29‏/08‏/2006

خواطر الماشي


كان الوقت ليلا... و الصخب مستمر ، و لا فكاك من زحام المارة .
و كان الماشي وحيدا ، يتأمل من حوله ، و لا يتحدث
تذكر الماشي أنه لم يخاطب أحدا منذ عصر اليوم ، دندن نغمتين ليحرك صوته
نظر حوله ، و شاهد بلادا جديدة ، و أناس جدد ، ربما لم يعتدهم من قبل، كان ميدانا فسيحا ، و الباعة يفترشون الأرض ، و يصرخون بألوان و موديلات ، و القرآن يدوي مستمرا من المئذنة الشامخة.
نظر الماشي إلى بائع الكتب الذي كان يجلس أمام باب المسجد ، ذلك الذي كثيرا ما باعه كتبا جميلة ، تذكر نسخة من " اللص و الكلاب" بربع جنيه ، و تذكر محفوظ الراقد في الفراش.
كان الماشي يعلم جيدا أن أول رواية قرأها كانت لمحفوظ ، بعدما تجاوز مرحلة القصص المصورة ، و قصص الأنبياء في الخليج..
نظر لما حوته فرشة البائع .. فكانت أفلام الصيف على أقراص مدمجة ، و مصارعة حرة ، و أحاديث عمرو خالد .
كان الباعة يصدحون بنداءات لم يفهمها ، و مئذنة الجامع تردد دعوات ما...
و كان الرب متربعا بالأعلى.. كان يعلم أن المدينة تغرق ، و لا حراك. فقال الرب: ليكن سلام على الأرض، و لتكن البركة في الميدان . و أصبح الميدان مباركا...
ولوقت طويل ، كان الماشي غريبا في المكان .. لم يفهم ما يرى ، و لم يدرك ما سمع،
قال الماشي في نفسه : " إنني بعد شابا ، لست بكهل أو عجوز ، فمن أين لي بكل هذا الحنين إلى أيام ولّت؟"
" كيف تسنى أن خَبِرتُ كل هذا التغير في ذلك الزمن الوجيز؟" ...
كان الماشي يعلم أنه على حافة الهاوية ، أن الارتطام قادم لا محالة.. لم يجزع.. فقط أخذ تنهيدة ما...
و أطرق..

قال: لتكن الموسيقى، سلوى للروح ،و عذوبة للذات السقيمة.
وضع سماعاته في أذنه. و فكّر أنه ينبغي أن يعود للفراش
و بالصدفة سمع

"In restless dreams I walked alone
Narrow streets of cobblestone
'Neath the halo of a street lamp
I turn my collar to the cold and damp
When my eyes were stabbed by the flash of a neon light
That split the night "

" ان هذا الميدان يتغير بسرعة .. أسرع حتى من أن أدركه" قال في نفسه
و كان حزينا لأنه دوما ما اعتقد بقدرته على هضم الأشياء بسرعة.
و كان هناك بائع جرائد ما ، فقرأ على صفحة الأهرام الأولى كلمتين..
نجيب
محفوظ
بخط مبعثر ، و صورة تملأ صفحة أولى...
استجمع الماشي شجاعته
و سأل البائع: " هو نجيب محفوظ مات؟"
هز البائع رأسه بلا دراية
سأله الماشى عن هذه الصحيفة و ما تعنيه
أجاب البائع أنها "إعلانات مجانية"
.....
و اعطى للماشي هذا الملحق ليمضي في حال سبيله
"إعلانات مجانية" قال الماشي في نفسه.
نظر للملحق ، قرأ : للقيمة .. للقاريء
لم يفهم شيئا..
طوَىَ الصحيفة في حقيبته ، و اجتاز الميدان حتى وقف أمام ساتر من النور..
إضاءات ضخمة .. قرأ فيما بينها " قصب خير مزارعنا"
كان الماشي يمني نفسه بأي قدر من البهجة، دخل المحل ، دفع للملتحي ، ذلك الذي صاح بصوت هادر " واحد قصب للـ(أخ)"
سأل الماشي نفسه عن الماركات النحاسية القديمة ، تلك التي كنا نعطيها للساقي بدلا من أن ندفع له مباشرة..
كان الماشي يعلم أنه لم يعد من ماركات نحاسية ، فقد رآها تصبح رقائق ألومنيوم ثم دوائر بلاستيكية ، ثم أصبح النداء...
و كان القرآن عاليا هنا أيضا.
كان الماشي ذو حظ كبير في حفظ القرآن منذ أزمنة الخليج الغابرة، كان يعلم كل ما يقرأه المقرىء السعودي في هذا الجهاز التالف ، فقال أنه لا بأس من أن يعيد السماعات إلى أذنه.
فليس من جديد على أية حال..

سمع غناء ما ، و شاهد أناس ملتحين ، و نساء مكفنات ، و أجال بصره في الميدان باحثا عن شيء ما سعيد..
فلم يجد
و كان القصب قاتم اللون
حمضي المذاق
"
And I don't know a soul who's not been battered,
I don't have a friend who feels at ease
I don't know a dream that's not been shattered or driven to its knees
But it's all right, it's all right
For we lived so well so long
Still, when I think of the road we're traveling on
I wonder what's gone wrong
I can't help it, I wonder what's gone wrong
"

و بينما هو على حاله هذا ، شعر بهزة في الأرض ، و زئير محركات ، و صياح ناس، رفع رأسه لأعلى ، شاهد تمثالا ضخما يحلق.. و تتساقط منه أتربة لم ترى النور منذ الخمسينات ، و لم تر من قبل سوى أناس سعداء...
رفع الماشي كأسه الحمضي محييا التمثال...
و كان الجنود يصطفون علي الجوانب و زحام الناس يتابعون الحدث..

تذكر شادي عبد السلام ، و تذكر النساء و هم يبكون فجرا أثناء نقل التوابيت..

" أعطني اسمي في البيت الكبير..
و أعد إلى الذاكرة اسمي..
يوم أن تحصى السنين ..."


و رأى التمثال يبحر في غياهب المدينة ، و يختفي وسط الجموع ، و علم أنه من هذا اليوم ، فلن تبقى تلك البقعة كما عهدها، تذكر حينما كان طفلا ، و كان يجلس في المقعد الخلفي للسيارة ، و كيف كان يمد عنقه من الشباك محاولا رؤية أكبر قدر من التمثال ، و كان الماشي لم يشاهد من قبل نصبا بهذا الحجم في بلاد الخليج ، و لام على أباه كثيرا أنه كان يمرق مسرعا فلا يستطيع الرؤية...
تعجب الماشي كيف كان الميدان في وقت ما يمكن تجاوزه بهذة السرعة .
و تذكر أنه أصيب بهوس فرعوني في طفولته ، و دار على مكتبات الزيتون محاولا شراء كتب عن الفراعنة على قدر ما أوتي من ضئيل المال ، و تذكر كتابا عن حياة رمسيس الثاني ، بصور ذات طباعة رديئة لدرجة أنه لم يتبين أغلبها.. و لا زال يذكر البائعة ذات الصدر المكتنز ، و صليبها الذهبي الصغير.
و عزَّى نفسه: " ليس من أحد ينظر للتمثال بينما يعبر الميدان على أية حال"
" ربما كان هذا أفضل" ... قال.
ظل الماشي يسير في المدينة المزدحمة طويلا، كان الليل قد انتصف منذ مدة ، و لا زال الزحام .
ركب الماشي إلى هليوبوليس ، و هناك رأَى بوابة المريلاند ، أو لم يَرَها ، فقد أزيلت من عالمنا هذا في نفس اليوم.
كانت بوابة بيضاء فريدة الطراز . كان قد اجتازها مرات طفلا ، و طالبا ، و مُحِبا، قال في نفسه " منتزه مصر الجديدة" كان يذكر نفسه بما كُتِب يوما على هذه البوابة.
شعر الماشي بمؤامرة ما ، تذكر الكهل الذي كان يصيح في العمل قائلا أن اليهود وراء نقل التمثال ، وأنهم يكرهون رمسيس ، وأن حكوماتنا عميلة.
قال الماشي في ذاته أن جميعنا عملاء... الكل يشارك في هدم حياة عشناها يوما ، و ليس من أثر لها الآن.
و الكل ينظر للـ" يهود" ، و ينتظر ...
تذكر السكندري العجوز:

" إن الليل قد أقبل ، و لم يظهر أحد من البرابرة
ووصل البعض من الحدود ، و قالوا أنه ما عاد للبرابرة وجود
ماذا سنفعل الآن بلا برابرة؟
لقد كان هؤلاء الناس حلا من الحلول
."

و قبل أن يأوى الماشي لفراشه ، نظر إلى رف الكتب ، نظر إلى الأفلام ، نظر لموسيقاه ، و لورق كان قد اختط فيه شيئا سخيفا آخر ...
سأل نفسه عن الجدوى
سأل نفسه عن حل..
و أغلق هاتفه..
و نزع ثيابه..
و بينما هو في الفراش .. تذكر وجوه أناس عرفهم يوما و ماتوا ، و كان لا يذكرهم سوى مبتسمين..
أغلق عينيه بصعوبة...
و تذكر الله..
و سأله الرحمة...
....
و ظلت عينيه مغلقة حتى أشرق صباح جديد على مدينته.
معلنا وجوب بدء يوم جديد..
يوم جديد للجميع...
....
"لتكن المشيئة" ، قال في نفسه ..
....
و نهض مرة أخرى

..

هناك 4 تعليقات:

  1. عزيزى أحمد
    معذرة لسؤالى الذى وجهته لك فى مدونتى فأنا لم أكن قراءت هذه التدوينة بعد.
    التدوينة جميلة ولكنها أشعرتنى بالحزن على نجيب وعلى رمسيس وعلى شادى ....عامل المكان يجعل من المستحيل أن أجلس معك الآن وأقول لك معلهش يأحمد ,فالماشى أفضل كثيراً من هذا الزمان.....معلهش ياأحمد

    ردحذف
  2. الجميل احمد

    اولا انت عندك حس تسجيلى مرعب وان بحبه جدا . حس تسجيلى ذاتى كده انا مش قادر اتكلم معاك فى الحالة من كتر المود العجيب اللى انا فيه بس اكيد هعلق بعد شوية المهم انه انا طول الوقت بمشى وانا حاطط ام بسرى بلاير فى ودنى وطول الوقت وشوش الناس وتصرفاتهم ع المزيكا بتخدنى فى عالم تانى وانت قدرت تدخلنى فيه بالتدوينة دى

    احمد طلع فجر يوم جديد خلينا نخلق معاه حالة جديدة

    ردحذف
  3. عزيزي أحمد

    شجوية الماشي .. والعائش في الحقيقة


    يتحسس الماشي بناية ويقول قوال: سأكبر في حدود النهر، وسوف أصير مثل يمامة فرحانة بجناحها تتعلم الطيران فوق الماء، تعبره بكل سنينها العطشي .. وتلقاه.
    هكذا يسمع الماشي نداءالكبير وهو يدعو الحرافيش كي يشاركوه وجع أيامه المواضي، ويشير إلي حيطان من ناموا، وبيبان مفتحة، وقصر الشوك يشكو من هجروه، والعسس الكثير والاحبة والله.

    مازال الخوف المحاصر .. محاصر، والصمت سيد الأدلة، والانتظار مدرج في قوائم الوقت كعادة حسنة بحكم قانون الآلهة .. والرعايا كجراد هش في هواء ثقيل، لايقوي علي شىء وإن بورك الميدان .. أما الأحرار فلهم في الافق جنة بإتساع النيل.

    وقد تنبه للفخ والأحبولة السكندري العجوز منذ زمن بعيد حين قال: مادامت لدي أشياء كثيرة أقوم بها في الخارج ، فلم لم أحاذر حين أخذوا يبنون حولي الجدران.

    :في صباح اليوم الجديد تذكر
    أنك أعطيت بحرا لجسد
    وكواكب للرعاة
    ونهارات فسيحة
    يمرح الأطفال فيها
    وشجر

    فلتمضي الهموم المراكب في حدقة العين صاخبة ساكنة .. ولتجعل أحزانك رقراقة بالشدو .. ولتقاتل حتي الصباح.. فالطريق المؤدي إلي لحظة عابرة مثل ريح المودة .. قابل للسؤال.
    فالمستقبل باب يطل علي الصغار وهم يهزون السماء، وشرفة أعلي من الطرقات نري منها النهار ، وسقف لا يصد الماء .. وحوائط.

    ---------------

    لقد قرأت نصك، ولابد أن أعترف أنه أجمل نصوصك حتي الآن . . وكأنك جمعت فيه أصدقاء قدامي أحبهم ، روح أمل، وصوت محفوظ، وصورة شادي ، والموسيقي، وبائع الكتب ، والحقائق القديمة التي لاتزال تثير الدهشة، وقبس من روحك.


    مودتي

    ردحذف
  4. الحق لقد كتبت ذلك منذ أسبوعين ، من قبل نقل التمثال، و ظللت أتردد في وضعه كثيرا.
    و حتى بعد أن وضعته ، أعتقدت أنه غريب على المدوتة ، و ربما اعتراني بعض الندم
    لا أعرف

    و لكن و جودكم شكل فرقا كبيرا ،
    و أصبحت للكلمات معنىً آخر

    :)


    شكرا

    ردحذف

المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO