادة بناء البلد من جديد ، لم تلبث أن بدأت في الوقوف على قدميها .. و ها هي تسقط من جديد... لا أعلم هل لم يفكر الأخوة أصحاب رايات الجهاد لماذا المنطقة منذ الأربعينات في حالة حرب؟؟!؟ بل و منذ بداية القرن أصلا ليس فقط بسبب اسرائيل ،عندك العراق و إيران ،الكويت، حرب لبنان ، الجزائر، الصومال،السودان!!... لست مع نظرية المؤامرة أبدا .. و لكن بالعقل: أطراف كثيرة تستفيد من " رجولة " العربي .. و عصبيته القومية لتجعله " أجيال و را أجيال" يمسك سلاحا .. و لا يبني وطنا أبدا .. و يعيش في ظل حكومات من العساكر لأنه دوما يخشى " لو حصلت حرب"... وواضح أن الحكومات الدينية الجديدة بنيت على نظرية الحرب و المعركة مع الصهاينة أيضا...

أما لو أخذنا تونس كمثال فهي - رغم سجلها الأسود في حقوق الانسان- قد نفضت يدها من قضايا متعلقة بالقومية أو العروبة - مرحليا - .. و تفرغت لبناء دولة و اقتصاد... و نجحت بشكل مذهل.. و الشعب سعيد .. بل الشعب يحب حكومته !!( أتكلم عن من عرفت من رجال و نساء عاديين ، و ليسوا ناشطين سياسيين) و قالت لي احداهن أنه لا حاجة للرئيس بن علي لأن يزوِّر الانتخابات ليُجَدّد له... لأن الشعب يريده... و هو أمر لا تسمعه في بلدان عربية كثيره...

البارحة ... تظاهر ألف اسرائيلي في تل أبيب من أجل (وقف الحرب) ، و هو عدد كبير بالنسبة لمظاهراتنا علما بأننا نفوقهم سكانا بعشرة أضعاف... أما مظاهرتنا ففحواها دعم المقاومة التي تساوي عندي دعم حرب طويلة، مدمرة سيخسر فيها العرب ما بنوه... و ليس لها مكاسب تذكر.. سوى الرجوع بالمنطقة لأجيال ولّت ، و في هذه المرحلة .. و هذه الظروف سيكون المكسب الأكبر لإسرائيل... التي قدتجتاح لبنان في أي لحظة بينما أكتب هذه السطور...و يصبح لديناإضافة إلى فلسطين المحتلة .لبنانن المحتلة... قضيتين بثمن واحدة.......
.
أعود و اسأل: هل الشعوب أهم ... أم القضية: أنا و أبي و أمي .. و أطفال لبنان أهم ؟ أم شرف العروبة...و صور الخوميني؟
أنا اخترت الطرف الأول و البعض من المدونين أيضا ... (حسنا ليس الكثير)!


ثانيا : طرد السفير ... الذي أعتقد أنه أكثر المطالب التي اسمعها بلادة و قلة حيلة.. و كأن طرد السفير يعني طرد اسرائيل و زوالها من الوجود... و كأن اسرائيل ستتأذى إذا فقدت ممثلها في مصر ... و ستعجز عن التصرف... إن لم يوجد سفير اسرائيلي في مصر ستظل الأوامر تأتينا من البيت الأبيض... و كلنا يعلم ذلك...
أنا رغم عدائي لكل ما هو اسرائيلي في هذا الكوكب... و لا كني لا أجد غضاضة في بقاء التمثيل الدبلوماسي... لأنه و سيلتنا الوحيدة لمعرفة العدو، لقد أغلقنا كل الأبواب، كم منا يعرف شيئا عن الحياة في اسرائيل؟ كم مصري شاهد فيلما اسرائيليا؟ أو شاهد عرضا مرسحيا؟؟؟ كيف سنواجه عدو لا نعلم عنه أي شيء ... معتمدين على نصر من الله و فتح قريب...!
ان التليفزيون الاسرائيلي يعرض أحدث الأفلام المصرية مرة في الاسبوع علي الأقل... بل و أحيانا مسلسلات، الاسرائيليون يأتون لمصر... كل اسرائيلي لديه فكرة مبدئية عن شكل و أحياء القاهرة و طبائع سكانها... نحن ماذا نعرف عن ناتانيا أو تل أبيب؟؟

السفير صلتنا الوحيدة بالآخر / العدو ... بدونه سنصبح كمن يعادي مخلوقات من الفضاء الخارجي .


٣- ( بعد 50 عاما من تأميم قناة السويس مازلنا نقف في وجه الاستعمار والصهيونية) ... ما علاقة التأميم بالصهيونية؟ أم أنه حشد قضايا و محاولة ربطها ببعض و خلاص؟

٤ - "أصحاب السعادة و الفخامة و السمو .. اتفو" ... ما هذا؟ أي أصحاب سعادة يقصد؟ لقد حارب اسرائيل كل من: صاحب الجلالة فاروق الأول ، و نقيضه جمال عبد الناصر... حاربهم مرتين.. و صاحب السعادة السادات انتصرنا في زمنه .. ووقعنا معاهدة.. و اجتياح ٨٢ بدأ و انتهى في عهد مبارك.. و معه تحربر سيناء ... فهل جميع أصحاب السعادة على اختلاف مشاربهم خذلوا واضع البانر؟ بينما أصحاب السماحة و الشياخة هم الأبطال؟؟؟ لا أظن ذلك.. و أعتقد أنه تعميم مجحف آخر .... إلا ان كان يعني المعاصرين فقط...و في هذه الحاله هل يستحقون البصق لأنهم أمنوا شعوبهم و بلادهم من الانجراف في الحرب التي لم يخطط لها سوى سماحة حسن نصر الله...؟ لا أظن ذلك...

٥- إيه موضوع المجد للمقاومة دة؟؟ هل حزب الله مقاومة؟ هل كان قد تم الاعتداء على شبر من لبنان؟ هل اسرائيل تستعمر فيها أي جزء؟ لا... إن حماس حركة مقاومة.. و غيرها الكثير الذين يعيشون تحت القصف اليومي.. بلا دعم يذكر.. و لا يحتاجون لإيران أو سوريا ليبقوا .. و لا أفعال عنترية ليثبتوا وجودهم ... بل هم مستمرون لإيمانهم بقضية..و بدعم الشعب لهم...

أما حزب الله فحدث و لا حرج:
هو الحزب الوحيد الذي لم تسر عليه اتفاقية الطائف المتعلقة بتسليم الميليشيات للسلاح
الحزب " يستعمر" جنوب لبنان .. و لا حيلة للحكومة هناك....
الحزب ليس لبنانيا صرفا .. و إنما أقيم بناء على أوامر من مدينة تسمى طهران - و هي ليست لبنانية بالمناسبة - و هو يحمل مباديء دينية شيعية لا تمثل سوى أقل من الربع..
الحزب على خلاف مع العديد من الأحزاب الوطنيه هناك و دوما ما يكون سلاح حزب الله من المواضيع الشائكة في اجتماعات الحكومة و الأحزاب...


لم أكتب ما كتبت معاداة لكل من ينادون بالتظاهر.. و نصرة الـ"مقاومة" و لكن لم استطع أن أخفي شعوري الطاغي بعبثية هذا الموقف... و أن الفصائل السياسية التي هي في أي بلد محترم تقوم بتوعية الشعب .. و إعادة بناء ما أتلفته الحكومة في عقله لسنوات .. أجد الفصائل الوطنية لدينا تنهج نهجا غاية في الغرابة.. و هو أن يقدموا لرجل الشارع ما يريد بأي ثمن.. تسولا لمشاركته.. و لمكان لهم بين الجماهير...، فتجد مثلا قضايا هامة أخرى على الساحة .. لم و لن تلتفت لها القوى الوطنية .. و هي أكثر تأثيرا في حياة المصريين... على اعتبار أن هذا موضوع ما يهمش الناس... المفتاح هو البحث عما "يهيج " الناس .. و المشاركة فيه.. فإذا ثار الشعب على روبي و قرر منعها من الغناء .. أعتقد أن حركات عدة ستتبنى القضية.. و ملعون أبو تذاكر المترو و الأغنياء أصحاب السيارات
...


للأسف هذه هي المرة الأولى التي لن أتبنى فيها أي من بنرات علاء....
و سأضع بدلا منه أي من الآتين:





http://img82.imageshack.us/img82/4009/airplanescj4.jpg











http://img82.imageshack.us/img82/700/victorgd6.jpg


http://img214.imageshack.us/img214/8979/finallh9.jpg


و قبل أن آتهم بالانهزامية أو العمالة .. أوضح أنني لم و لن أكون من القابلين لفكرة الوجود الصهيوني في المنطقة - نظريا - وأنني أحترم أي مقاومة للاستعمار أو الامبريالية .. أو أي من القوى التي تفرض إرادتها و أفكارها علي الشعوب... و لكن المقاومة لها أسس و أصول.. و لها حساباتها.. و لديها حس أدنى من تقدير الخسائر و المكاسب... و لا تقامر بأرواح لا أفرادها.. و لا المواطنين الآمنين الذين بذلوا سنوات من عمرهم الماضي في حرب ضروس ما لبثوا أن كانوا قد استراحوا... و لكن المقاومة استكثرت ذلك عليهم
...
بس.. سلمت سلاحى...
المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO