30‏/08‏/2006

عَشْر في ذِكْرى محفوظ

قرأت مرة أخرى .. و بتأمل
:

دعاء

دعوت للثورة وأنا دون السابعة .

ذهبت ذات صباح إلى مدرستي الأولية محروسا بالخادمة. سرت كمن يساق إلى سجن. بيدي كراسة وفي عيني كآبة. وفي قلبي حنين للفوضى, والهواء البارد يلسع ساقي شبه العاريتين تحت بنطلوني القصير. وجدنا المدرسة مغلقة, والفراش يقول بصوت جهير :

بسبب المظاهرات لا دراسة اليوم أيضا.

غمرتني موجة من الفرح طارت بي إلى شاطئ السعادة ، ومن صميم قلبي دعوت الله أن تدوم الثورة إلى الأبد.




قبيل الفجر

تتربعان فوق كنبة واحدة . تتسامران في مودة وصفاء , الأرملة في السبعين وحماتها في الخامسة والثمانين . نسيتا عهدا طويلا شحن بالغيرة والحقد والكراهية , والراحل استطاع أن يحكم بين الناس بالعدل, ولكنه عجز عن إقامة العدل بين أمه وزوجه ولا استطاع أن يتنحى , وذهب الرجل فاشتركت المرأتان لأول مرة في شيء واحد وهو الحزن العميق عليه. وهدهدت الشيخوخة من الجموح, وفتحت النوافذ لنسمات الحكمة. الحماة الآن تدعو للأرملة وذريتها من أعماق قلبها بالصحة وطول العمر, والأرملة تسأل الله أن يطيل عمر الأخرى حتى لا تتركها للوحدة والوحشة .

الطرب

اعترض طريقي باسما وهو يمد يده . تصافحنا وأنا أسأل نفسي عمن يكون ذلك العجوز. وانتحى بي جانبا فوق طوار الطريق وقال :
- نسيتني؟!
فقلت في استحياء:
- معذرة , إنها ذاكرة عجوز!
كنا جيران على عهد الدراسة الإبتدائية وكنت في أوقات الفراغ أغني لكم بصوت جميل, وكنت أنت تحب التواشيح..
ولما يئس مني تماما، مد يده مرة أخرى قائلا :
-لا يصح أن أعطلك أكثر من ذلك.
قلت لنفسي : يا له من نسيان كالعدم, بل هو العدم نفسه, ولكني كنت وما زلت أحب سماع التواشيح.




الصور المتحركة

هذه الصورة القديمة جامعة لأفراد أسرتي..
وهذه جامعة لأصدقاء العهد القديم.
نظرت إليهما طويلا حتى غرقت في الذكريات.
جميع الوجوه مشرقة ومطمئنة وتنطق بالحياة.
ولا إشارة ولو خفيفة إلى ما يخبئه الغيب,
وها هم قد رحلوا جميعا فلم يبق منهم أحد,
فمن يستطيع أن يثبت أن السعادة كانت واقعا حيا, لا حلما ولا وهم



الأشباح

عقب الفراغ من صلاة الفجر, رحت أجول في الشوارع الخالية, جميل المشي في الهدوء والنقاء بصحبة نسائم الخريف, ولما بلغت مشارف الصحراء جلست فوق الصخرة المعروفة بأم الغلام.

وسرح بصري في متاهة الصحراء المسربلة بالظلمة الرقيقة, وسرعان ما خيل إلى أن أشباحا تتحرك نحو المدينة. قلت : لعلهم من رجال الأمن . ولكن مر أمامي أولهم فتبينت فيه هيكلا عظميا يتطاير شرر من محجريه.

واجتاحني الرعب فوق الصخرة , وتسلسلت الأشباح واحدا في إثر آخر تساءلت وأنا أرتجف عما يخبئه النهار لمدينتي النائمة..



فرصة العمر

صادفتها تجلس تحت الشمسية, وتراقب حفيدها وهو يبني من الرمال قصورا على شاطئ البحر الأبيض.
سلمنا بحرارة , جلست إلى جانبها عجوزين هادئين تحت مظلة الشيب.
وضحكت فجأة وقالت:
لا معنى للحياة في مثل عمرنا, فدعني أقص عليك قصة قديمة .
وقصت قصتها وأنا أتابعها بذهول حتى انتهت.
وعند ذلك قلت :
فرصة العمر أفلتت ، يا للخسارة.



الرحمة

البيت قديم وكذلك الزوجان ..
هو في الستين وهي في السبعين.
جمعهما الحب منذ ثلاثين عاما خلت, لم هجرهما مع بقية الآمال.
لولا ضيق ذات اليد لفر العصفور من القفص.
يعاني دائما من شدة نهمه للحياة, وتعاني هي من شدة الخوف ويسلي أحلام يقظته بشراء أوراق اليانصيب لعل وعسى.
كلما اشترى ورقة غمغم " رحمتك يا رب".
فيخفق قلب المرأة رعبا وتغمغم " رحمتك يا رب".


المليم

وجدت نفسي طفلا حائرا في الطريق. في يدي مليم, ولكن نسيت تماما ما كلفتني أمي بشرائه, حاولت ان أتذكر ففشلت, ولكن كان من المؤكد أن ما خرجت لشرائه لا يساوي أكثر من مليم


سؤال بعد ثلاثين عاما

بعد انقطاع عشرين عاما عن حي الشباب دعتني مناسبة إلى عبوره , لولا ما جاش في صدري من عواطف نائمة ما عرفته في عمائره الجديدة وزحامه الصاخب, وثبت عيناي على بيت قديم بقي على حالة فشعرت بابتسامة ترف على الروح والجسد. إنها اليوم وحيدة في الثمانين, وآخر لقاء جمع بيننا بالمصادفة منذ ثلاثين عاما حين أخبرتني بهجرة وحيدها إلى الخارج بصفة نهائية , ومضيت ومظللتي وقصدت الباب بعد تردد وضغطت على الجرس فتحت شراعة الباب عن وجهة امرأة غريبة فداريت ارتباكي بسؤال : إلا تقيم ست سامية هنا؟
فأجابت بسرعة:
- نحن نقيم هنا من ثلاثة سنوات !
تحولت عن موقفي في حيرة , وذهبت إلى مشواري وأنا أتسأل ترى أين هي؟ هل تقيم في حي آخر؟ هل لحقت بابنها في الخارج, هل رحلت عن دنيانا دون أن نعلم رغم القربى ؟ وهل يصلح ذلك نهاية لذلك التاريخ المؤجج بالعواطف والأحلام!
وجمعنى في نفس العام مأتم مع الباقين من الأسرة فسألت أحدهم :
- ماذا تعرف عن ست سامية ؟
فرفع حاجبيه بدهشة وقال :
- أعتقد أنها ما زالت تقيم في البيت القديم ! ـ



عيد الميلاد

ما أكثر ما يسير بلا هدف. وإذا التعب نال منه توقف, لكن لم يكف عن مناجاة الأشياء الثابتة والمتحركة ، في نهاية هذا العام يبلغ الثلاثين من عمره


عجباً .. فقد رحل الرجل
العزاء غدا في مسجد آل رشدان بمدينة نصر ، خلف الاستاد
و من قبله سيتحرك الجثمان من سيدنا الحسين ، بناء على وصية محفوظ
ـــــــــــــــــــــــ
المقتطفات السابقة من مجموعته " أصداء السيرة الذاتية" متاحة كاملة هنا (١) ـ
النص الكامل لرواية نجيب الممنوعة "أولاد حارتنا" متاحة هنا (٢) ـ

هناك 8 تعليقات:

  1. احمد

    انا اترددت كتير اوى قبل ما اكتب تعليق مش عارف ازاى ممكن اكتب عن نجيب محفوظ لكنى فى الاخر حسيت ان فيه جملة واحده كنت كاتبها عهلى صورة سعاد حسنى اللى فى اوضتى و بهديها لروح محفوظ

    ليس وداعا فالاساطير لا تموت

    ردحذف
  2. عزيزي أحمد

    رحيل نجيب كان حدثا منتظرا لكنه غير قابل للتصديق حيث أضحي الرجل وأمسي مبدعا بشكل خاص وأديب حار فيه كل من قرأه .
    وقد حاول غوغاء السياسة إختطافه وضمه إلي صفوفهم .. فأعتبره اليسار يساري، والوفد وفدي، والناصريون ناصري وهكذا.
    وهو ما إستشرف صدفة أم عمدا حقبة يوليو ومن هجا الضباط عندما يأتون من الطبقات الدنيا علانية في روايته بداية ونهاية المنشورة عام 1949.
    الفتوات وتجسيد مفهوم القدرة حق. وموت الإله في أولاد حارتنا تجعل محفوظ علماني ليبرالي في أخلص صوره .. وهو الذي يكتب دون أية إعتبارات، وأحد الاقلام القليلة التي نقدت وبعنف عصابة يوليو والصول ناصر.

    رحم الله نجيب

    ردحذف
  3. أحلام محفوظ

    أحلام محفوظ تكتب اللاوعي بلغة نصية
    لا واعية ، فاللاوعي يتطور وفق شكله الوجودي فى النص والواقع على حد سواء . إنه يبدل أساسيات السرد مثل(المنظور) و ( الرؤية ) و ( الخطاب ) لينتج حكمة جديدة دون وعظ أو إحساس زائف بمركزية الذات . الراوي عنده – إذن – يقدم تجربته كظاهرة تحور تلقينا الحضاري للنص ، فأطياف الموتى وملوك مصر القديمة لها أثر مدرك فى الواقع دون أن تنفصل عن تجربة الحلم .

    وبهذا الصدد يرى ( كارل يونج ) أن اللاوعي الجماعي يسعى لاستبدال العلاقات الواعية نفسها ، فأرواح موتي البدائيين تمثل تجليات للمركبات اللاواعية ، وتماثل في تكوينها استمرار صورة ( الأهل ) عقب موتهم فى ( لاوعي ) الطفل فى مجتمعنا المدني ، ويؤكد ( يونج ) أن ما يحرك ( اللاوعي ) ذهنية غريزية لاواعية تقترب من الصور الفنية ( – يونغ / جدلية الأنا واللاوعي –

    ،ولكن نصوص محفوظ تحور هذه الطاقة الغريزية ، وترتفع بها إلى مستوي الحكمة ، وهى هنا ممزوجة بالفن ، أعني فنية الوجود واللاوعي في تكوين واحد يناظر توجهات ما بعد الحداثة ، فالحلم فيها يتخلي عن مرجعياته فى اتجاه إنتاجي عند لاكان أو يصبح الواقع حلميا عند جان بودريلار)

    ردحذف
  4. عزيزي الطبيب
    للأسف ، لم أقرأ" كارل يونج" و لا" جان بودريلار" ، و لكن الحق أقول، أنني لم تستهويني الأحلام أدبيا بقدر ما استغرقتني عاطفيا إلى مدى أكبر ، و لا أعلم ما هو السر ، او الحل الأسهل أنه تعاطفي مع رجل أقدره ، و يحتضر.

    و لقد فكرت في وسيلة أردُّ بها المعروف لمحفوظ ، فكلماته هي أول ما قرأت من خارج صندوق الكتب العائلية المفروضة علي أبناء الأسرة ، و كان أول من جعلني أفهم معان عديدة ، انبهرت بها في وقتها ، ورموزه البسيطة التي كنت أتفنن و أنا بعد صغير في حل شفرتها ، قبل أن أدرك عبثية ذلك بعد عام واحد ، كل هذا جعلني أقر دوره كأب ثان لي ، و وجدت أقل ما يمكنني فعله هو نشر كلماته بين المحيطين ، فكما كتبت عند
    so7ab
    فالناس في مقر عملي يقرءون كتب عذاب القبر ، و الدعاء المستجاب ، و هي كتب تسهم في غلق عقولهم أكثر من أي شيء آخر ، ووجدت أنني بوضعي مجموعة من كتب محفوظ في مواقع استقبال العملاء و أماكن تواجد الموظفين ، (قد) يتصفحونها يوما ما ، و قد يتغيرون و يتعلمون آراء و أفكار أخرى ، و هذا أضعف الإيمان.

    أشكرك على التعليق يا طبيبنا الموسوعي ،
    و دمت ذخرا لنا
    :)

    ردحذف
  5. أحمد

    أحلام محفوظ جزء من تحليل كتبه محمد عبدالسلام عيد، ورأيت أنه من المناسب وضعه مع النص.

    سؤال: ياتري ماذا كان يحوي "صندوق الكتب العائلية المفروضة علي أبناء الأسرة " ؟

    ردحذف
  6. الطبيب العزيز

    المقتطعات الموجودة من "أصداء السيرة الذاتية" و ليست من الأحلام التي تنحى منحى مغايرا بعض الشيء،

    كتب الأسرة : قطعا كانت قصص الأنبياء ( بكل الأشكال و الألوان) المصورة و غير المصورة ، الكاملة و المجزئة ، القديمة و المحدثة ، و كل ما يمكن تصوره، و أذكر بضع كتب من رحلات أنيس منصور ، كتبا لأحمد بهجت ، و مصطفى محمود،و لكن كان لدينا دوما الأعمال الكاملة لبيرم التونسي ، و كنت أقرأها من سن السابعة ، و كانت أول ما قرأت بالعامية ، و لم أكن أعلم أن العامية التي نتحدثها في المنزل يمكن تدوينها في الكتب !!و أذكر قصص تشيكوف في مرحلة أكبر قليلا ، فقد كان أبي يحبه دونا عن أي كاتب آخر ، لذا أتممت ترجمات تشيكوف و أنا في العاشرة ،و لكن من قبلها كنت استعرت من صديق بضع روايات من نجيب نفضت بها عذريتي

    :)

    سأكتب مذكراتي
    !!

    ردحذف
  7. الصديق العزيز أحمد

    لم أقرأ "أصداء السيرة الذاتية"، وقرأت الأحلام، ويبدو أن الامر اختلط علي .. فشكرا للتصحيح.

    سؤالي لم يكن من باب الفضول .. بل أردت مقارنته بما حوته مكتبة العائلة لدي، وكان التشابه شديدا، فقد كانت مجموعة من كتب متفرقة لأنيس منصور ومصطفى محمود،و بهجت والسعدني، ومجموعة كبيرة من كتب الشيخ شلتوت والباقوري والتفسير ... ألخ.
    لذلك كان علي العثور علي تشيكوف وروائع الادب العالمي بمفردي، ولم يكن بالمكتبة سوي رواية بول وفرجيني بالفرنسية....
    أذكر أن أول كتاب أحضرته للبيت وأحدث أزمة هو كتاب أسس الاقتصاد السياسي لبي نيكتين لمجرد أن الغلاف يحمل شعار المكتبة الاشتراكية وكنت في الرابعة عشر ...بعد هذا حدثت أزمات وأزمات وكتب وأزمات.
    رحم الله محمود سالم والمغامرين الخمسة وتختخ وميكي جيب واسترايكس وتان تان وسمير .. بدايات القراءة منذ الخامسة.

    أيام....
    فاكر

    ردحذف
  8. نتفق معه .. نختلف معه .. لكن ليس أمامنا سوى أن نطلب له الفاتحة..

    رحم الله نجيب محفوظ..

    ردحذف

المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO