‏إظهار الرسائل ذات التسميات فنون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فنون. إظهار كافة الرسائل

٠٥‏/٠٩‏/٢٠٠٩

و عَبَــــر...

بينما كنت اقود سيارتي متجاوزا شارع القصر العيني ، و تماما عند تقاطع الطرق الخاص بمستشفى القصر العيني. شاهدت شابا يعاني لكي يقطع الطريق.
تأملته فكان شابا رث الثياب، بقميص مفتوح يتدلى منه شيئ ما، بينما اقود ببطء كانت زاوية السيارة قد بدأت في الكشف عن أن الشاب الذي يعبر الطريق قد وُضعت ضمادة تلف جذعه بالكامل من تحت قميصه ، و منها خرجت أنبوبة تتدلى متصلة بكيس من المحلول الطبي الذي يحمله في يده.
كان يحاول بألم شديد عبور الشارع ليصل لمستشفاه، لم أتبين حقيقة الوضع إلا بعد تجاوزه بسيارتي بقدم أو أكثر ، توقفت و حاولت النزول، و هنا حدث دوي و صراخ من سيارات الشارع من خلفي، هدير مرعب أعادني لغلق الباب، تحركت ببطء و قلت ربما اكبح السيارة على مبعدة أمتار قليلة و أعود للشاب، لعلي مساعد في شيء.
فعلا ، و عند أول رصيف بعد التقاطع توقفت و نزلت عائدا نحو الشاب الذي كان و قد أصبح في عرض الطريق يجاهد للعبور بتؤدة.
و بينما أسير تضاربت في عقلي الأفكار: ماذا يمكن أن أقدم له؟ هل اوصله ، حتى في هذا الزحام لن يكون عمليا ، فهو لن يسير لسيارتي، و لن استطيع ان أسأله ان ينتظرني لآتي اليه في محله الآن، هل أعرف مشكلته ثم أحدث أي من معارفي الأطباء؟ هل أمنحه نقودا؟ وضعت يدي في جيبي فكان معي فقط عشرون جنيها.
بينما اتجاوز السيارات نحوه وجدت في وجهي ضابط شرطة ، كان لواءا .. نظر لي بعنف رهيب و قال: ارجع عربيتك واتحرك يا استاذ!
لم أقل حرفا، التفتت و عدت لسيارتي سريعا و الضابط يلاحقني بنظراته، و بينما أدخل السيارة كان سائق سيارة من جواري ينظر لي غضبا قائلا: دي وقفة؟ اللي خبطهالك على فكرة ما كانش غلطان....خللي عند أهلك دم.
لم أرد، ركبت السيارة. اغلقت الشبابيك. و تحركت لبيتي.
دخلت البيت و أنا أفكر كم هي قاهرة مدينتنا هذه، كل على حافة الغليان، لا مكان لالتقاط الأنفاس. حالة استنفار عامة و ترقب لكارثة ما يجعلنا لا نطيق أقل المتغيرات.
تذكرت الفيلم "يدٌ الهية" ، تذكرت مشهد النهاية، البطل و أمه جالسان أمام الموقد، و القدر علي النار يغلي.
و يستمر في الغاليان..
هنا رن جرس
الباب في بيتي ، كان طفلا صغيرا يعمل لدى المكوجي ، أعطاني الملابس و قال: ١٦ جنيه يا بيه.
وضعت يدي في جيبي، لم أجد سوى العشرين جنيها، أعطيتها له قائلا : خلي الباقي عشانك.




مشهد النهاية من فيلم "يدٌ إلهية"




٢٧‏/٠٧‏/٢٠٠٩

وطن

"من فضلك، استمع إلي..
فأنت مثلي، كائن بشري.
إنسان عاقل..."

بهذه الكلمات الدعوية و المباشرة بدأ الفيلم الوثائقي الفذ "وطن" ، ذلك الفيلم الذي أُطلق في عيد الأرض في الخامس من الشهر الماضي ، بضعة أيام من عرضه و كان الفيلم قد انتشر كالنار في الهشيم على مواقع التحميل في الشبكة ، قمت بتحميله حينها لكن لم تتسن لي رؤيته إلاّ مؤخرا للأسف.
الفيلم الملحمي عبارة عن ساعتين تسجيليتين صنعت فيهما أعظم اللقطات التي رأيتها لهذا الكوكب على الإطلاق ، يؤرخ بشكل سودوي و كئيب لنهاية هذا العالم ، و كيف خرب هذا الكوكب الرائع بيد الانسان.
أزعجتني في البدء لغة التعليق التعليمية و الموجهة، و لكنني بعد قليل مستمتعا بسحر الرؤية كنت على يقين بأن العالم لم يعد لديه الكثير من الوقت ، و أن عليه أن يسمع. عليه أن يعلم أنه لم يعد هناك وقت للتفاؤل، فالأمر جد مؤسف.




لم أجد بأسا من تكرار معلومات بشكلها البحت من نوعية أن:
  • خُمس سكان الكوكب ليس لديهم وسيلة للحصول علي مصدر ماء صالح للشرب
  • ٥٠٠٠ شخص يموتون يوميا لاسباب مرتبطة بمياه الشرب.
  • و اكثر من بليون شخص يعانون الجوع.
  • و أن ٢٠٪ من سكان العالم يستهلكون ٨٠٪ من موارده
  • في حين ينفق العالم في التسلح ١٢ مرة ضعف حجم المساعدات للبلدان النامية.
  • ٥٠ ٪ من تجارة الاغذية موجهة للانتاج الحيواني ، و في الامازون اكبر غابات الارض ، تم تحويل خمسها إلي مزارع للاعلاف ، ليتم تصديره لأوروبا و اسيا لتسمين ماشيتهم ، إذن تم تحويل الغابة للحم.
  • خلال الاربعين عاما الأخيرة فقد القطب الشمالي ٤٠٪ من جليده الذي ذاب رافعا مستوي البحر ، ٧٠٪ من سكان الكوكب يعيشون على شواطئه.
  • ثلاثة أربعاع مساحات الصيد السمكي في العالم قد استهلكت ، علما بأن فرد من كل خمسة يعتمد الاسماك غذاءا يوميا.
  • كل عام ١٣ مليون هتار من الغابات تختفي ، و أضيف أنه للحصول على سندويتش تشيزبرجر فقد استُخدم ما يعادل ربع متر من الغابات لانتاج ما فيه من لحم فقط ناهيك عن وقود الانتقالات و الاستهلاك الحراري.
  • هناك ثديي من كل اربعة، طائر من كل ثمانية ، زاحف من كل ثلاثة عرضة للإنقراض ، معدل تسارع وفيات بقية كائنات الكوكب تتسارع إلى الف مرة ضعف معدله الطبيعي.
  • متوسط درجة الحرارة خلال العقد الأخير هو الأعلي في تاريخ الأرض. متوقع نزوح ٢٠٠ مليون بسبب التغيرات المناخية خلال السنوات القادمة.
  • المؤسسات و الشركات الضخمة استبدلت العمال بالآلات التي استهلكت وقودا أدي لرفع حرارة الارض/تلويثها/فقدان العمال قوت يومهم/ قيام الحروب/ نضوب المعادن.
  • دبي تستهلك مياها و طاقة توازي ما تستهلكة بلدان بأكملها، لاقامة جزر اصطناعية و ملاعب جولف مزودة ببحيرات للمياه العذبة، دبي وحدها تفني ما تبقى من اتزان بيئي في المنطقة المحيطة.

الحقيقة ، الفيلم لم يضف إلي الكثير ، و لكنه ترك في شعورا مريرا رغم جماله الفاتن ، فالفيلم بلا أي لقاءات او حوارات ، بلا بشري واحد يشرح موقفا ، هي صور جوية متتابعة صنعت باتقان معجز، ليست لأنهار و جبال و غابات فقط ، و إنما لمدن و مجتمعات و قطاعات متعددة ، صور جوا في ٥٠ دولة مختلفة ، صور فوقية تكشف الكثير مما يخفى علي عين الماشي علي الأرض.



لم أكن لأكتب عن الفيلم بعد مشاهدتي الأولى ، و لكن الذي دفعني هو ما قرأته عنه بعد ذلك.
فالفيلم مبدئيا - و إن كان يباع في أمازون بسبعة عشرة دولارا - إلا أن الفيلم منتج تحت رخصة كرييتڤ كومنز، فهو متاح للجميع بشكل مجاني للتحميل و النشر بدون قرش واحد رغم تكلفتة الباذخة.
قال أحد منتجي الفيلم و هو المخرج الفرنسي الشهير لوك بيسون في يوم المؤتمر الصحفي :
"أتانا المخرج بطلب غريب جدا، أنه يريد ان يكون الفيلم مجانيا، متاحا للجميع ، يطلق في كل البلدان في نفس اليوم في السينما و الانترنت و الديفيدي في آن واحد "
و يقول المخرج: " ليس للفيلم أي حقوق ، ففي الخامس من يونيو - يوم البيئة - يصبح الفيلم متاحا للجميع للتحميل من علي الشبكة ، سيتاح مجانا للموزعين سواء في السينمات او التليفزيونات في كل ارجاء الارض من هذا التاريخ ، لا يوجد "بزنس" في هذا الفيلم ، هو متاح للمدارس و المدن و الجمهيات الاهلية و التعليمية ، و لك أيضا".
المبهر هو كيف استطاعوا تحقيق ذلك؟ كنت دوما مهتما بالافلام مفتوحة المصدر او المتاحة قانونيا للآخرين ، الواقع أنهم قد استعانوا بشركة قابضة فرنسية تحوي مؤسسالت تجارية عملاقة مثل: فناك ، بوما، جوتشي، إيف سانلوران و اخرين.
و بهذا أصبح أصحاب المشكلة الاصليين ضالعين في حلها.. في انتاج فيلم يشرح ما جنته أيديهم علي هذا العالم ، يقول مدير الشركة القابضة: " أعترف أننا لسنا كاملين ، و آن الأوان لنا أن نواجه النقد، لعله يدفعنا للحراك ، و أخذ خطوة للأمام."

الحقيقة وجدت الكتابة عن الفيلم هي أقل ما استطيع عمله لجعله أكثر انتشارا و لو بعدة افراد.

لتحميل الفيلم من التورنت:
الفيلم في صيغة مدمجة عالي الكفائة ١٤٠٠ ميجا
الفيلم في صيغته الأصلية ديڤيدي ٤،٤١ جيجا
موقع الفيلم الرسمي.
النسخة العربية كاملة على يوتيوب .


و كما جائت نهاية الفيلم: " نعلم أن الحل بأيدينا ، و أن لا بد من القيام به لا محالة ، فما الذي ننتظره؟"


٢٥‏/٠٧‏/٢٠٠٩

حول القتل من زاويتين

بينما كنت أسير في إحدى المدن الألمانية ، وجدت الميدان الذي مررت عليه دوما و قد نصب في منتصفه مسرحا صغيرا ، دقائق و كان هناك أشخاص ينصبون معدات صوتية و سماعات كثيرة ، و دقائق غيرها و كان فتية و فتيات المدينة الصغيرة قد اشترون زجاجات البيرة و افترشوا علي الأرض في انتظار الحدث.
لم تمر الساعة حتي كان هناك فريق من الموسيقى الغجرية و قد وقف و غنى و رقص بلهجاته المحلية ، و بعض الفرنسية ، و غالبية الحضور لم يكن يعرف للكلمات معنى ، و كان المغنون يداعبون الجمهور بالفرنسية أيضا.
كان الفريق من الرجال فقط ، تقافزوا و تراقصوا بكد و اصرار ، داعمة اياهم موسيقاهم الفرحة بشكل استثنائي.
وقفت بين الحضور ، تجمع الشباب و الشابات و رقصوا في وسط الميدان بين يدي الفرقة ، تلك التي غنت ألحان متعددة الهويات، و كان الجميع في حالة نشوة عارمة.
و بينما نحن على هذا الحال ، و في وسط الميدان الواسع بين الشباب الراقص - كانت الشمس لم تغرب بعد رغم تجاوز التاسعة مساءا - ظهر رجل ملتح و متجلبب ، و بجواره امرأة منقبة.
بمنتهى الوقار وقف للحظات تابع العازفين باهتمام بالغ للحظات. و ما لبث أن قال شيئا للمرأة ثم انصرفا باسمين .
أخذت انظر للرجل ، حتى نهرتني صديقتي الألمانية: كفاك بحلقة في الرجل، اتركه لحاله.
خجلت من بحلقتي ، قلت أنه موقف كهذا في بلدي لا بد أن تتبعة مشاجرة أو كلمة من هنا أو من هناك .
قالت لي : هنا الوضع يختلف .

المسرح الصغير حيث غنى فريق
Valiumvalse

بينما ادخل تحت غطائي البارد في ليلتها تذكرت الميدان و الحفل ، قلت أن هذا مجتمع صحي ، كل يعيش حياته كما يحلو له ، لا يتدخل كل في حياة الآخر ، ولا يقف أحدا وصيا علي الناس ،و ليس للمواطن العادي هموم اصلاحية أو إرشادية . الامر لدينا جد مختلف ، لاسباب عديدة ظلت تتحرك في عقلي مجيئة و ذهابا حتى نعست.
ففكرت أنه في بلدنا اذا أقيم حفل كهذا في ميدان عام - و ليس في اطار حدث سنوي مغلق كمهرجان الكوربة و ما شابهه ، سنصحوا علي ضجة في الصحف حول فائدة هذا الحفل ، حول الفساد الذي وراءة ، حول مغني ذو اصل يهودي ، و غالبا ما ستصدر مجموعات في فيسبوك تنادي بمقاطعة الهيئة التي أقامت الحفل على خلفيات سياسية / دينية كما اعتدنا.



بعض الحضور الراقص كما التقطتهم بعدستي


بالبارحة لأسباب مهنية جائتني رسالة من صديق مصري ، عبارة عن بريد من هيئة المانية تطلب فنانين مصريين للمشاركة في حدث ثقافي ما ، كان الأيميل يبدأ باعتذار من هذه الهيئة الفنية للعالم الاسلامي عن مقتل مروة.
شعرت بضئالة رهيبة ، لماذا يتوج هذا الامر رسالة ذات محتوى تبادلي ثقافي؟
لم تأتيني سوى إجابة واحدة: الألمان يخافوننا.
الغرب لم يعد يريد مشاكل مع هذه المنطقة.
هم يعرفون أننا هناك دوما أمرا سنثور من أجله ضدهم ، و واضح أننا ماهرون في الثورات ضد الغرب.
و للأسف ماهرون فقط ضد الغرب.
فحينما قتل اثنان بالبارحة بسبب أسلاك عارية على الأرض في الوادي الجديد ، مر الأمر مرور الكرام لأن العدو هو جزء مننا ، و من تركيبتنا. و لم أجد حتى رابط للخبر الذي رأيته صدفة في جريدة.
و حينما قتل الضابط المصري مرڤت راكلا إياها في بطنها الحامل و لفظت روحها مع جنينها خلال دقائق ، مر الأمر مرور الكرام.
و حينما ضرب ضابط آخر شاب بالرصاص بسبب مشاجرة كلامية اما النادي ، لم تقم الثورات ، و لم ترتفع لافتة واحدة.
حينما أشعل مواطنون النار في بيت مغتربين سودانيين في الحي العاشر و قتلو البعض و حصل البعض على اعاقات لمدي الحياة ،لم تغطيه الصحف حتى ، و لقد عاينت بعيني ساعدا محترقا لسوداني يلهوا جيرانه المصريون بإلقاء العبوات الحارقة على غرفهم أثناء النوم ، لم يغطي صحفي واحد الأمر، بل و لم تتحرك القضية قضائيا حتى.
و لن أبدأ في الحديث عن ما يحدث في الأقباط خارج الكتلة القاهرية، فالضحايا عديدون .


و الحقيقة أن كل هذه الأشياء هي ثوابت نعرفها جيدا و و ناقشها الكتاب، و الحقيقة أنا متعايش معها تماما، و لا ابالغ ان اقول انني اعتدتها و اصبح جلدي اكثر سماكة كلما اتت احدى هذه الصفعات.
لكن الأزمة الكبرى ان تزدوج معايير هذا المجتمع لهذه الدرجة الَمرَضية، فلا نجد غضاضة فيما يحدث في دارنا بشكل يومي ، و لكن إن حدثت أزمة عارضة كحادثة مروة ، يصاب الناس بالذهول و عدم التصديق ، و كأننا لم نر هذا يحدث بشكل يومي لدينا.
أي ازدواج للمعايير هذا؟ و أي عمى وصلنا؟

مروة قامت برفع قضية في محكمة لان القاتل قد تطاول عليها و علي ابنها بالفاظ عنصرية ، و قضت المحكمة بتغريمه ٧٥٠ يورو ، و هو الأمر الذي تظلم فيه و رفض الدفع ، في حين أن المدعي العام ايضا احتج علي الحكم ، و أصر على رفع العقوبة لتصل للسجن، لانها العقوبة القانونية لاي خلافات ذات منحى عنصري. هكذا تعاملت المانيا مع القضية في مهدها.
ارى من المضحك أن يطالب الشعب المصري حكومة المانيا بالاعتذار ، و هي التي اصرت اساس على حبس الرجل لانه تفوه بالفاظ عنصرية.
في حين أننا في وطننا الحبيب ، لا يعاقب القانون على مقولة "عضمة زرقا / أربعة ريشة" و ما شابه هذا الهراء في وصف الأقباط.
و سأطيل بقصة حدثت في حي مدينة نصر حيث نشأت .
فقد كان شباب التبليغ و الدعوة يطوفون الأحياء ، و يحثون الشباب علي الصلاة و اتيان المساجد، و قد حدث أن قابل "أمير" - هو صديق من ايام المراهقة - أحد شباب المبلغين ، و دار هذا الحوار :
المبلغ :طيب تعالى معايا الجامع صلي...
أمير : لا معلش اتفضل انت
المبلغ : يا سيدي جرب مرة ، و ما تجيش تاني.
أمير: لا .. اتفضل سعادتك.
المبلغ ( مادا يده بحميمية ساحبا ذراع أمير) : طيب تعالى بس .. صدقني مش حتندم.
أمير : يا سيدي أنا مسيحي!
المبلغ : (مشدوها) مسيحي؟؟؟! إتفوووووو!
و بصق الرجل على حذاء امير.
قال أمير: إتفو؟؟ تقدر تقول كده في القسم؟
قال الرجل: و اقوله في اي مكان يا نصراني.
سحبه امير في هدوء للقسم القريب جدا من مكان الواقعة ، و هناك قام الضابط بصرف الشاب الدعوي و رفض تماما عمل اي محضر ضده.
قال الضابط لأمير بالحرف الواحد: "يا عم امير الموضوع بسيط.. عامل مشكلة ليه بس.. روح شوف حالك بدال العطلة."

فمن ناحية نحن مجتمع يقبل تماما ان ينتهك الآخر ، مسيحي ، سوداني ، بهائي .. و لا غبار على ذلك أبدا.
و الدولة من ناحية أخرى ليس لها سوابق في نصرة النصارى على المسلمين في تفاصيل يومية مثل هذه (او مثل تفصيلة قضية مروة) ، و الحكومة قتلت بدم بارد سودانيي المهندسين، و تسمح لقنواة تبث على قمرها الاصطناعي بالتحريض و التكفير بل و الدعوة للقتل حرفيا ، في حين ترفض ان يكون للمسيحيين قناة خاصة - و هو رفض شعبي أيضا.

إذا تنطبق مقولة المسيح : "أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْني أُخْرِجِ الْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ؟".

اليوم نحصد أثر خطبة الجمعة في مساجد مصر البارحة ، و التي قيل ان الآلاف فيها قد قامو بتكفير الباحث سيد القمني و اهدار دمه. فببساطة يرى الكثيرون في بلدنا ان مواطنا يستحق القتل لاسباب عقائدية بلا محاكمة او استتابة ، و ينقمون هم أنفسهم علي مواطن الماني طعن فتاة مسلمة لاسباب عقائدية ايضا و ذلك في ردهات محكمة كان الغرض منها احقاق الحق للفتاة.
ها قد أتي على المسلمين حين من الدهر أن استباحوا دماء من يشهد شهادتهم ، عن جهل محض بآرائه و مؤلفاته ، و اضحت حياة رجل على المحك. وسط صمت و تباطؤ رهيب من الحكومة او التنويريين . مما دفعه لنشر نداء بائس اقرب للاستغاثة ، لعل من يؤازره في محنته ، و لن انسى رده في برنامج المصرية للمذيعة ريم ماجد حينما سألته لماذا لم يتحرك ضدهم منذ البداية قال بشيء من الاستسلام: "حاعمل ايه؟.. الاخوان كُتار".
هكذا في شهر واحد نرى لأي مدى هذا المجتمع قد فسدت ضمائره ، و اصبح يكيل بمكيالين علنا و جهرا، و لا يرى حتى اي غضاضة في أن يمارس ما يثور ضده، بحجة امتلاكه للرأي و الحقيقة.
إن لم يذكر كل مسلم لحظة ان رفع المبشرون بالجنة السيوف أمام بعضهم البعض، فحينها يصبح جليا أنه لا يوجد من يملك الحق بمطلقه ، و من المعروف أن الإمام علي لم يكفر من حاربوا ضده، و بكى من قتلوا أمامه في المعارك، و لم يستبح غنائمهم ، و ازهقت دماء الآلاف.

مجتزأ من كتاب القمني
شكرا بن لادن
(للتحميل)

الازمة الآن ليست في اعادة قصص صدر الاسلام ، ولافي تحسين ما تشوه من صورته ، لا اي من هذه الامور
أرى الأزمة في صمت بالغ يستمر كل مرة اشهرت قوي الظلام انيابها ، و في تقاعس مستمر من هؤلاء الذين كان بلأحرى بهم التحرك و الحديث. عشرات تحركوا و ثاروا من أجل قضايا خارجية ، و لم ينشر منهم سطرا من أجل ازمة داخلية تقتص من فراغهم العام شيئا فشيئا.
ربما ليأس و، ربما لخوف ..لا أعلم ، لكنه صمت مؤسف جدا، و سيعود ضررا على الجميع.

و أعود مرة أخرى للمسيح: " يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ".


٠١‏/٠٥‏/٢٠٠٩

غوغائية السلطة


هذان الحدثان مرتبطان في ذهني بشكل عنيف ، ليس فقط لأنهما حدثا لي نفس اليوم ، و لكن لأن كلاهما مثال واضح و غير قابل للجدل حول ما تردت إليه الأوضاع. الحدثان هما قرار ذبح الخنازير صباحا ، ثم إعلان جوائز المهرجان القومي للسينما مساءاً.
فالذي حدث أن استقت وسائل الاعلام المصرية الطريقة السافلة من الترهيب و التخويف التي تقتات منها وسائل الإعلام الأمريكية ، و سادت بفضل بضعة عناوين صحفية حالة من الذعر العشوائي بين العامة خوفا مما أسموه" حمي الخنازير" ، ذلك الفيروس المسمى H1N1 ، الذي لم تثبت اي حالة اصابة به في مصر حتي كتابة هذه السطور ، بل و لم تثبت اي حالة اصابة بين الخنازير في أي مكان في العالم ، بل و الأنكى ، أن هذا الوباء "القاتل" كان حتى هذا الصباح المشرق قد قتل حول العالم كله ما لم يتجاوز أصابع اليدين .. في عالم يقطنه المليارات. وفقا لمنظمة الصحة العالمية.
بغض النظر عن كوني لا أكترث كثيرا لمسألة أن أموت بالانفلونزا ، أم بسرطان سريع ، أم لأي من الاسباب التي ذكرتها في المدونة قبلا ، إلا أنني أقدر طبعا خوف الناس على حياتهم ، و لكني لا أقدر سياسات التخويف و تغييب الشعوب. و الحقيقة أنني لا أحترم أبدا ما وجده الكثيرون فرصة لتدمير البنية الاقتصادية لآلاف العائلات القبطية ، علي اختلاف طبقاتهم.
ليس جديدا أن هناك نوع من الشماتة في الشارع المسلم تجاه فقدان الكثير من مسيحي البلد لمصدر رزق أساسي لهم، و قد سمعت عشرات التعليقات المتشفية خلال الأيام الماضية، ولا داع لذكرها هنا.
و أيضا.. هذه ليست الأزمة ، فهذا الاحتقان أضحى أمر واقع قد يتطلب أجيال لتغييره ، و لكن أزمتي هي رضوخ الحكومة لمطلب غوغائي مثل : ذبح كل خنازير البلد! فالحكومة بكل اساتذتها، و علمائها، ووزرائها لم تجد غضاضة في احداث خلل رهيب في منظومة اقتصادية و اجتماعية و بيئية في مقابل اسكات صياح نواب المجلس ، و لم يتطرق أحد إلي ان منظمة الصحة نفسها أعلنت انه : لا يوجد أي دليل علي انتقال العدوى من الخنزير للانسان ، و الحقيقة ان كل المصابين التقطوا العدوي عن طريق بشر مثلهم. و لم يكترث أحدا إلى ان يصبح القرار الحكومي مضحكة دولية ، بل و بسبب فعلة مصر ، قررت منظمة الصحة الدولية تغيير اسم المرض، حتي لا يحدث التباس مرة أخرى.
و بالنسبة للتعويضات - التي هي من اموالنا نحن دافعي الضرائب - فإنها فقط ستعطى كمقابل للحيوانات الي سيتم إعدامها (الصغار و العُشُر) و ليس التي سيتم ذبحها ، لانها مسؤولية المربي تصريف اللحوم و بيعها لحسابه ، في الوقت الذي شح فيه ثمنها ، و انعدمت الثلاجات نهائيا للتخزين. و بالتالي ضرب المربين/الزبالين في مقتل.
قال عمرو غربية ضاحكا على تويتر : " بفعالية مصر سوف تقوم ليس فقط
بقتل الخنازير ، بل و البشر أيضا ، اي شيء من أجل وقف انتشار الفيروس"
لا يحتاج الأمر لعالم في الاقتصاد ليدرك فداحة حجم الأزمة على الصعيد الاقتصادي ثم الاجتماعي والديني. فضلا عن البيئي، فقد انعدمت الآن وسيلة تصريف أغلب القمامة العضوية بالبلد.. و لكن الحكومة اثبتت مرة أخري أنها أكثر غوغائية من الشعب ، و قررت أن تتفرد بقرار لم تتخذه أي حكومة أخري في العالم ، بما فيهم الدول التي مات فيها مواطنين.

نشرت المصري اليوم صورة من المجلس
لأحد نواب الإخوان يرتدي كماكمة ، حفظه الله و ابعد عنه المرض



و بالتالي ، و بنظرة بسيطة ، نستنتج أن السلطة بكل مؤسساستها لا تختلف غوغائية عن بواب العمارة التي أقطنها، و هو بالكاد يستطيع القراءة، الذي قال منذ اول يوم للأزمة رافعا اصبعه : "لازمن يا بيه يدبحوا الخنازير استغفر الله العظيم، هي معروفة انها بتجيب أمراض."

ثم على صعيد آخر ، أعلنت نتائج المهرجان القومي للسينما ، و الملفت أن الجوائز هي المعادل الحقيقي لإيرادات شباك التذاكر ، و للعام التالي تتكرر هذه النتيجة ، فالأفلام الني حصدت الجوائز، هي الأفلام التي باعت أكبر كم من التذاكر و عرضت أغانيها و دعاياتها بشكل متواصل علي القنوات ، و يغيب عن الجوائز أي افلام ذات خصوصية او منحي مغاير عرضت خلال ٢٠٠٨.
و هنا تتبين الكارثة ، ففي العام الماضي كان أحمد السقا هو افضل ممثل في مصر ، و العام الحالي أحمد حلمي ، و ربما في العام القادم يأتي كريم عبد العزيز أو محمد هنيدي ، في مهرجان تنظمه وزارة الثقافة ، و يرعاه مستنيري مصر.

و هكذا يبدو التلاحم ما بين الشارع و السلطة ، فكلاهما يسيره نفس التيار ، و تحركه نفس المعايير.
و هكذا تتبدى لنا ، أنها حقا : نهاية الحضارة.


٢٢‏/٠٤‏/٢٠٠٩

جوائـــز، في صباح رديء

لا أقرأ الصحف ، و لا أشتريها، أبتعد قدرما استطيع عما يجري على صفحاتها، علي الأقل سياسيا.
لكن لا يخلو الأمر أن يراسلني صديق أو آخر برابط لخبر في صحيفة مصرية لا يندرج تحت أي مسمى سوى "نهاية الحضارة" ، و أظنه كان قاسيا على - كما على آخرين - أيضا أن أصحو في يوم واحد على أخبار من نوعية أن أعضاء الاخوان البواسل يقدمون قانونا ضد الردة للمجلس ، و كأن كل نائب منهم قد ارتاح لأن الشعب يحظى بتعليم جيد، و مستشفيات مؤهلة، و مواصلات غير مهينة ، و فرص عمل مواتية ، و لم يعد هناك أي مكدر لصفو البلاد سوى بضعة عشرات اختاروا دينا جديدا.
أو أن أصحو على خبر محامية مصرية تدعو رجال الأمة العربية للتحرش بالنساء الاسرائيليات، و كأن الأخلاق و احترام القيمة هي حكر على أمة أو عرق أو دين بعينه، أو كأن التحرش نقيصة لأنه ينتهك المرأة العربية فقط، و كأن العرب قد عدموا كل فرص الكسب في وجه عدوهم الصهيوني ، فلجؤوا لأعضائهم التناسلية المشرئبة ، و كأن القانون أصلا - و هي محامية أكرر - يفرق في حكمه وفقا لجنس و ديانة المجني عليه/ها. و كأننا جميعا لا نأسى من تعامل الغرب مع كل عربي و كأنه ارهابي مفخخ ، و لكنها لا تجد غضاضة في التعامل مع اي اسرائيلية و كأنها قطعة لحم للتحرش.
أو أن أصحوا أيضا على خبر تقديم بلاغ ضد البهائيين ، لارتكابهم لجرم فاضح ، و هو احتفالهم بعيدهم في حديقة المريلاند ، التي هي مكان عام ، ولا يجوز للمواطن المصري الشريف بينما يعود المنتزه العتيق ، أن تقع عيناه الكريمة على هذه الطائفة ، تشرب القهوة و تتسامر ، لأن ذلك بلا شك سيضعف من عزيمته ، و يرميه فريسة للشك. و أعلن المحامي أنهم "مرتدين و عقوبتهم القتل" ، و لن أطيل في تعليقات القراء على الخبر ، بل و حتي رأي الصحيفة نفسها حيث أشارت إلى المتحدثة باسم البهائيين قائلة: " ومحاولة منها اصطناع جريمة منه ضدها بالادعاء بارتكاب جريمة والتحريض على قتلتها محاولة منها فى جلب اهتمام وتأييد جمعيات حقوق الإنسان المشبوهة" .
و في نفس ذات اليوم ، تفرج الحكومة عن ثلاثة مواطنين أثاروا ذعرا و هلعا كبيرا.. فقد قاموا برش لوحات جرافيتي على الشوارع لم يفهم لها أحد مغزى ، حتى ذهب الكثيرين إلي اعتبارها من أعمال جماعات الإيمو ، ليس لأي سبب سوى لأنهم "جماعة" لم يفهم لهم أحد مغزى ايضا.
قلت : إنها نهاية الحضارة.
في ظل هذه المآسي لم أستطع إلى التركيز في العمل سبيلا، لذا قررت العودة لرابط كنت قد احتفظت به في del.icio.us، و كان رابطا لجوائز صالون مركز تحديث الفنون لعامنا ٢٠٠٩، و هو مركز أمريكي هام للفنون التشكيلية ، يضم على موقعه الرقمي مكتبة ضخمة لأعمال جميع الفنانين في جودة عالية ، فضلا عن تقديمه لمنح دراسية للفنون التشكيلية بالولايات المتحدة - لمن يهتم هنا الرابط - و لكن الاهم هو اقامته لصالونه السنوي الدولي للفنون التشكيلية في عدة أقسام. و قد أعلن عن الفائزين مؤخرا في دورته الخامسة.
و رغم أن الجوائز في رأيي ميالة للرؤية التقليدية للفن التشكيلي في العموم ، إلا أنني لا أنكر ان العديد من الفائزين و المكرمين - بل و حتي المرشحين وقد خانهم الحظ - قد خلبت اعمالهم عقلي، و أظن ان الجوائز النهائية هضمت حق البعض ، إلا أنها تستحق المتابعة بأقسامها الغزيرة.
لن أخوض أكثر ، و سأضع بعضا من الأعمال المختارة وفقا لذوقي الشخصي ، و ليس وفقا للجوائز ، أضع اسماء الفنانين و الأعمال بالانجليزية لتسهيل مطالعة أعمالهم علي الشبكة.
(يمكن المشاهدة بكفاءة أعلى كثيرا عن طريق موقعهم)




Hiroshi Furuyoshi
Julien
زيت
جائزة أفضل الأعمال
© All images are under strict copyright to the artist and may not be reproduced in any form
©حقوق جميع الأعمال تعود للفنانين ، و يُحظر اعادة انتاجها وفقا للمركز


Duffy Sheridan
"Head Study" - Marieke with Rose
زيت
أحد الفائزين بجائزة اختيار الإدارة


Max Ginsburg
Tire Swing
زيت
أحد الفائزين بجائزة اختيار الإدارة


Salvador Jose Villagran Jr.
Past Present Future
زيت
المركز الثالث - قسم الأشخاص



Aaron Wiesenfeld
Suspended
فحم
من المرشحين النهائيين في قسم الرسم


Terry Strickland
Shahrazad Illuminated
زيت
أحد الفائزين بجائزة المركز الخاصة


Ron Cheek
Vanity-Vanity
زيت
من الفائزين بجائزة تقديرية بقسم الأشخاص



Ananta Mandal
Smoking Morning
الوان مائية
من الفائزين بجائزة تقديرية بقسم المناظر العامة


Andrea Mosley
Daniele
زيت
من الفائزين بجائزة تقديرية بقسم الأشخاص

Marina Dieul
Somme
فحم
من الفائزين بجائزة تقديرية بقسم الرسم



Shawn Zents
An Arrangement of Flowers
زيت
من المرشحين النهائيين في قسم الأشخاص


Yuri Diatlov
A Girl
الوان مائية
من الفائزين بجائزة تقديرية بقسم الرسم



Terry Strickland
Plan of Attack
زيت
من المرشحين النهائيين في قسم الأشخاص

Max Ginsburg
The Discussion
زيت
من المرشحين النهائيين في قسم الأشخاص


Star Galler
Lady in Waiting
فحم
من المرشحين النهائيين في قسم الرسم





Jonathan Queen
First View of Florence
زيت
من المرشحين النهائيين في قسم الطبيعة الصامتة
©All images are under strict copyright to the artist and may not be reproduced in any form.
© حقوق جميع الأعمال تعود للفنانين ، و يُحظر اعادة انتاجها وفقا للمركز
المصدر : source : www.artrenewal.org


رغم الوقت و الجهد الذي بذلته في تحميل اللوحات و نقلها و إعادة رفعها مع أسماء الفنانين ، إلا أنني فعليا لست نادما على هذا الوقت بتاتا، فالحقيقة قد كان فرصة جيدة لتطهير الأعين و العقل من هذا الهراء الصباحي التي يضخه علينا ضعاف العقول ، بشكل يومي ، و متصل ، و دؤوب..

يمكنني الآن العوده للعمل بقلب مستريح لبضعة ساعات.


٣١‏/٠٣‏/٢٠٠٩

ثلاث روايات مصورة ، لا تضيع الوقت

كلما اعترى الأيام فتورها المعتاد ، أجد نفسي أقرأ روايات مصورة ، فهناك شيء ما بصددها يجعلها غير قابلة للمقاومة ، تتابع الصور و النصوص يشكل لي اثارة لاحدود لها، و بالكاد أذكر انني تركت إحداها في المنتصف ، مهما كانت رديئة ، و الحقيقة الكثير منها رديء في تصوري ، و إن كان يحصل على شهرة واسعة.
لفظة "رواية مصورة" Graphic Novel ، هي لفظة مستحدثة ، و الكثير من كتاب و رسامين الكوميكس يرفضون المسمى تماما ، و لكن بعض الروايات المصورة طبقت شهرتها الآفاق مثل :WATCHMEN تلك التي أظنها تستحق كل التقدير.
يقول ألان مور مؤلف WATCHMEN ، و القاص الكلاسيكي : "تلك لفظة تسويقية لم اتعاطف معها أبدا ، المصطلح "كوميكس" أجده الأفضل بالنسبة لي ، الأزمة أن كلمة " Graphic Novel" أضحت تعني كوميكس غالية السعر، لذا فستجد أمثال "دي سي كوميكس" ، أو "مارڤل كوميكس" من مؤسسات يقومون بلصق أية ستة أعداد من أي هراء عديم القيمة تصادف أنهم قد نشروه ، ثم يضعون له غلافا لامعا ، و يطلقون عليها اسم (شي - هلك ، رواية مصورة)..."
بغض النظر عن المسمى ، إلا أنني قد قرأت الكثير خلال الاسبوعين الماضيين ، سواء في صورة كتب احتفظ بها ، أو في صورة رقمية محملة من الانترنت و مقرصنة في الغالب للأسف.
و قد وجدت ثلاثة روايات و اعتبرتهم بمثابة أحداث لا يمكن التغاضي عنها بسهولة سأختصر الحديث عنهم هنا:



- كبرياء بغداد -



كبرياء بغداد ، الحقيقة أعترف أنها لم تعجبني كثيرا رغم الجوائز، لكني أراها رواية مصورة مهمة ، و ذكية (أحيانا) ، هي انتاج عام ٢٠٠٦ ، كُتب في مفتتحها أنها بنيت حول حدث واقعي صار اثناء دخول الامريكان لبغداد ، قفد روى خبر صغير يوما أن القوات الأمريكية قامت باطلاق الرصاص على أربعة من الأسود الذين هربوا من حديقة الحيوان أثناء قصف بغداد ، الرواية تتصور يوم الهروب لهؤلاء الأسود ، و ما تعرضوا له حتى تم اطلاق الرصاص عليهم .
القصة بكاملها - ١٣٠ صفحة - لا يظهر فيها أي من بني البشر ، فقط نسمع تعليقاتهم او حديثهم على خلفية قصة الحيوانات المتكلمة ، الذين لا يعرفونهم كثيرا و يطلقون عليهم "الحراس" بدلا من بني البشر، و هذا أمر أظنه قد يستفز البعض ، خاصة أن لكل الحيوانات في القصة أسماء عربية مثل علي ، صفا ، و رشيد ،أنا لا أكترث ، ولكن ما ضايقني حقا هو التصوير المباشر لوضع الطوائف المتناحرة عن طريق عكسه على واقع الحديقة ثم المدينة/الغابة التي تجد الحيوانات نفسها فيها بعد تحررها ، و كيف لا يستطيعون غض الطرف عن علاقة الكره الموروثة بين الفصائل كالاسود و الغزلان و القردة . و لكن تم التعاطي مع فكرة "التحرير" بذكاء شديد ، و استحضارها للمساءلة طوال النص.


السرد بالقصة يدور بشكل تقليدي جدا ، و يستمر بشكل خَطي مع الأحداث ، و بالكاد ما نجد حدثا موازيا ، او استحضار لفكرة او تخيل ما ، باستثناء بعض مشاهد التذكر النمطية المعتادة ، و لكن ظل إيقاعها متسارع ، و حوارها متزن غير مستزاد.
الرواية تبدو مرسومة و ملونة رقميا ، كشأن الكثير من قصص الحركة في هذا العصر ، أظنه من الأفضل للمراهق قراءة رواية مصورة قريبة للألوان التي اعتادها في العاب الڤيديو و ما عداها ، و لكن هذا لا يمنع أن لهذه المدرسة باع في تطوير الكوميكس بشكل رهيب.




- وداعا شنكي رايس -



كنت قد كتبت من قبل عن كريج طومسون ، مؤلف الرواية المصورة البديعة Blankets ، و هذه الرواية Goodbye Chunky Rice ، هي العمل السابق لها.
القصة أعتبرها واحدة من افضل الروايات المصورة التي قرأتها قاطبة ، فهي تتمحور حول السلحفاة (شنكي) الذي يترك صديقه الفأر (الذي يظهر كحبيب أو عشيق أحيانا) ، ليودع إياه منطلقا لاستكشاف العالم . و الغريب أنه بالرغم من كونها أول أعمال المؤلف إلا أنها أكثر أعماله حداثة و خروج عن المألوف في اشكال الحكي و ربما في الرسم أيضا عن تاليتها.
تنتشر في القصة شخصيات عدة ، كلها مشوهة أو منقوصة بشكل ما ، و شديدة التوحد ، و كعادة مؤلفي الكوميكس النبلاء ، لم يخجل كريج من رسم شخصيات و أفكار قد يظنها المجتمع منفرة كثيرا. فمثلا واحدة من الشخصيات المحورية هما توأمتان ملتصقتان على سطح المركب ، و يتشاركان الرئة و الذراعان و جزء من الرأس ، و لكنهما لا تجِدا إجابة لسؤال شنكي : هل يمكن لأي منكن النفاذ إلى حلم الأخرى؟


أظن المؤلف قد قام بأشكال حكي و رسم غاية في الذكاء و الألمعية ، خاصة أن القصة تسري بين عدة محاور في المكان و الزمان ، فضلا عن تعدد الشخصيات حتى تصبحا السلحفاة و الفأر شخصيات شبه هامشية أحيانا.
و كانت الصفحة الواحدة في الكتاب بمثابة عالم كامل من التفاصيل و الصور و المربعات التي تروي القصة بشكل يبدو عفويا لأقصى درجة ، و أحيانا كان يستخدم التقطيع الكلاسيكي لمربعات الكوميكس كأداة جمالية و ليس أكثر ، و كأنه يرفض التعامل مع كل مربع كوحدة خاصة كما درج الرسامون و اعتادوا.


مؤلف شنكي رايس وراسمها في نفس الوقت ليس له سوى هذان المؤلفان ، و أستغرب تفرده و خصوصية أعماله بالمقارنة بآخرين ، و بالذات مع اعتبار نشأته المحافظة في قريته الصغيرة بالجنوب الأمريكي شديد التدين ، و كيف كان حبه للرسم مثار حنق الأهل و نفور الجيران ، و كيف واجه مخاوفه كلها ليقوم أخيرا بما يحب ، هذه الأجواء رصدها بشفافية في روايته الثانية ، و الحقيقة دوما ما ظننت أن ما عاناه طفلا و شابا في قريته قريب جدا لما يعانيه اي مراهق يهوى الفن في مصر ، فالعالمان يكادا ينطبقان باستثناء التفاصيل الصغيرة ، مثل الدين و الثلوج التي كست الرواية.




- سينما پنوبتكوم -


هذا المؤلف توماس أوت هو حدث خاص ، فالرسام الألماني أبى على نفسه إلا أن تصبح كل أعماله صامتة ، معدومة الحوار ، بلا أي كلمة أو تعليق ، فهو يرسم تتابع من الصور تحكي الحدث بسلاسة مذهلة ، و الأفضل أن كل أعماله تدور في أجواء صادمة سوداوية مما يلائمني تماما.
المضحك ، أن الرسام الألماني و إن ذاع صيته في أوروبا إلا أن أعماله لم تدخل الولايات المتحدة إلا مؤخرا ، على الرغم من عدم وجود مشكلة في اللغة ، لأن النص يعتمد على الصورة فقط ، إلا أنه فيما يبدو فإن المتلقي الأمريكي كان يجد ضيقا ما في متابعة نوع من الكوميكس يختلف عما ألفه طوال تاريخه.
يستخدم أسلوبا من التهشير و الشخبطة لرسم المساحات ، مما يجعل الصورة قريبة لشكل الطباعة الخشبية لكتب العصور الوسطى الأوروبية في رأيي ، و هذا يضفي جوا غيبيا قاتما علي القصص ، و ربما يختزا أحيانا عنصر العصر مما يروي ، فبينما أقرأ ٠ ان جاز التعبير - أشعر أحيانا ان الرواية تدور في بدايات القرن العشرين ، و أحيانا في أربعيناته ، و أحيانا في المستقبل ، كل وفقا للحالة المنبعثة من طريقة الرسم تلك.




دوما ما وجدت كتابة تقارير عن الأفلام و الكتب و الموسيقى أمر شديد الصلف و التعالي ، و لا أحبه بكل مسمياته ، نقدا كان أم تذوقا أم تحليلا ، فالكل بالنسبة لي أمر لا داعي له ، خاصة مع تفرد أذواقنا و اختلاف درجة تلقينا لغالب هذه الفنون و حبنا أو كرهنا لما نشاهد.
و ربما كتبت ما سبق لأتشارك مع الآخرين ما قرأت.
شكرا خاصا لـ "ر" التي تشاطرني هواية لا يشاركني الكثير فيها.


للتحميل و إلقاء نظرة - صيغة سي.بي.آر : (كبرياء بغداد ، وداعا شنكي رايس ، سينما بنوبتكوم )




٢٨‏/٠٢‏/٢٠٠٩

من وحي الأوسكـــار



المخرج دارن أرونفسكي ، و ميكي رورك (المصارع) *

حينما كنت أصغر ، كنت لازلت مشدوها بالسينما الأمريكية ، و كنت أظنها خير الأفلام على الأرض - الحق هذا ليس من ذنبي ، فلم أكن أشاهد في القاهرة أياً من سينما العالم - و كانت ليلة توزيع جوائز الأوسكار ليلة مقدسة لدي ، بدأت منذ مشاهدتي صدفة (على قناة ام تي في اللبنانية) - كان ذلك قبل الفضائيات - و كنا نلتقط من مدينتنا الساحلية الصغيرة عبر هوائي التلفاز ، العشرات من قنوات التلفزة الخاصة بالطوائف اللبنانية المتناحرة حينها - ولا زالت - .
و بقيت أتذكر سماع خطاب سبلبرج على الهواء عام ١٩٩٣ عند فوزه بالأوسكار عن قائمة شندلر ، و لكن مصحوبا بترجمة فورية لبنانية. و كانت الحفلات عموما أقل ترفا و بذخا كثيرا عن الآن. و أذكر تردد المعلق اللبناني عن ترجمة جملة سبلبرج الأخيرة ، حول ضحايا الهولوكوست.

كنت حينها لا أعرف كثيرا عن حال السينما العربية - و الحقيقة لازلت لا أعرف ، أو أن الذي أعرفه لا أفهمه تماما - و لكني كمراهق كنت أتساءل : لماذا لا نصنع أفلاما جيدة "مثلهم"؟ .. ولكن بعد ان نضجت - نسبيا - و علمت القيمة الضئيلة لأفلام هوليوود ، و شاهدت سينما من كل أرجاء الأرض تغيرت حساباتي.

هذا العام شاهدت كل أفلام الأوسكار تقريبا ، على الأقل الدرامية ، و الآن و بينما أنا في سن الثلاثين لم يعد في خلدي سؤالي التقليدي : "لماذا لا نصنع أفلاما مثلهم؟" ، و لكن كان سؤال آخر : "لماذا لا نعيش حياة مثل هذه؟" ، فبينما أشاهد الأفلام ، كنت "أتفرج" بالمعنى الحرفي للكلمة ، الفرجة بمعنى الاطلاع على العوالم الأخرى الدائرة في الفيلم ، تلك التجارب الحياتية البسيطة التي لا نعيشها إلا في السفر ، و أخذت أفكر من موقعي هنا في قلب المدينة فوجدت أن أغلب قصص هذه الأفلام تستعصي على حياتي القاهرية هنا و أغلبها مستحيل الحدوث تقريبا، فلا أعرف كيف يمكن مثلا أن:

- يقيم شخصا علاقة مع امرأة غريبة جميلة ، و تكبره سنا ، قائمة علي أنه يقرأ لها الكتب .
- أو يبحث جندي سابق حول ماضيه ، و ماضي أمته العسكري .
- أو ان سأمت فتاة من حياتها ، فيمكنها أن تأخذ مركبا صغيرا في بحيرة ما في قلب مدينتها .
- و أن يدرس الفقراء في مدارسهم الرقص ، و الموسيقى جنبا لجنب مع الدين و كلاسيكيات الأدب ، صبيانا و بناتا.
- أن يناضل شخص من أجل ميوله الجنسية/المثلية، و أن تدعمه إدارة مدينته.
- أن يعامل القاتل معاملة إنسانية و يحصل على محاكمة عادلة ، حتى و إن تم شنقه.
- أن يتحرك صديقان بالقطار عبر حدود عدة، لا يحملان سوى حقيبة متاع ، و يصبحان في أي بلد تحلو لهما.
- أن تعيش امرأة وحيدة في مقطورة، و تعلم ابناها من وظيفة غير ثابتة في سوبر ماركت. أو تحول بيتها لفندق صغير بعدة غرف .
- أن يحظى سكان الحي سواسية - بغض النظر عن غناهم و فقرهم - بأقل بديهيات الحياة ، كتعليم جيد ، وحديقة صغيرة ، أو حتى مطعم رخيص يمكن الوصول اليه بالدراجة ، أو حمام سباحة عام لأهل الحي . و بالتالي تصبح لهم حياة كاملة.
- انه إذا ما سقط شخص مغشيا عليه فانه سينقل إلي مستشفى ، و تتم له جراحة قلب مفتوح ، حتى و إن كان بلا أقرباء أو تأمين.
- أنه إذا ارتكب الفرد أمرا خطأ -أو صوابا- فوجد نفسه في السجن ، فيصبح في مقدوره القراءة و الكتابة ، بل و تساعده إدارة السجن علي السكن و التوظف بعد الخروج .
- و لا أعرف كيف يعيش شخص في مدينة واحدة صغيرة ، و لا يحتاج للعاصمة أبدا ، و في مدينته يقوم بعمله و يعود أهله ، و يحضر الحفلات و يقع في الحب لثلاث مرات .
- ولا أفهم أن تعمل امرأة في مرقص للتعري ليلا، و لكنها تعيش حياة طبيعية في النهار ، و تستذكر دروس ابنها ، و تعهد به لطالبة جامعية حينما تذهب لتتعرى ، و الحقيقة لم أعرف عروض التعري من الأساس في القاهرة.


دوني بويل / دڤ پاتل (مليونير العشوائيات)

سام مندلز / كيت ونسلت ( طريق ثوري)

جص ڤانسانت / شن پن (ميلك)

چون پاتريك شانلي / مريل ستريب (شك)

وودي آلان / پنيلوپي كروث (برشلونة ڤيكي كرستينه)


كرستوڤر نولان / الراحل هث ليدجر (فارس الظلام)*


ختاما ، لابد لي أن أوضح أنني كرهت كل أفلام الأوسكار ، باستثناء فيلمين لا أكثر ، و الباقون هم أفلام تسلية بحتة , يغلب عليهم طابع تجاري محزن ، أو في ظروف أخرى لهم نكهة محافظة أو سياحية كيفما اتفق ، و حمل الكثير منهم بأفكار معدة مسبقا لمشاهد ضعيف الإمكانيات ، و محدود الرؤية إلى مدى بعيد. و لكنه يعيش نوعا خاصا من حياة ، ثم يصنعها أفلاما و يشاهدها .
و لكنها مازالت لا تحدث هنا.



ــــــــــــــــــــــــــــ
* - جميع الصور من أعمال آني ليوبوفيز ، المصورة الكلاسيكية الشهيرة لمجلة رولنج ستونز.




٢١‏/٠٢‏/٢٠٠٩

أربعة من خمسة


كنت قد كتبت منذ مدة عن "أخطبوطي" الفيلم المتحرك القصير ، كنت قد مدحت فيه علي ما يبدو مما أثار حفيظة البعض.
مرت الأشهر ، و هاهو الفيلم - الذي لا يعدو أن يكون مشروع تخرج جامعي - و قد أصبح ضمن الأفلام الخمسة القصيرة المرشحة للأوسكار في هذا العام.
الأفلام الخمسة رائعة ، و صادف أن كل فيلم منهم من دولة ، و كل فيلم بتقنية تحريك و رسم مختلفة تماما.
عثرت على أربعة من الخمسة على الشبكة ، أضعها هنا كنوع من الإبهاج ، و التعريف ، خاصة أن دور العرض في القاهرة لم ترينا أكثر من خمسة أفلام من إجمالي تجاوز الستين فيلما تشارك هذا العام.
أعتذر عن كفاءة بعض الأفلام ، لكن بعضها مقرصن كما نعلم جميعا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الياباني
Tsumiki no ie
هو الوحيد الذي لم أجد له أثر علي الشبكة ، باستثناء صور منه ، او مقتطفات قصيرة





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ










ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفرنسي
Oktapodi





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الانجليزي
This Way Up






ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأمريكي
Presto





أطلب من جار القمر ، أن يحاول العثور علي أفلام قسم الروائي القصير و التسجيلي القصير بالمسابقة ، بصفته منقبا معروفا في غياهب الشبكة.
و للمرة الثانية الأفلام مهداة لطلبة معهد السينما ، و خاصة قسم الرسوم.






.

٠٦‏/٠١‏/٢٠٠٩

قِصــــة..


حدث في أحد الأيام أن كان هناك فيلا عملاقا يعيش بجوار إحدى القرى ، و كان فيلا قاتلا عنيفا ، كثيرا ما هاجم سكان القرية الودعاء.
حاول القرويون مرارا قتله أو إبعاده و إقصائه ، لكنهم فشلوا فشلا ذريعا ، بل و غالبا ما خافوا حتى من ترك منازلهم لعله يلاقيهم في الطريق و يفتك بهم أو يدمر بيوتهم .
حتى كان يوم اجتمع فيه حكماء القرية ، و تحدثوا طويلا في أمر الفيل ، و ما له و ما عليه ، سكت كبير الحكماء طويلا ثم بدأ في الحديث ، و حينها التزم الجميع الصمت و أطرقوا الآذان.
"من يستطيع تدمير الفيل ، له جائزة ضخمة" ، قال.
ضج الجمع باللمز و الهمز ، و لكن ما لبثوا إلا أن تأججت عزيمتهم فتجمع حينها أشهر صيادي القرية لقتله طلبا للجائزة ، و شرعوا في اقتفائه ،إلا انهم اخفقوا جميعا. لأسباب لا محل لها هنا.
و حدث - أيضا - أن كان هناك ضبع يعيش قرب القرية سمع خبر الجائزة ، فتنامَت إلي عقله فكرة ، فعدى نحو كبير الحكماء بالقرية و طلب في تأدب : "أؤمر لي أهالي قريتك أن يشقوا طريقا بين الأعشاب و الأحراش بطول ٢٠ ميلا ، هذا ما أحتاجه لضمان خطتي للقضاء على الفيل".
صمت كبير الحكماء لوقت اختلفوا حوله ، ثم أنشأ يقول: " لك ما طلبت أيها الضبع ، سنشق لك الطريق ، و إن نجحت فإنني لمعطينك طعاما مديدا ، و حشية وثيرة لتنام عليها ، و بيتا منيفا بدلا من سكناك الأحراش ، فضلا عن مكافأة أخرى قيمة من عملتنا المحلية"
و هكذا شق القريون للضبع طريقا معبدة بطول عشرين ميلا و عرض ربع ميل ، تبدأ من القرية و تنتهي في عمق الغاب.
حينما اكتمل العمل ، و رضي الضبع عن اداء القرويين ، قال: " أحسنتم" ، ثم شرع في تنفيذ مخططه .
جرى نحو الفيل في الغابة و دار حوار:
الضبع: يا فيل.
الفيل: نعم.
الضبع: إنني عازم على مسابقتك ، و هزيمتك.
الفيل: لن تستطيع (ضاحكا)
الضبع: بلى ، استطيع.
الفيل: هراء، ثم ماذا لك من هزيمتي؟
الضبع: لأثبت أنك غير قادر على العدْو سريعا.
الفيل: ياللسذاجة (ثم شتمه)

انتهى الحديث أن اتفق الغريمان على التسابق في اليوم التالي ، في الطريق الممهدة الجديدة ، من الغابة باتجاه القرية.
ثم انطلق الضبع سريعا نحو جماعته من الضباع ، و عرض عليهم الآتي : أن يساعدوه على هزيمة الفيل في السباق ، و بما أن أهل القرية يخافون الفيل، فإن أول ما سيفعلونه عند رؤيتهم للسباق و الفيل يعدو نحو ديارهم ، أن يهربو تاركين القرية ببيوتها ، و طعامها ، و طيورها ، هنا يتسنى للضباع سرقة ما لذ و طاب من دورهم.
قال أحد الضباع: هاه ... يالك من احمق ، و كيف لك بمجاراة الفيل و هو اسرع و اضخم منك؟
رد الضبع: لأن كل منكم أخوتي سيختبيء في الأحراش بطول الطريق المعبدة ، و بعد كل ميل سيتم استبدال الضبع الذي يركض، بواحد جديد يخرج خفية من جانب الطريق ، و بالتالي سيتعب الفيل قبل أي منا ، و سيستمر في العدو طوال العشرين ميلا. بينما نحن نشطاء نتجدد.

فيل أفريقي يركض - الصورة من فليكر

أما من ناحية أخرى ، فقد كان الفيل يشعر بمرارة و غصة في حلقة ، قضى ليلة سيئة ، و كان يلوم على نفسه كيف أصبح الضباع يساوون أنفسهم به ، و كيف هان به الحال لهذه الدرجة ، و قال في سره أن وجوده و شرفه كـــفيل أصبح على المحك ، و أن لا مكان للهزيمة أو التراضي.

في اليوم المشهود ، كان الفيل و الضبع في أول الطريق بينما تلوح القرية في الأفق ، و انطلقا في جري مستمر. و كما كانت الخطة ، عند كل ميل كان يختفي الضبع المتسابق قافزا بسرعة في الأحراش ليحل محله ضبع آخر نشيط على الطريق. و هكذا استمر الفيل في الجري مدفوعا بجنون عظمة تاريخي ، و رغبة مميته في النصر.دون أن يلاحظ المتغيرات ، و المتغيرون.
و على اعتاب القرية ، كان الفيل قد هدّهُ التعب فسقط صريعا ، و هو يرى القرية أمامه كآخر مشاهد حياته الصاخبة.
حينها تجمهر الضباع و قد تأكدو من النصر، و توجهوا فورا للقرية طلباً لنفائس أهلها و بيوتهم.
و لكن ما أن وصلوا للقرية إلاّ ووجدوها خاوية على عروشها ، فقد هجرها أهلها أثناء السباق باحثين عن أراض أخرى أكثر أمنا ، حاملين - مع يأسهم - كل ما لهم من طعام و شراب و حيوان و نفائس ، و لم يعد فيها سوى السُدى.
تجمع الضباع حول الفيل الملقى أرضا، كان قد مات ، و لم يستفيدوا من الجائزة ، و لا من نفائس القرويين ، و لم يجدوا حتى من يشاركهم سعادة نصر سريع.

غادرت الضباع في صمت حلبة السباق ، مكملين حياتهم التي عهدوها. بدون يقين واضح حول أي الأطراف انتصر.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصة من موروثات الغرب الأفريقي ، ليس لها أي علاقة بأي وضع سياسي راهن ، و تذكرتها هنا بكثير جدا من التصرف.

١١‏/١٢‏/٢٠٠٨

بَرّه يُغني ، و العالم...

لم أضحك ، و لم أحزن.
فقط أصبت بنوع من الذهول . صمت قصير اعتراني بعد المشاهدة ، ثم أعدت المقطع من الأول و شاهدته مجددا.
ها هو ذا:



من يتابع كل حرف تنطقه ، سيعلم جيدا كيف وصل الشارع إلى هذا الحال.
من برنامج بسيط جدا ، و مسألة شديدة السلاسة كأغاني فريق البيتلز ، صنع البرنامج منها أكذوبة لتمر على المشاهد المسكين . و كنت أنا هذا المشاهد الطفل في حينها.
الحقيقة ، من يتابع جملة بجملة ، سيجد بذور قصص و ألفاظ و تلافيف إعلامية تستخدم في يومنا هذا على اسس أكبر كثيرا. و سيجد كيف تم نشوء فكرة " في العالم" كمعاكس للفظة " في مصر" ، و منه خرجت لفظة " بَرّه" الشهيرة ، كمصطلح يعني "العالم" ، تعبيرا عن عوالم لا نعرف ما يدور فيها ، و لن نعرف.
هنيئا لنا أننا في زمن لا نحتاج فيه ان "ندور في السوق" على أغاني البيتلز ، لأنه بضغطة زر ، يمكن مشاهدة افضل افلام البيتلز كاملا. و أفلام أخرى جيدة أيضا.
و لكن ، لا فكاك من تساؤل.
كيف تغاضينا حينها على ذلك؟ و كيف انطلى علينا؟
حقيقة لا أعرف.


١٤‏/١١‏/٢٠٠٨

كُنــا رجالة

بينما أقترب حثيثا من سن الثلاثين ، أجدها فرصة سانحة للتأمل ، و النظر إلى هذا العصر الذي أتيت فيه ، و كل تلك الأشياء التي مررت بها ، و مر بها جيلي بأكمله.
حاولت أن أجمع أهم الأحداث التي أظنها شكلت صورتي و صورة رفاقي ، و بالتبعية أوصلت الشارع إلى ما هو عليه الآن ، فكرت و تجاذبت الحديث مع الأحباء مليّا* ، فوصلت لأننا قد شهدنا:

- دخول التليفون المحمول
- دخول الدش والقنوات الفضائية
- قيام و انهيار حميد الشاعري
- انهيار فوازير رمضان
- دخول مصر كاس العالم
- ظهور أغنية دي دي
- صعود و انهيار البيچر
- وفاة ادوارد سعيد/درويش/محفوظ/وهاب/شاهين/سعاد/ زكي/الريس متقال
- ظهور و انهيار القصة الكابوريا
- قيام الاخوان المسلمين
- انهيار حفلات اضواء المدينة
- ظهور السيارة الهيونداي
- قيام و انهيار الأتاري
- ظهور الكوتشي اللي بينور
- ظهور المولات
- قضية فتاة العتبة
- قيام و انهيار وائل نور
- ظهور الزابادو كمشروب رسمي لطالب الجامعة
- انفصال بوسي و نور الشريف
- استقالات فاروق حسني
- انهيار العمليات الفدائية و ظهور العمليات الاستشهادية
- اختفاء محمد نجم
- زلزال ٩٢
- قيام و انهيار ظاهرة مطربي المهرجانات
- اختفاء الدكتور مصطفى محمود
- انهيار الحركات الطلابية
- بناء قاعة المؤتمرات
- قيام و انهيار نادي الشمس
- انتشار محلات السوشي
- قيام و انهيار الجرافاتات المشجرة
- ظهور الحجاب كزي رسمي لفتاة الجامعة
- قيام و انهيار سلاحف الننچا
- ظهور تامر حسني
- قيام وانهيار زكية زكريا
- ظهور السينما النظيفة
- انتهاء حرب لبنان
- ظهور و انهيار مطربي الموسم الواحد ( احمد جوهر/خالد علي/ نامق)
- اعتزال الفنانات
- غزو الكويت
- ظهور المشغلات الموسيقية المحمولة
- انهيار الحدائق العامة (الأورمان و المريلاند)
- ظهور تاكسي العاصمة
- طرد نصر حامد أبوزيد
- ظهور اللمبي
- تعديل الدستور
- اختفاء تقاطعات الطرق و استبدالها بملفات
- ظهور المدونات
- تحول الفاست فود لظاهرة شعبية
- قيام و انهيار مسلسل The Bold and The Beautiful
- نهاية شريهان
- قيام و انهيار محلول معالجة الجفاف
- نقل تمثال رمسيس
- ظهور السينمات متعددة الشاشات
- ظاهرة لولاكي/السلعوة/إغماء الطالبات الجماعي/السحابة السوداء/القطارات/التحرش
- قيام و انهيار اليوم المفتوح
- ظهور البرمجيات المفتوحة
- نقل الجامعة الأمريكية
- انتهاء زمن الڤيديو كاسيت
- اعتزال مديحة كامل
- اختفاء مشروبي : كراش و تيم
- انفصال فرقة ستوديو ٨٠ ، محمد صبحي و لينين الرملي
- بناء الفور سيزنز
- قيام و انهيار رباعي نوح
- استشهاد ياسر عرفات
- ظهور و انهيار القنوات المحلية
- ظهور السينما/المسرح/ فرق الموسيقى المستقلة
- قيام و انهيار رجل المستحيل
- قيام و انهيار عمرو خالد
- نهاية عرض الافلام الهندية بالسينمات
- ظهور خالد يوسف
- انتشار اللجان في الشوارع بعد ١٢
- اختفاء بقلظ
- ظهور مراقيا ثم مارينا. ثم قرية ماربيلا
- ظهور خدمات التوصيل، ثم الرقم الموحد
- عودة احمد رمزي و عمر الشريف
- ظهور قناة الجزيرة
- قيام و انهيار مطربة الاطفال نسرين
- ظهور ثقافة الفوز لدى الأهلاوية
- ظهور و انهيار عمو فؤاد و جدو عبده
- هدم كوبري ابو العلا
-اختفاء عايدة الأيوبي
- ظهور الأغاني المصورة
- ظهور الأكل الصحي و الاغذية الأورجانيك
- قيام و انهيار طارق علام و من بعده جورج قرداحي
- بناء شرم الشيخ
- الفنانة صباح

اظن أن من تسول له نفسه أن يكرر أن هذا الجيل أتى في أزمنة بلا قضية ، عليه أن يفكر مليّا.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تم تجميع القائمة بمشاركة رئيسية من الرائع عمرو ،القابع في بلاد الشمال ، المحب لدفء الوطن.

١٤‏/١٠‏/٢٠٠٨

مايونيز على المدينة

بنجاح ، أعترف أنني قاطعت التلفزيون بشكل كلي ، لا أفتحه مطلقا ، ولا علاقة لي بمسلسلاته و إعلاناته إلا فيما أراه لدى الأصدقاء او على المقاهي . و لكن لم أنجح - الحقيقة لم أحاول ابدا - في مقاطعة الراديو.
و لكني افكر في الأمر جديا الآن ، فقد حدث بينما أنا ضائع بسيارتي في حي الوراق ، أن سمعت إعلانا في الراديو بين الأغاني ، يقول الإعلان: " رنة تليفونك حلوه ، بس غريبة شوية! ، ليه؟ ما تحط رنات ألبوم محمد محي الجديد ، اتصل برقم ٠٩٠٠ ، إلخ".
بالصدفة كان معي في السيارة فتاة عملت في وظيفة " كرييتڤ" - هكذا يسمونها - في شركة إعلانات دولية لفترة ، و الـ "كرييتڤ" هو من يعمل في وكالة الدعاية - يسمونها "إيچنسي" - و يقوم بخلق أفكار للإعلانات ، و كتابة كلمات الأغاني فيها - يسمونها "چنجلز" - و يخلق صورة عامة للحملة و الوانها و مفرداتها - يسمونها "إميدچ".

قالت الفتاة: الكرييتڤ اللي عمل الإعلان ده ، بِيتارجِت (بيستهدف) شريحة الشباب اللي عاوزين يعملوا رنة طاقّة أو مختلفة.
قلت: و مالو؟
قالت: مالو ايه؟ كده أكل عيشهم حيقف كشركة رنات. هما عاوزين الناس تعمل رنات من الأغاني اللي بيعملوها.

فكرت مرة ثانية ، الحقيقة محتوى الاعلان مخيف فعلا ، فالمغزي الواضح هو " لا تقم بوضع رنة مختلفة ، لا تكن مختلفا ، استخدم محمد محي".

أصبحت أزداد انزعاجا في القاهرة في الآونة الأخيرة بينما اسير في الشارع القاهري لسبب رئيسي ، و هو أن المدينة أصبحت تحارب بشدة اي اختلاف فردي قد يطرأ ، هناك تواطؤ تام من المجتمع على "تقديس النمط" كما يتكرر ، و على منع أي محاولة للتفرد و لو علي سبيل الرنة.

لي صديق هولندي ، اعتاد قضاء وقت في مصر بشكل دوري لأسبابه الشخصية ، سألني ذات مرة إن كنت اعرف ما هو أكثر ما يكرهه في مصر؟
قلت: تحرشات الناس في الشارع بك كأجنبي؟
قال: هذه مقرفة ، لكن ما اكرهه فعلا هو" كوك دور".
"كوك دور" ، هو محل وجبات سريعة متعدد الأفرع ، لا آكل منه لأنني أعاف اللحم بانواعه .
قال لي: "كوك دور" يعبر عن مصر ، هم يقدمون عشرات السندوتشات ، لحم و دجاج و أسماك ، و كلها مغروقة في التوابل ، و المايونيز و الكاتشب معا، وعادة الجبن ، و الخيار المخلل ، و بالكاد تشعر بما تأكلة ، المهم انه ذو طعم قوي ، و هذا الطعم يكاد يكون هو طعم أغلب الأكلات. و يسود فوق نوع محتوى الساندويتش الاصلي الذي من المفترض انه شخصيته.
كنا نسير في وسط المدينة ، "طبق المعادلة على الشباب" قال: "الشباب يرتدون تيشرتات بترتر يلمع ، اينما تنظر ستجد شابا يرتدي منه."
".. و الفتيات يرتدين حجابا مبهرجا ، ملونا ، صاخبا ، انظر حولك. وأحذية فضية" - لم انظر ، فقد كنت اعرف -.
تذكرت صديقي هذا ، في العيد الماضي ، في مشهد بديع حينما كانت كل فتيات ميدان التحرير الهاديء صبيحة العيد ، يرتدين لونين: الأخضر الفسفوري ، و الأصفر الفاقع.
سألت نفسي : كيف أحببن جميعا ان يتشابهن مع الأخريات ، كيف هذا الهوس الرهيب بالانخراط في موضة سريعة ، اوقف عقولهن عن التساؤل حول إن كانت حقا تريد ان تكون كالأخريات؟ أو هل لها خيار فعلا؟
بالمناسبة ، عندما قلت كل فتيات الميدان ، فلم أبالغ ، أعني بالحرف الواحد :كل فتيات الميدان.
جولدن ڤرچينيا ، تبغ ادخنه كلما تعكر مزاجي ، و لا أتخيل هذين اللونين
مجتمعين في أي صورة ، عدى هذه العبوة.
لو فكرت في الفنون الشعبية ، و لا اقصد بالشعبية السيرة الهلالية ،أو شعبان عبد الرحيم، و لكن أعني الفنون التي يستهلكها الشعب يوميا كالأغاني ، و أفلام الصيف ، فسنجد أن هناك رغبة عارمة في التصدي لأي نوع من التفرد أو الاستقلال ، ربما هو خوف من المغامرة و الركون للمألوف ، لكن لا أنكر ان هناك أيضا نوعا من القمع من السلطة - مؤسسات حكومية و شركات عملاقة - لوأد أي تفكير خارج الصندوق خوفا من أن يقوض ممالكهم المستمرة و القائمة على إبقاء الحال على ماهو عليه.



هناك شركات بعينها- لا تتعدى اصابع اليد- تتحكم في سلوك جمهور المنطقة اكثر من حكوماته.

و في هذا الصدد و أذكر صديقا لي ، هو ملحن مبتديء ، لحن أغنية لحنا جذابا ، و فكر أن هذا اللحن مناسب لصوت مغني لامع جدا ، عانى صديقي هذا كثيرا حتى فاز بموعد مع النجم الاسطوري ، و أسمعه الاغنية.
اعتذر المطرب بلباقة و قال: " الأغنية اعترف انها حلوة ، بس جديدة قوي ، مش شبه أي حاجة سامعها.." و كانت هذه حجته - صادقا - لرد صديقي خائبا.
يعمل صديقي هذا الآن مدرسا في دولة الكويت. و الحقيقة هي نفس وظيفة والده من قبله.
و الحق ان الفتى بذل جهدا دؤوبا ليصنع لنفسه تاريخا مغايرا ، في بلاد تقدس التكرار.
و تكرار التكرار.

١٢‏/٠٩‏/٢٠٠٨

غير صالح للعرض


لم يكن بوسعي تجاهل فيلم كهذا ، و رغم أنني أحاول قدر الإمكان تجنب الكتابة عن الأفلام ، لأسباب عدة ، إلا أنني أشعر بواجب ما تجاه هذا الفيلم العراقي.
فيلم "غير صالح للعرض" - "Underexposure" .
بظروف مرتجلة ، وجدتني ضمن بعض من الأصدقاء ، و مع أحدنا نسخة وحيدة من الفيلم على دي ڤي دي ، ربما هي الوحيدة بمصر ، لا أعرف . و لكن قمنا بتدوير الفيلم ، و مشاهدة السبعين دقيقة الأخاذة بلا حراك.


لا أريد أن أروي شيئا عن الفيلم ، فهو لا يروى ، و حالتة السحرية لا تختزلها كلماتي هنا ، و لكن يمكن اختزال تاريخ عمل هذا الفيلم النادر.
الفيلم قام بعمله ٧ شباب من هواة السينما بعيد سقوط نظام البعث ، كان مخرجه "عدي رشيد" قد عمِل علَى تسجيليٍ في عهد صدام ، و حينما قامت الحرب تم قصف معمل التحميض ، ففقد عدي فيلمه في رماد الحرائق البغدادية.
بعد سقوط النظام ، قرر مع اصدقائه عمل فيلم جديد روائي هذه المرة ، و حينها حاولوا العثور على خام التصوير ٣٥مل ، و لكن بعد بحث كان كل ما عثروا عليه هو الأشرطة الخام مكدسة في المعمل منذ ما جاوز العشرين عاما ، و كان يستحيل استخدامها.
قام عدي مع مدير تصويره "زياد تركي" بمراسلة شركة كوداك ، التي أفادت باستحالة استخدام هذا الخام القديم ، فقاما بعمل تجربة طولها ٥ دقائق ، و نجحت ، حينها ردت كوداك أنها ستقوم يتحميض و طبع الفيلم كله على حسابها طالما كان باستطاعتهم القيام بمغامرة كهذه ، حينها بدأ العمل.
كان الفريق مكون من ٧ من الهواة تقريبا ، مدير التصوير - أكبرهم سنا ، وصاحب أبدع لقطات شاهدتها منذ سنوات - لم يمارس التصوير السينمائي من قبل ، و كان مصورا فوتوغرافيا في زمن البعث، و استعان بكتب مصرية مبدئية حول التصوير السينمائي ليقوم بذلك ، و المخرج لم يكمل تعليمه السينمائي ، و المؤلف يكتب للمرة الأولى ، المؤسف أن إثنين من هذا الفريق لم يعودا بيننا الآن ، كل منهم قضي في ويلات الحرب.



مؤلف الفيلم يقوم بدور رئيس فيه


من كواليس الفيلم


قام الفريق بتصوير الفيلم كاملا ، و ليس لديهم أية فكرة إن كانت أي علبة من علب الخام ستخرج صورة ، أو أيها سيكون تالفا تماما ، و الأغرب أن هذا الفيلم تمت كتابته أثناء تصويره ، فتتغير القصص و تتحرك تبعا لما يصور ، أو صور سابقا.
وهذه نفسها هي قصة الفيلم ، قصة شباب صورون فيلما مرتجلا مغامرين بكل ما يملكون من مال ، و روح. فالوضع في بغداد شديد الخطورة بالذات على سينمائيين يطوفون بالكاميرات.
يقول جزء من الحوار - كما أذكره - :

المصور: هاذا خام صارلو ٢٠ سنة مخزن ، يعني مبدئيا إنسى الألوان ، كونتراست ماكو.
المخرج: و انت بتشوف كونتراست بالشارع؟ كل شي Under

لا أعرف لماذا اتفق تماما من هنا في القاهرة.

الفيلم أعتبره من أكثر الأفلام التي شاهدتها في حياتي صدقا و بلاغة ، صناعه لا يخافون أن يقولون عمّا يخافون ، صراحتهم تجاه ما يفعلون و ما يعرفون تجد طريقها لقلب المشاهد و تأسره منذ اللقطات الأولى.

قابلت أحد صناع الفيلم في إحدى السفرات ، أخبرني أنه عند تحميض الفيم في المانيا وفقا لوعد شركة كوداك ، سمع بالصدفة عن المشروع المخرج الألماني طوم تيكڤر ، مخرج الفيلم الأشهر Run Lola Run ، تحمس للتجربة ، و قرر السماح لهم بالقيام بأعمال المونتاچ و الصوت في شركته الصغيرة ببرلين ، و قد حدث ، و الأغرب أن في أحد مرات مراجعة الفيلم في المعمل قام بمشاهدة لقطات منه الموسيقار جابرييل يارد - الحاصل على الأوسكار عن فيلم المريض الإنجليزي - و قال أنه مستعد لعمل موسيقى الفيلم بشكل تطوعي ، و سيقوم بتسجيلها على حسابه الخاص ، و سمعت أن المخرج أرجع الموسيقى ثلاثة مرات ليارد لأنه لم يرضى بها ، قال له يارد مداعبا: سأعيد تأليف الموسيقى لك كيفما شئت ، و لكن ضع في اعتبارك أن كل مرة تسجيل تكلفني ٢٠ آلف يورو للأوركسترا!
الفيلم بالكاد موجودة معلومات عنه علي الشبكة ، و لا توجد أي مقدمات دعائية أو ڤيديو مبتسر منه ، باستثناء تتابع قام به شخص ما لصور من الفيلم ، و الحقيقة يبدو أنه بعد ثلاث سنوات من الإنتاج لازالوا يواجهون صعوبة ما في التوزيع. لذا لازال من الصعب العثور علي نسخ من الفيلم.


كنت أشاهد الفيلم مع "هـ" المخرجة المصرية التي طالما أحببت ما تقوم به ، بعد أن انتهي الفيلم - الذي كانت تعرفه عن ظهر قلب - قالت:
- شوف عاملين فيلم حلو ازاي و بإمكانات عاملة ايه؟ إحنا بجد لازم نتكسف.
و أظنها كعادتها على حق كامل.

المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO