‏إظهار الرسائل ذات التسميات نوستالچيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نوستالچيا. إظهار كافة الرسائل

١٢‏/٠٤‏/٢٠٠٩

من المُطلق

هو حطام بيت قديم .
ليس أكثر من ذلك ، كنت أفكر و أنا واقف على هذه الشرفة الواسعة ، ذلك السطح المترامي في وسط المدينة ، التي كانت يوما بيتا لأشخاص ما ، طمس التاريخ اسمائهم.
كنا نتحرك على ارضهم الخشبية ، ينفث صديقي الدخان في مكان كان يوما ممرا بين غرفهم ، ندردش في مربع كانوا يوما يجلسون فيه في الشتاء أمام مدفئتهم ، ليسمعون للراديو ، او ليقرؤن ، أو ربما ليمارسا حبا بطيئا في أكثر مكان حميمية لقلبي الزوجين صاحبا الدار. أو هكذا أتخيل.

كانت مدفئة لهما في شتاء قديم ما، و كانت هذه غرفة للمعيشة

بينما كنا نسير ، كان صديقي يتحدث في محموله ، و اطفأ سيجارته على الارض ، فكرت في ربة البيت ، قلت : أظنها كانت تدخن ، لدي شعور بذلك.
تحولت سيرا لأقف فيما كان يشبه الشرفة ، أو ما تبقي منها ، انظر للمدينة المترامية الأطراف أمامي ، آلاف اللواقط التليفزيونية ، كلا ، انها ملايين و ليست آلاف. تبدو غريبة جدا ، قلت له أن يعطيني سيجارة ، ففعل مستغربا.
سار بعيدا يتفقد شيئا و تركني ، حاولت الفكاك من النوستالچيا و لكن لم استطع ، كان أهل البيت في كل مكان هنا، أراهم ، أدرك كم أحبا المكان ، و أدرك كم أحبا بعضهما جدا لوقت طويل ، هو أمر استشعره تماما هنا .. هذان اللذان لا أعرف لهما إسما أو تاريخا أو ملة .
قلت في نفسي : الآن ، في هذا الهدوء ، لقد واراهما تراب مقبرة ما ، في القاهرة أو في بلد متوسطي آخر ، ربما امريكا او كندا ، ربما لازال أحدهما حيا يحن لبيته هنا يوما.. و لكن الزمان أتى و عصف بكل تفاصيلهما ، كل الأشياء التي حدثت ، كل صغائر الأمور ، تلك التي ظناها هامة و حاسمة لمصائرهم ، تلك الأزمات التي بكياها في ليال موجعة ، تلك الغصات الموجعة في الحلوق لأسباب عابرة ذوت الآن ، و لم يعد لها وجود.
كل قبلة اختلست هنا في هذا المطبخ ، كل مرة عاد رب البيت من الخارج و - ربما - كذب علي زوجته بشأن أمر ما ، كل لحظة خانها بجسده او بفكرة حمقاء -او جميلة- امتلكها ، كل مرة خانته ، كل مرة قال كاذبا أن الطعام جيد ، كل مرة تشاجرا لأنه لم يستمع لها جيدا ، كل مرة تضاجعا علي هذا المقعد ، او فعلاها فور دخولهما من هذا الباب للبيت و من دون أن ينطقا بكلمة ، أو ربما في هذا الحمام الذي لا زالت الوان القيشاني هي أكثر مربعات الشارع كله بهجة، كل هذه الأشياء رحلت الآن ، اصبحت نسيا منسيا ، تفاصيل صغيرة ، مرت بين السنوات العابرة ، و بقي ما يثير الخيال لذكراها.


جزء من حائط الحمام لازال قائما

هذان اللذان كانا هاهنا يوما ، مرت حياتهما عليهما فقط ، لم تمر علي الآخرين ، مرت في داخلهما ، و سرت بين حوائط هذا البيت ،و لكن لم يستمر البيت كما أرى ، و لا أعرف عن الحب ..
لا أعرف إن كانا قد كرها بعضهما في النهايات ، أو ربما كرها بعضهما في البدايات ، لا أعرف هل أختارت هي ورق الحائط و لون الستائر أم اختارهما لها ، لا أعرف إن كانت شاركته حياتها حقا و لا أعرف إن كان قد شاركها حياته أيضا ، فأنا لا أعرف شيئا ، لا أعرف البيت الغريب ، ولا أصحابه الغرباء ، قالوا لي زوجان يونانيان ، قالوا لي اسرة قبطية ، و قالوا لي امرأه كانت عجوزا في أواخر الثمانينات ، و جُهل خبر زوجها .

ورق حائط غرفة المعيشة ، الذي طالما حافظا عليه

نعم ، لا أعرف الكثير ، كل ما اعرفه أن احداثهم التي مرت مؤلمة يوما ، هي الآن محض كلام عابر على مدونة لا يقرؤها الكثيرون ، و مدون يضرب بالغيب عن حياتهما منمقا كلماته قليلا.
و لكن ما أعرفه أكيدا ، أن هناك روحا ما في هذا الحطام مرتبطة بحب ذهب بلا رجعة ، مرتبطة بسعادة ما باغتت قلبا زوجين ، و ربما عبرا عنها بلغة لا اتحدثها من الأساس. أعرف أكيدا ان التفاصيل الأخرى قد تلاشت في عباب المدينة ، و لم يتبقى سوى ما يجب أن يتبقى : روح محملة حبا ، كنوع من المُطلقات.
أدرك في هذا المكان أنهما كانت لديهما فرصة يوما أن يتحابا .
و أحب أن أتخيل أنهما لم يضيعاها ...



٢٥‏/٠٢‏/٢٠٠٩

التعلُّم

لاسباب جغرافية و مادية بحتة ، لم أحظ في تعليمي الإلزامي بالدراسة في أي مدرسة غير حكومية - باستثناء سنة في مدرسة خاصة انتقالية لا أذكرها كثيرا - حيث كنا نعيش في مدينة ساحلية صغيرة في الثمانينات - مرحلة الابتدائية - ، و كانت بالمدينة مدرستين لا ثالث لهما ، كلتاهما خاضعتان للوزارة.
الأولي في قلب المدينة ، و الثانية تطرفت في ضواحيها، و بالتالي كان قدري أن قضيت مراحل الابتدائية و الاعدادية و جزء من ثانويتي فيها. الأمر الذي اختلف عني فيه أخوتي و أخواتي الأصغر حينما تم افتتاح مدرسة خاصة تعلم الانجليزية في سنوات لاحقة ، و كانت لمدرستهم هذه توجه اسلامي مريب، فلم نكن نعرف حينها مدارس تحفظ القرآن إلا الأزهرية ، و تخرج فيها كل أخوتي و أخواتي فيها ما عداي لأنني أكبرهم.

أسوق ذلك مفتتحا ، و ابطالا لسؤال مكرر يأتيني من المرور على المدونة ، و الضاغطين على زر الدردشة ، و السائلين إن كنت قد درست في أوروبا ، أو أنني مجرد خريج آخر من الجامعة الامريكية ، و أجهل تماما سر هذا التصور الذي تكرر كثيرا فعلا. ولا أجد له مبررا سوى أنني أضع وصلات لأغان غربية. خاصة مع ضعف أعتقده في انجليزيتي و اسبانيتي و مؤكد عربيتي أيضا.

الصورة من فليكر


مدرستنا هذه كانت رائعة المعمار ، ممتلئة بالخضرة ، و تألفت من مجموعة مبان بطابقين ، و لها سقف عال جدا و مشمسة دوما ، و يقوم مستثمرو المدينة بأعمال صيانة دورية. و كنا جميعا نقود دراجاتنا للمدرسة صباحا ، فتجد صفا من عشرات الدراجات في مكان مخصص عند المدخل ، يشبه اماكن وقوف الدراجات بالعاصمة الهولندية كثيرا. و كان المدرسون يظنون - خطئا - أنني انطق عربية سليمة ، و ذلك لعادة تخليت عنها لاحقا متعلقة بتعطيش حرف الچيم ، كنت قد اكتسبتها من ثلاث سنوات دراسة أولى في بلاد النفط . و بالتالي جعلوا مني قارئا بالإذاعة المدرسية لسنوات . و باختياري رئيسا للفصل ، ثم رئيسا للكشافة حصلت على بضعة مزايا تافهة ، منها حذفي بشكل حبي من قائمة الحضور و الغياب اليومية في الفصل .

اليوم عادت إلي صور من هذه الحقبة الضبابية في عقلي الآن ، فتبدو تلك المدينة الأخرى بعيدة ، فلم تطأها قدماي منذ ١٠ سنوات ربما منذ عصور الثانوية العامة ، و ابدو انا نفسي ضبابيا كلما اجاهد لأراني شابا يركب دراجة عبر الحدائق ، في أمطار الشتاء . مرتديا منديل الكشافة ، و قبعة لا أذكر لونها ، أظنها خضراء.

مع الأحداث الأخيرة المرعبة ، أعرف مدى رداءة التعليم الذي حصلنا عليه في هذه المدرسة ، و إلي أي مدى أسهم هؤلاء المدرسون في خلق شباب جيلنا ،و الذين كانوا أصحابي الوحيدين و أثروا في أيضا ، فتكاد تكون حلقة محكمة الإغلاق على كل المدخلات و الثقافات التي تشربتها طفلا و مراهقا..لذا أحاول هنا تذكر أهم هؤلاء المدرسين ، و لسبب أجهله.



الصورة من فليكر


-مِس عبير-

لا أظن هناك شعور بالخذلان أقوى من أن يمتلك الطفل من المعرفة أكثر من مدرّسِه ، شعور بالعدمية و اللاجدوى في آن .
مس عبير ، كانت تدرس لفصول أصغر منا ، و لكنها كانت تأتينا في حصص "الاحتياطي" دائما. كانت الوحيدة التي ترتدي الإسدال بالمدرسة ، و كانت نصف مدرسات المدرسة هن فقط المحجبات في حينها.
جاءت يوما في حصة احتياطي ، و قالت أنها متعبة ، و اسندت رأسها و نامت على مكتب المدرس ، دقائق قليلة و فتحت أعينها ، و كأنما شاهدت رؤيا .
قالت: الحصة الاحتياطي مش حصة للعب ، لان الله سبحانه و تعالى حيحاسبني على الوقت اللي قضيته معاكم ، عشان كده ، لازم "تنهلوا من العلم" ، ثم وقفت و بدأت تكتب علي السبورة الآتي:
صلاة الفجر - ركعتان قبلها
الظهر - أربع ركعات قبلها
فهمنا أنها تكتب الصلوات السنن التي يجب أن نصليها ، و لكن ما فاجأني هو انها كتبت الآتي بالحرف الواحد.
سلاة الفجر - ركعتن قبله
سلاه الضهر - اربعة ركعة قبله
جعلت أبحلق في السبورة مشدوها بما أري ، لم أتمالك نفسي ، قمت و قلت : "يا ميس ، كل اللي حضرتك كاتباه غلط. ولا كلمة من دول بتتكتب كده."
انهالت علي بوابل من التوبيخ ، و طردتني من الفصل
و حتى الآن لم أعرف أبدا كيف كانت تدرس مادتها للفصول الأخرى. بإمكانياتها اللغوية تلك .


- أ. محب -

الأستاذ محب كان رجلا طبقيا جدا ، اول العام الدراسي سألنا أسئلة من نوع :
"مين باباه عنده عربية؟ مين ساكن في شقة و مين في ڤيلا؟ مين ساكن في الحي الفلاني ؟ مين اهلو بيتكلمو انجليزي ؟ مين معاه كلينكس في جيبه؟"
و بناء على ذلك قسم الفصل طبقا لاجاباته و رتب أماكن جلوس الطلبة.
و الحقيقة لا بد من القول أن المدرسة تلك كانت فقاعة اجتماعية ، لم و لن تتكرر ، فظروف المدينة الصغيرة أدت إلى أن أصبح اقطاعيوها و معوزوها يرسلون أولادهم لنفس المدرسة ، ففي نفس الفصل جلس أبناء دبلوماسيين ، و متعددو الجنسيات ، و أبناء مستثمري المصانع ، جنبا إلى جنب مع أولاد المزارعين و عمال نفس المصانع التي يملكها طلبة زملاؤهم.
و كان يحدث أن يعتذر طلبة عن الحضور لأنهم يعملون في الحقل في موسم ما يساعدون أهلهم في الحصاد ، في حين يعتذر آخرون عن الحضور لان الرئيس الفرنسي يزور مصانع عائلاتهم ، و سيرافقون ذويهم لمقابلته. هكذا كانت الأجواء.
عودة لمحب ، الرجل كان يضرب الطلبة بلا هوادة ، ولسبب ما - طبقي اعتقد - استثنى بضعة منا من العقاب المتعسف ، و كنت منهم.
كانت ممارسته الفضلى هي التعليق على الباب ، و علمت حينما كبرت أنها من ممارسات التعذيب باقسام الشرطة ، حيث يضع الطالب يديه من خلفه ، و يكون الحلق العلوي للباب بين ذراعيه و ظهره فيما تحت إبطيه ، مما يسبب حزا شديدا و ألما فائقا بفعل ثقل الجسم المعلق ، و كان إما يترك الطالب لوقت حتى يتأذى و يهتريء ما بين ساعديه ، أو يضرب باطن قدمه العاري أثناء ذلك.

لسبب أجهله ، زار محب دارنا بعد عدة من تخرجي - و أظنه أتى مع صديق لوالدي من المدينة القديمة - رفضت مقابلته و السلام عليه . غادر متأثرا ، لكنني لم أنسى بكاء الأطفال عاليا فوق الباب ليومنا هذا.


- أ. حسام -

الأستاذ حسام ، كان مدرس الدين و اللغة العربية ، و هو من ابتدع مقولة: السلام عليكم ، كتحية رسمية عند دخوله الفصل عوضا عن صباح الخير. ثم تبناها بقية المدرسون في المدرسة .
كانت حياتنا تتغير مع بداية التسعينات ، و نلمس المنحى الاكثر تشددا من الاسلام رويدا رويدا .
في يوم وقف الاستاذ حسام يحدثنا عن العادة السرية ، كان يتحدث عربية سليمة و ان كانت معدومة التأثير أو الكاريزما، قال من جملة ماقال: " هذه العادة حرام ، و من يدمنها سيضعف جسده حتما ، و يضعف بصره ، و تتكاثر الحبوب في وجهه ، و لن يعاود الانتصاب عند الزواج "
قال أحدهم (اسمه مكرم ، كتبت عنه سابقا ) : " يا استاذ انا بامارسها من سنة و ما بيحصليش اي مشاكل ، و بعدين مافيه متجوزين بيجتمعوا بزوجاتهم اكثر من مرة في اليوم ، هل بتظهر عليهم الأعراض دي؟"
قال أ. حسام: " يا مكرم لا تجاهر بالمعصية ، و تب إلى الله من هذا الفعل ، و إن كنت تقرأ أو تتابع احدث اكتشافات العلم لكنت عرفت أنه آثناء الجماع تكون فتحة قضيب الذكر مفتوحة عن آخرها ، فتدخل منها سوائل من مهبل المرأة ،هذه السوائل مليئة بالمقويات التي تعوض ما يفقده الزوج عند القذف"
همس مكرم في أذني بعد الحصة: " سيبك من اللي بيقوله ده ، ده كلام فارغ و مش علمي! انا باسرتن ٥ مرات في اليوم و باشيل حديد ، اصلا صحتي بتتحسن!"


- مس نجوى -

مس نجوى كانت محجبة حجابا يظهر أكثر مما يخفي ، فقد كانت في مرحلة الانتقال كسائر البلد . و كان الحجاب جديدا عليها و هي تشرف على العقد الرابع.
كانت تدرسنا الجغرافيا و كانت تنطق الاسماء بطريقة مؤسفة فتقول "كمبوتيشيا - Cambotishya" بدلا من كمبوديا ، و تقول حُمُّص بدلا من حِمص السورية ، و مرة كانت تؤكد لنا أن في كل دولة عربية مدينة بنفس اسمها ، مثل الجزائر و الكويت و تونس.
و من معارفي الضئيلة فكرت أن هذه استثناءات و ليست قاعدة ، بدليل أن ليس في مصر مدينة اسمها مصر ، عبرت عن ذلك ، قالت بلا تردد:" هو انت لما بتسافر القاهرة ، مش بتقول انا نازل مصر؟"
و كانت مقتنعة تماما.
السيدة عرفناها شديدة العنف أيضا ، كان لديها عصا تشبه رجل كرسي القهوة الخشبية السميكة ، أو هي حقا رجل لكرسي قديم ، غليظة جدا ، حتى ان الضرب بها على اليد لن يجدي كثيرا.
كانت تضرب بها على الرأس.وبشكل مباغت.
و حدث مرة أن نزف طالب من منبت الشعر في رأسه من جراء ضربة واحدة خاطفة.
أتانا بضمادة أعلى رأسه في اليوم التالي و بجواره أبيه واعداً المدرسة بان ابنه لن يكرر خطأه ، و طلب منه أن يعتذر لها ، قالت : "مش حاقبل اعتذارك ، بس من هنا ورايح تذاكر ، و نبقى نشوف"
الحقيقة هي ضربته ونزف لانه لم يعرف اجابة سؤال منهجي أبله.


الصورة من فليكر


على الرغم أنني أنا شخصيا كنت من أقل المتعرضين للعنف الجسدي ، أو اللفظي في المدرسة ، إلا أنه قد ترك في أثرا بالغا ، على الأقل الرؤية و التعاطي اليومي مع هذا الواقع .
و الحقيقة ، حينما يلقي مدرس بالطالب من الدور الثاني ، فإنني لا أظن في هذا العام - في المدرسة محل الحادث - سيصبح لتحصيل العلم أيه قيمة في نفوس الطلبة ، باستثناء تعاطيهم مع المدرسة كحلقة أخري في مسلسل الخوف اليومي ، سواء من الاسرة ، أو من الشارع ، أو من السلطة ، و القائمة تطول.


يقول پول سيمن ، مغني المفضل :

When I think back , On all the crap I learned in high school.
It’s a wonder I can think at all.
And though my lack of education Hasn’t hurt me none.
I can read the writing on the wall








الحقيقة أتفق تماما..




١١‏/١٢‏/٢٠٠٨

بَرّه يُغني ، و العالم...

لم أضحك ، و لم أحزن.
فقط أصبت بنوع من الذهول . صمت قصير اعتراني بعد المشاهدة ، ثم أعدت المقطع من الأول و شاهدته مجددا.
ها هو ذا:



من يتابع كل حرف تنطقه ، سيعلم جيدا كيف وصل الشارع إلى هذا الحال.
من برنامج بسيط جدا ، و مسألة شديدة السلاسة كأغاني فريق البيتلز ، صنع البرنامج منها أكذوبة لتمر على المشاهد المسكين . و كنت أنا هذا المشاهد الطفل في حينها.
الحقيقة ، من يتابع جملة بجملة ، سيجد بذور قصص و ألفاظ و تلافيف إعلامية تستخدم في يومنا هذا على اسس أكبر كثيرا. و سيجد كيف تم نشوء فكرة " في العالم" كمعاكس للفظة " في مصر" ، و منه خرجت لفظة " بَرّه" الشهيرة ، كمصطلح يعني "العالم" ، تعبيرا عن عوالم لا نعرف ما يدور فيها ، و لن نعرف.
هنيئا لنا أننا في زمن لا نحتاج فيه ان "ندور في السوق" على أغاني البيتلز ، لأنه بضغطة زر ، يمكن مشاهدة افضل افلام البيتلز كاملا. و أفلام أخرى جيدة أيضا.
و لكن ، لا فكاك من تساؤل.
كيف تغاضينا حينها على ذلك؟ و كيف انطلى علينا؟
حقيقة لا أعرف.


٠٢‏/١٢‏/٢٠٠٨

ديسمبر مرة أخرى

درجت على أن أتذكر ديسمبر بنوع من الأسى الخفي. بالنسبة إلى قد ارتبط دوما بالنهايات ، و ليست فقط نهاية العام الميلادي كما درج .
ديسمبر هذا العام أتى مختلفا. فطوال الشهر الماضي كان الماشي في ليل القاهرة يرى نجمتين شديدتي البريق ، تكادان تتعامدان في وضع يوازي خط زوال الشمس جهة الشمال.
هاتان النجمتان من أسطع أجرام السماء ، فهما كوكبي الزهرة ، و المشتري و قد اجتمعا في هذا الوضع النادر.

مع عشية غُرة ديسمبر ، أتى القمر هلالا ، حيث صادف بدء شهر قمري جديد ، و اقترب القمر من الكوكبين في السماء خالقين ابتسامة سماوية.
فهكذا اجتمع تقويمان ، اجتمعت ثلاثة اجرام ، اجتمع عيدان ، و اجتمع الناس على موائدهم لعيد الشكر.
هذه الظاهرة شاهدها اغلب سكان الأرض ، و إن اختلف البعض في كون القمر سيكوّن مع النجمتان وجها سعيدا أم حزينا.
للأسف كنت اعمل في غرفة مغلقة أثناء ليلتنا هذه ، حاولت الخروج للشرفة ، فاستعصت علي رؤية السماء من بين ظلال المباني، و تذكرت قصيدة صلاح جاهين.
لاحقا الليلة هاتفني اصدقاء ، مؤكدين أنها ابتسامة.

هكذا شهدوها في ، كاتمندو

ربما تهبنا هذه البسمة السماوية عاما قادما أفضل ، ربما تهبنا قدرة علي الابتسام في أيام تزداد إيحالا.
و ربما تمنحني شخصيا القدرة على النظر لديسمبراتي السابقة ، متذكرا هذه المرة شيئا مغايرا.
أو ربما هي محض مصادفة فلكية.

و نظرا لميولي الاكتئابية التي لا تتبدل، و كعادة مكتسبة ، أترك دامين رايس ، يغني أغنية سبتمبرية حزينة بعض الشيء ، لخلق توازن ما.



Damien Rice - I remember

٢٩‏/١١‏/٢٠٠٨

كيف لم ألاحظ؟

كانت هذه الناصية في الشارع الرئيسي هي منفذي علي العالم ، كنت لازلت مراهقا اكتشِف القاهرة لأول مرة ، فكنت أسير من بيت الأسرة لدقائق ، فأصل إلى ناصية الشارع العمومي ، أتجمع حيث الآخرين ننتظر إحدى المواصلات لشحن الجميع لقلب القاهرة. لهناك حيث مبان أقدم، و أشياء أكثر للتطفل ، و أناس آخرين للمشاهدة.
كنت دوما أستند على سور ڤيلا بنية اللون ، صغيرة لها حديقة مكشوفة لنا نحن المارة ، كانت قديمة بالنسبة للحي ، و بها بركة صغيرة تمتليء بالأسماك الملونة.
كنت بينما يتأخر الأوتوبيس أجلس على هذا السور القصير اشاهد الأسماك ربما لساعة من دون أن أكترث للوقت ، بعض المارة كانوا يلقون بفتات خبز من آن لآخر مطعمين الأسماك ، أعتقد أنني قمت بذلك مرة على استحياء ، القيت شريحة من كيس بطاطا ، لا أذكر بالضبط الآن.

سنوات مرت ، أصبحت لي سيارة ، و قل ارتيادي للمواصلات العامة ، ثم هجرت الحي نسبيا باستثناء زيارات عائلية من وقت لآخر ، و نسيت الشارع برمته.
منذ أيام مررت على بيت الأسرة ، و عدت بالمواصلات العامة من نفس المكان ، و بينما أنا واقف أنتظر تذكرت الاسماك ، فالتفت لأجد انني واقف أمام مبنى زجاجي كبير.
الحقيقة أن الڤيلا تم هدمها ، و انشاء مبنى إداري ما ، بزجاج أزرق و أخضر ، و هي قصة ممطوطة و مكررة.

ليس ما يشغلني هنا أن الڤيلا الجميلة هدمت ، و لا أتساءل أين ذهبت الأسماك ، لأنها كلها أصبحت أسئلة مترفة في ظل عالم شديد القسوة نمر به يوميا. و لكن ما يشغلني ، و يقلقني هو أنني خلال السنوات كلها لم ألحظ المبنى الجديد.
حتى و أنا واقف أمامه ، لم ألاحظه.
حتى بعد أن أصبح متعدد الطوابق ، لامع ، بموظفي أمن و كاميرات ، لم ألحظ أبدا.

لا أستغرب لماذا بيعت الڤيلا.
و لا أستغرب قدرتنا الرهيبة على التخلي عن الجمال .
لكن أستغرب أنني لم ألاحظ طارئا مثل ذلك ، و لهذا دلالة لا تسرني مطلقا. بل مقلقة إلى حد كبير.


١٤‏/١١‏/٢٠٠٨

كُنــا رجالة

بينما أقترب حثيثا من سن الثلاثين ، أجدها فرصة سانحة للتأمل ، و النظر إلى هذا العصر الذي أتيت فيه ، و كل تلك الأشياء التي مررت بها ، و مر بها جيلي بأكمله.
حاولت أن أجمع أهم الأحداث التي أظنها شكلت صورتي و صورة رفاقي ، و بالتبعية أوصلت الشارع إلى ما هو عليه الآن ، فكرت و تجاذبت الحديث مع الأحباء مليّا* ، فوصلت لأننا قد شهدنا:

- دخول التليفون المحمول
- دخول الدش والقنوات الفضائية
- قيام و انهيار حميد الشاعري
- انهيار فوازير رمضان
- دخول مصر كاس العالم
- ظهور أغنية دي دي
- صعود و انهيار البيچر
- وفاة ادوارد سعيد/درويش/محفوظ/وهاب/شاهين/سعاد/ زكي/الريس متقال
- ظهور و انهيار القصة الكابوريا
- قيام الاخوان المسلمين
- انهيار حفلات اضواء المدينة
- ظهور السيارة الهيونداي
- قيام و انهيار الأتاري
- ظهور الكوتشي اللي بينور
- ظهور المولات
- قضية فتاة العتبة
- قيام و انهيار وائل نور
- ظهور الزابادو كمشروب رسمي لطالب الجامعة
- انفصال بوسي و نور الشريف
- استقالات فاروق حسني
- انهيار العمليات الفدائية و ظهور العمليات الاستشهادية
- اختفاء محمد نجم
- زلزال ٩٢
- قيام و انهيار ظاهرة مطربي المهرجانات
- اختفاء الدكتور مصطفى محمود
- انهيار الحركات الطلابية
- بناء قاعة المؤتمرات
- قيام و انهيار نادي الشمس
- انتشار محلات السوشي
- قيام و انهيار الجرافاتات المشجرة
- ظهور الحجاب كزي رسمي لفتاة الجامعة
- قيام و انهيار سلاحف الننچا
- ظهور تامر حسني
- قيام وانهيار زكية زكريا
- ظهور السينما النظيفة
- انتهاء حرب لبنان
- ظهور و انهيار مطربي الموسم الواحد ( احمد جوهر/خالد علي/ نامق)
- اعتزال الفنانات
- غزو الكويت
- ظهور المشغلات الموسيقية المحمولة
- انهيار الحدائق العامة (الأورمان و المريلاند)
- ظهور تاكسي العاصمة
- طرد نصر حامد أبوزيد
- ظهور اللمبي
- تعديل الدستور
- اختفاء تقاطعات الطرق و استبدالها بملفات
- ظهور المدونات
- تحول الفاست فود لظاهرة شعبية
- قيام و انهيار مسلسل The Bold and The Beautiful
- نهاية شريهان
- قيام و انهيار محلول معالجة الجفاف
- نقل تمثال رمسيس
- ظهور السينمات متعددة الشاشات
- ظاهرة لولاكي/السلعوة/إغماء الطالبات الجماعي/السحابة السوداء/القطارات/التحرش
- قيام و انهيار اليوم المفتوح
- ظهور البرمجيات المفتوحة
- نقل الجامعة الأمريكية
- انتهاء زمن الڤيديو كاسيت
- اعتزال مديحة كامل
- اختفاء مشروبي : كراش و تيم
- انفصال فرقة ستوديو ٨٠ ، محمد صبحي و لينين الرملي
- بناء الفور سيزنز
- قيام و انهيار رباعي نوح
- استشهاد ياسر عرفات
- ظهور و انهيار القنوات المحلية
- ظهور السينما/المسرح/ فرق الموسيقى المستقلة
- قيام و انهيار رجل المستحيل
- قيام و انهيار عمرو خالد
- نهاية عرض الافلام الهندية بالسينمات
- ظهور خالد يوسف
- انتشار اللجان في الشوارع بعد ١٢
- اختفاء بقلظ
- ظهور مراقيا ثم مارينا. ثم قرية ماربيلا
- ظهور خدمات التوصيل، ثم الرقم الموحد
- عودة احمد رمزي و عمر الشريف
- ظهور قناة الجزيرة
- قيام و انهيار مطربة الاطفال نسرين
- ظهور ثقافة الفوز لدى الأهلاوية
- ظهور و انهيار عمو فؤاد و جدو عبده
- هدم كوبري ابو العلا
-اختفاء عايدة الأيوبي
- ظهور الأغاني المصورة
- ظهور الأكل الصحي و الاغذية الأورجانيك
- قيام و انهيار طارق علام و من بعده جورج قرداحي
- بناء شرم الشيخ
- الفنانة صباح

اظن أن من تسول له نفسه أن يكرر أن هذا الجيل أتى في أزمنة بلا قضية ، عليه أن يفكر مليّا.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تم تجميع القائمة بمشاركة رئيسية من الرائع عمرو ،القابع في بلاد الشمال ، المحب لدفء الوطن.

٢٧‏/١٠‏/٢٠٠٨

ِوحدة

هكذا سِرت وحيدا تماما ، في شارع متطرف نوعاً في وسط المدينة. كان الجو لا يزال رطبا بعض الشيء من أمطار البارحة ، و ضوء الأعمدة القديمة منعكس على الأسفلت المبلل ، كان الشارع ذهبياً خالصاً ، و كانت الساعة تقترب من الرابعة فجرا.
لا أحد في الشارع عَداي ، وقد تمر سيارة في العمق تقطع أفق الشارع الطويل.
و لكن كانت هناك موسيقى مستمرة ، منبعثة من آخر الطريق عالية تصدح ، لم تكن مزعجة أعترف ، هي شيء من مديح ربما .
سِرتُ .. فالموسيقى لا توحي إلا بتتبعها. و كان طريقي على أية حال.
وصلت لمحل كبير منير ، كان فرنا للخبيز ، و كان عماله يستمعون لياسين التهامي ، و يصفقون بإيقاع متكسر بينما يرتبون صَوانٍ سوداء ساخنة .
في المكان رائحة خبز طازج ، يخرج بخارها ليحلق في سماء الشارع و بناياته الأوروبية المتربة . التي تراصت على شرفاتها لوحات اطباء و محاسبون ، و لوحات كتبت بفرنسية أزمنة غابرة .
دخلتُ المحل ، سلمْت على الناس ، قلت أنني أحب التهامي ، فسلم علي آخر و سألني من أين أكون ، قلت "من القاهرة" بخجل لا اعرف مصدره.
هم من المنيا... تذكرت كم احب المنيا.
قلت في نفسي ، انني لابد ان اقضي نهارا على نيل المنيا الواسع قريبا .
اخذت بعض خبز يفوح بخارا ، نقدتهم ، و خرجت من المكان .. و في أذني ياسين التهامي لا يزال يكرر سؤاله لمعشوقه :

"أخذتم فؤادي وهو بعضي .... فما الذي يضركم إن كان عندكم الكُل؟"




وحدي قفلت نحو السيارة ، كانت بعيدة ، فكرت أنني ليتني لم آت بها ، أفضّل أن أترجل حتى بيتي ، و لكنني أسير الآن ، و الجو صاف . و التهم خبزا ذو طعم سكري بعض الشيء.
و بينما أنا على هذه الحال ، سمعت صوتا من ركن مظلم : بسسست .. بسسستت ..
و إذا بشاب قصير ، يرتدي السواد ، و له شارب منتوف ، قال : بطاقتك يا كابتن بعد اذنك.
دار حوار لا أذكره ، و لا أريد ، و تركته يرعى بسلام ، كما تركني هو لأعود في سلام ، و رجعت لسيارتي منطلقا بأقصى ما استطيع نحو البيت.
دخلت ، شاعر بوحدة نادر ما أشعر بها.
شعرت انني وحيد بكوكب موشك على الزوال. لا يفيدني الآن عشاق ، أو أصدقاء ، أو أحباب ، و لا أعرف لماذا.
و رغم أن ياسين كان لازال صداه في رأسي ، فقد دلفت لغرفتي ، نحو لاعب الاسطوانات ، و سمعت أكثر الأغاني وحدة مما أعرف.
ربما إن سمعتها أشعر بأنني لست وحيدا كما أتصور - قلت في نفسي - .
أخذ David Bowie يسري في المنزل . فكرت أنها أغنية مناسبة لنهايات الأشياء.



و إن كنت لا أعرف أية أشياء بالضبط .


"Am I sitting in a tin can
Far above the world
Planet Earth is blue
And there's nothing I can do
Though I'm past one hundred thousand miles
I'm feeling very still"

٠١‏/١٠‏/٢٠٠٨

نوستالچيا الجســر




كان الكوبري طويلا جدا ، حارا ، مكتظا بكل شرائح الأمة، و كنت اقطعه في اليوم مرتين.
حوالي ساعتين يوميا فوق الكوبري ، خلال اربعة أعوام . وحيدا ، لا شريك لي سوى سيارة قديمة متهالكة ، بلون طوبي باهت.
أحببت فتاة . و قدت منتشيا بها ، بطول هذا الكوبري ، و داخل ذات السيارة.
بكيت نفس الفتاة نهارا و ليلا ، وحيدا مستصغرا ، في نفس سيارتي المثابرة.
احببت أخرى ، و بكتني هي يوما إلى جواري ، في ذات الطريق ، و ذات السيارة.
ثم التقيت بأناس عشقتهم ، وودعتهم منها ، و ربما كانت آخر ذكرى لي في عقولهم ، ذكراي متحركا ببطء بسيارتي عالية الصوت في عباب المدينة.
شاهدت قصصا عدة و أنا اقود ، كتبت عن بعضها هنا ، و تجاوزت عن الكثير لاعتبارات ما.
تلقيت أخبارا عن مستقبلي ، و عن ماض دفنته ، في مقعد القيادة الحار عادة .
فقدت أحلاما إلى الأبد ، و بنيت أحلاما أخرى ، و أنا ممسك بهذا المقود الاسود الثقيل.
و على طريقة ميلودرامية اعتنقتها لفترة ، بدلت من توجهاتي ، و اعتنقت أفكارا بعينها ، و القيت بأخرى بعيدا بينما اقود فوق كوبري اكتوبر المزدحم ذاته.
هجرت شرق القاهرة ، و عشت في داخل المدينة ، قل التصاقي بالعربة ، ثم فضلت المسير أو ركوب المواصلات لأغراض بيئية بحتة.
تناقص اهتمامي بالعربة ، التي كثر عليها التراب في حيي الجديد العتيق.

و الآن ، وجدت انني متنازل عن سيارتي لشخص عزيز، تارك ماض كامل بداخلها ، تارك قدرتي على تذكر أحداث شكلت حياتي خلال خمسة أعوام ، سأقتني سيارة أخرى ، أقل ضررا بالمدينة ، و أكثر رفاهة و برودة ، معدنية بلا ذاكرة ، و برائحة مصطنعة مجلوبة من محطة بنزين تتشابه فيها الروائح ، و اشكال السيارات.

لماذا ترتبط الاشياء بتواريخها؟ و لماذا تتحول الأحداث إلى أنين شعري بعد سنوات؟

الصورتان من فليكر : ١ و ٢

لا أعرف لماذا أتذكر الأن يوم كنت في السيارة ذاتها ، مع صديق عراقي أوصله لبيته القاهري القسري
بدون سب سألني: هل تؤمن بالحياة ، أم بالشعر؟
قلت: أؤمن البحياة..
فالتفت لينظر نحو الشارع القاهري المزدحم ، و على وجهه أثر خذلان بسيط.


١٥‏/٠٣‏/٢٠٠٨

E.T. phone home

أنأى بنفسي ما استطعت عن الكتابة حول السينما ، أو الأفلام عموما ، و مؤخرا أحاول البعد عن المواضيع النوستاچية التي تشبعت بها صفحاتي التافهة هنا ، و لكني لم أجد مفرا من أن أكتب في الأمرين معا اليوم.

أتذكر أنا بعد صغير ، كنت أجلس مع أبناء أصدقاء اهلي ، و نتراص أمام جهاز التليفزيون ، لندير فيلما واحدا بشكل لا ينقطع ، و لازلت أذكر وجوه الأقران و هم يذرفون الدمع و هم يشاهدون هذا المخلوق الصغير ، و هو يحتضن إليوت ، و أظنني من حينها و أنا مهتم بالشأن السينمائي ، و أتابع ما يقع في يدي من أفلام.

الملصق الدعائي الأصلي لعام ١٩٨٢

إي . تى ، و إن كان واحدا من أهم ١٠٠ فيلم صنعت ، و أختير مكررا كواحد من أكثر الأفلام إلهاما في التاريخ ، إلا أنني لا أذكر كثيرا أنني قرأت عنه بالعربية ، و قلما مر عليه النقاد المصريون ، و حينما أقرأ عن كلاسيكيات السينما ، فإنها تبدأ المواطن كين ، و تعبر أوروبا لأفلام جودار ، و تروفو ، و تمر بأنطونيوني ، و إن أتت امريكا فسأقرأ عن كوبولا ، و بولنسكي ، و رجل كل العصور سكورسيزي ، و لكن ليس سبيلبرج ، أو چورچ لوكس .

إي تي ، يطمئن إليوت

في الحقيقة ، لا أظنني أعرف فيلما أكثر إحكاما من إي .تي ، بل و لا أعرف فيلما ملك هذه القدرة علي التأثير في مشاهديه ، و لا أعرف صانع فيلم من التاريخ استطاع بعفوية بالغة جمع ملايين الأطفال من سائر الثقافات ليسمرهم أمام فيلم قليل التكلفة عن كائن فضائي صغير الحجم ، و قبيح الهيئة .
قام سبيلبيرج بتصوير أغلب الفيلم من زاوية منخفضة ، و كأنها عين إليوت الطفل أو إي.تي ذاته ، بل و قام بتصوير المشاهد وفقا لحدوثها ، و لذا كان بكاء الاطفال في مشهد الوداع الأخير حقيقيا ، لأنهم شعروا بافتقادهم إياه.
مشهد الوداع الشهير
Come../Stay


يعرف الأخوة أن إيتي على قيد الحياة ، حينما تتفتح الأزهار بعد موتها.

إليوت يحرر ضفادع التشريح
Run for your life.. back to the river.

لا أعرف هل كون الفيلم يتحدث عن اطفال أو كائن من الفضاء ، و ليس عن الحلم الأمريكي ، أو أفكار مغرورقة الذاتية لمخرج إيطالي ، يجعل الفيلم أقل حظا في الكتابة حوله لدينا؟ فلقد ساءني دوما ترفع الكتابات العربية عن الكتابة عن أفلام أمريكية ضخمة الإيرادات ، و الاقلال من شأنها تارة ، أو محاولة قراءتها سياسيا تارة ، و كلاهما اسلوبان لا يرقيان للحالة العفوية لفيلم كهذا.
لقد صور المخرج حياة اسرة هجرها الأب - كما حدث مع المخرج في الحقيقة - و استخدم الكثير من تفاصيل طفولته كما هي ، بل و حتى اساليب التوبيخ بين الأخوة الصغار استعارها من اسلوب اخته الصغيرة ، و كون الفيلم مغرورقا في ثقافته الأمريكية ، فإن هذا لم يمنع أطفال في الخليج العربي ، و مصر من مشاهدة الفيلم و الضحك على نكاتهم ، و الحزن لاحزانهم ، و شراء دمية لإي تي في المنزل.
و قد عشت طفلا و أنا أشاهد درو باليمور ، و إي تي ينصحها :
"Be Good"
و قد كبرت الطفلة لتصبح بطلة واحد من أكثر الأفلام إيثارا لدي .
Almost Famous

حاول سبيلبرج اعادة استرجاع حياته طفلا بين أخوته

اعترف المخرج أنه قد استخدم نفس حيلة المصباح ليرفع درجة حرارته ، و لا يذهب للمدرسة

صور المخرج جيرة إليوت قريبة الشبه بجيرة طفولته ، ووصفها بعض النقاد بالسوداوية

و رغم أنه قد كُتِب كثيرا في الخارج عن الرمزية في الفيلم ، و تمت محاولات لاسقاط أبعاد سياسية و دينية عليه ، بل و اعتبر الفيلم نوع من الدعاية التبشيرية وفقا للبعض ، و قد أنكر سبيلبرج كل هذا .
و قد رأى البعض في الملصقات الدعائية نوع من الاشارة للوحة الخلق لمايكل أنجلو ، و قد رأى البعض في مشهد "قيامة" إي تي و بعثه من الموت إشارة أخرى لقيامة المسيح ، و رغم غرابة شكل المشهد إلا أن سبيلبرج ضحك لهذه الأفكار و قال:
"أمي تدير مطعما للطعام اليهودي ، ماذا ستفعل بي إن علمت أنني أقوم بدعاية مسيحية؟"


قيامة إي تي بعد موته للاطفال

إي تي يشفي جرح اليوت


مشهد الطيران الأشهر

أذكر مخرجا مصريا كبيرا مرة ، كان يشاهد أفلام التخرج في معهد السينما ، قال: الأفلام حلوة ، بس أنا مش عارف ليه باحس الأفلام أفلام ناس عواجيز ، مش شغل مخرجين شباب .
و الحقيقة ظللت أفكر في ذلك دوما ، فصناع الفيلم يتربون على مشاهدة كلاسيكيات أوروبية مضغها الزمن ، و أثبتت عدم قدرتها علي البقاء في ذاكرة الشعوب ، و تحولت لمتحفيات ، و لقاعات الدراسة ، وأما عن هذه القلة من الأفلام التي استطاعت النفاذ ، و عبور أجيال و ثقافات لتستمر و إلى الأبد ، يتم التغاضي عنها.

Home
يقول إي تي

كانا اليوت و اي تي متواصلان تماما ،عندما يودع اليوت جثة إي تي يقول
You must be dead, because I don't know how to feel. I can't feel anything anymore.


هل أظنني سأبالغ إن تجاوزت الأب الروحي ، و راعي بقر منتصف الليل ، و روما فيلليني ، و بيرسونا و أحلام كيروساوا و سائق التاكسي .. و اعتبرت إي تي هو أفضل الأفلام على الاطلاق في رأيي ؟.... لقدرته على التأثير في الملايين ، و المليارات لسنوات ، و تجاوز عنصر الزمان ، و المكان ، و تتفرد حالة القصة في عقولنا ما حيينا ، فضلا لجمال قصته ، و دلالتها ، و بنية شديدة الإحكام ، و جمال بصري أخاذ.

أو سأطرحه في صيغة سؤال: هل انعدام الرغبة في تقييم فيلم كهذا هو نوع من الاستعلاء الثقافي ، أم أنه يثبت أن غض البصر عن فيلم عن رحلات فضائية - مهما ارتفع مستواه - يعبر عن فقداننا لما قام هذا المخرج بعمل الفيلم من أجله:
وفقا لتعبيره:
Tolerancy


١٤‏/٠١‏/٢٠٠٨

أزمنة الحرب


-أ -
صديقة لي ، تدرس في الولايات المتحدة ، أرسلت لي منذ عدة أيام صورة لملصق وضع علي ثلاجة شقتها المشتركة مع طلبة آخرين
الورقة هي قصاصة لتحث قارئها على ممارسة حِمية غذائية أو ريچيم ما ، المدهش فيها هو المدخل الذي تنهجه هذه القصاصة ، تقول:


" إجعل أميركا فخورة أعداؤنا يريدون رؤيتنا ضعفاء ، و عاداتنا الغذائية تجعلنا نبدوا كذلك ،الناس
تأكل المزيد من الوجبات السريعة و ما شابهها .
الأكل الترفيهي و بالذات عندما تتناول الطعام الخاطيء
، يخلخل الحياة الصحية،و لا يترك لنا شيئا واحدا نقدمه لوطننا ، كلما كنا أقوي كأفراد ، كنا أقوى كأمة.

أندرو ويل "


كما هو واضح ، الورقة موضوعة علي ثلاجة في مدينة أمريكية في يناير ٢٠٠٨ ، ورغم أنها ليست من زمن النازية ، أو حتى الحرب الباردة، إلا تتكلم بوضوح عن : أعدائنا.
جعلني هذا أفكر في الدعاية ، و الپروپاجاندا التي كانت تطلقها الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية ، بالذات في بدايات الأربعينات ، و أتأملها ، أجد أن لغة الخطاب تقريبا لم تتغير بعد مضي ستون عاما.

هذا إعلان من صحيفة نشر إبان الحرب عام ١٩٤٤

الولايات المتحدة تريدنا أقوياء ،
تناول الأطعمة الطبيعية كل يوم

أن تقوم بريچيم غذائي لاسباب وطنية هو أمر شديد الطرافة في رأيي ، و لكن الأمر أثارني ، و جعلني أفكر في نوع الدعاية للحرب التي كانت تقدمها الحكومة الأمريكية لبسطاء الناس من مواطنيها ، و بالذات ربات البيوت ، و كيف تتلاعب بعواطفهم ، و ربما بآفاقهم المحدودة ، تاركة ميراث من تراث دعائي أظن أنه لا بد من التوقف عنده ، و إعادة قراءة المواطن الاعتيادي الامريكي من خلاله ، و كيف وصل الحال بعد ستين عاما ، لاستخدام نفس المفردات تقريبا مرة أخرى.
كانت هناك حملة ضخمة لحمل ربات البيوت على توفير الدهون المستخدمة في الطهي ، و إرسالها للجيش ليصنع منها النتروجلسرين و القنابل ، أما عن كيف أقنعوهن بالمشاركة في مسألة دموية كهذه ، فالملصقات تتفرد بالقصة.


ملعقة واحدة من بواقي الدهن
تؤمن ١٥٤٢ دانة مدفع سلمي بقايا دهون مطبخك الان


آخ من ربات البيوت الأمريكيات
"إنهن يردن الأمر صعوبة علي ، و على جيشي"
بواقي الدهون مطلوبة علي وجه السرعة ، احضرن ما لديكن الآ
ن



الموجود أعلاه هنا ليس خطابا حقيقيا ، و إنما اعلان في جريدة عام ١٩٤٢

"أمي العزيزة ، إن البارود الذي استخدمه هنا مصنوع من الجلسرين ، و الزيوت و الدهون التي تتبقى من بعد عمليات قليك و تحميرك تصنع الجلسرين ، هل من الممكن أن تحوشيهم من أجلي يا أمي؟ مجرد ملعقة واحدة كل يوم سوف تفيد ، و سلميها للجزار حينما تكتمل عبوة ، إن استمرارك في التحمير هو خير وسيلة لمساعدتي ، افعلى ذلك اليوم ، يا أمي.
محبتي ، چو"

لا تستمعي لكلام السيد تشكلجروبر (اسم عائلة هتلر) ، و في الرسم ينصح
هتلر ربة المنزل برمي الدهن ، لكنها تنهره ، و تشرح فائدة الدهن للقاريء ،

لن استفيض في الترجمة لتفاهتها المتناهية.


هذه هي المفضلة لدي ، يقول " مطلوب سم فئران" ، و يشرح كيف يستغل
الدهن لصناعة البارود لقتل الفئران (اليابانيون هنا)

و لاننسى حملة الورق ، حيث طلب من الأمريكان عدم اهدار الورق ، لحجة غريبة جدا ، أنه يستخدم كحلقات للطوربيد ، و لقذائف الطائرات ، لا أعرف جدوي ان يدخر الامريكيون الورق ،خصوصا بالنسبة لحرب كلفت الولايات المتحدة أكثر من ١١٢ مليون دولار يوميا بحسبة الأربعينات ، و قدرت التكلفة الكلية بـ ٢٨٨ مليارا ، و لا اعلم سبب تعمدهم للضغط على الشعب لتوفير الورق الذي غلفت به القنابل التي القتها الطائرات على المدن حول العالم في حرب حالكة.

يقول الاعلان: حلقات القنابل تصنع من الورق ، هناك نقص شديد فيه.


قراء هذه المجلة وحدهم بإمكانهم توفير ورق يكفي لصناعة
٥٠٠ باوند من القنابل ، و صورة لفتاتان توفران الورق
سؤال ، هل للصورة أي بعد جنسي خفي؟ أم أنها فقط إحدى مشكلاتي النفسية؟



- ب -
هناك أيضا إعلان غريب جدا ، عن موضوع أغرب ، و هو السلاح ، فطالما أننا قد تطرقنا لمسألة أن قذف الناس بالقنابل (مهما كانت دوافع الحرب ) هو أمر يستخدم دعائيا بدم بارد ، فهناك هذا الملصق البديع .
يقول:
"إن التاريخ الأمريكي كله قد بني و استمر علي يد حملة سلاح مدربين ، أولئك الذين يصوبون و يضربون أسرع و أدق من أعدائهم ... اليوم و نحن في عام ١٩٤٣ فإن أقل من ٢٪ من المجندين يعرفون أي شيء عن السلاح!”
علامة التعجب من لديهم ، و ليست من عندي
هذا الاعلان

و يستطرق قائلا "شارك سلاحك مع جارك" و برنامج لتعليم المدنيين فوائد حمل السلاح . طبع برعاية هيئة السلاح القومية ، إن آر إيه ، التي واجهها مايكل مور في فيلمه الشهير في الألفينات.

- جـ –
التوعية القومية تشمل عادة حشد الناس و تجنيدهم لصالح آلة الحرب ، إما ماديا أو على الاقل ذهنيا و هي غاية أساسية لحملات كهذه ،أقصد أن القاريء قد لا يوفر دهن البيكون ، و قد لا يعيد صحف النيوزويك و مجلات الكوميك ، لكنه حينها سيشعر بداخله أنه قد خان شأنا عاما ، و أنه قصّر بشكل ما ، و بالتالي يتم تحويله لداعم صامت للحرب ، و سيتكلم عندما تتفاقم الأزمة ، و ربما سيحِمل وزرها بداخله، لأنه لم يكن من المشاركين.

و قد حدث أن قامت الحكومة بتعيين علامات تجارية و ماركات بعينها و اعتبرت أن هذه الماركات داعمة للجيش الامريكي ، و هناك قائمة لا تنتهي من الملصقات تدعوا الشعب لأن يشتري أكثر ، و ينفق أكثر ليدعم الجندي علي الجبهة. و القائمة طويلة ، و لا مجال لذكر العلامات التجارية (التي اصبحت من اسس الصناعة الأمريكية فيما بعد).

الملصق لمحل ملابس ، يقول : الجندي يقوم بواجبه ، قم أنت بواجبك
ادعم الهجوم ، اشتري أكثر من المعتاد!


الفتاة المزارعة تقول : "إنني أدخر لأذهب للجامعة ، و لأشتري لپيت الرصاصات!”



هنا الملصق يخاطب المهاجرين الذين ينزلون لنيويورك - بملابسهم الشعبية - يقول:
"الغذاء سينتصر الحرب

لقد أتيتم إلي هنا بحثا عن الحرية ، لذا فيجب عليكم المساعدة في الحفاظ عليها
القمح مطلوب لقوات الحلفاء ، لا تهدروا شيئا"


و الاتي هو أغرب إعلان ، و الرجاء التدقيق
صورة لجندي أمريكي ينام مسترخيا ، و أمامه فتاة افريقية عارية الصدر تقوم بتهويته.


" كل شراب من شرابات إنترووڤن ، هو شراب جيد ، قد يمكنك أن تشتري هدية أغلى لوالدك في عيد الأب ، و لكنك لن تستطيع شراء شيء قد يخدمه بشكل أفضل"
لا أفهم.

- ختام -
حسب علمي ، مصر كانت موقع محوري للحرب ، و لا يمكن سوى أن نعتبر العلمين من المعارك التي حددت نهايات الحرب الطويلة . في العلمين وقعت معركتين بالمناسبة و ليست واحدة ، و لكن الثانية هي الأكثر تأثيرا ، و هي التي منعت الألمان من غزو مصر ، و بالتالي التحكم في قناة السويس ، و من ثم التحكم في بترول الخليج.
معركة العلمين الثانية كان اجمالي الجنود ٣٣٦ ألف مقاتل في بقعة واحدة ، و مصر كانت على مشارف المعركة ، و قد يتم اجتياحها في أي لحظة من قبل الألمان و الفاشست و ربما حلفاء آخرين في أكتوبر ١٩٤٢

و لكن بنظرة سريعة للمجتمع القاهري ، فقد كان هناك ذعر بسيط نسبيا بين أثرياء اليهود خوفا من النازي ، و عموما كان هناك حالة قلق و ترقب شديدة ، و لكن أبدا لم يتم تكريس مصر للحرب . و استمرت السينمات تعرض أفلام محمد كريم ، و توجو مزراحي ، و نيازي مصطفى ، و احمد جلال، و أحمد بدرخان ، و كانت القاهرة في وضع أكاد اوصفه بالعادي ، و لم تتاجر الحكومة بشعبها ، أو بعواطفه ، و هو الشعب الغني وقتها– اقصد قياسا لاجمالي الناتج القومي - و المنتج و المصدر، القادر على صنع اقتصاد قوي.
مرت الحرب الضروس الجارية على عتبات الدار بسلام ، و بالكاد شعر أهل الدار بانزعاج.
لا أعلم لماذا لم أجد ملصقات و پروپاجاندا مشابهة ضمن مجلات قديمة من اتي دأبت على جمعها.

عموما ، حتى لا أكون قد عرضت الجانب الأمريكي فقط ، فهذه دعاية مضادة من ألمانيا ، تصور الجندي الأمريكي الذي يحاول السيطرة علي العالم ، و لكن....

اليوم لا أنظر لهذه الملصقات كنوستاچيا أبدا ، يبدو أن الحرب قد استمرت وقتا أكثر بكثير مما ينبغي.
أكثر بكثير.

١٨‏/١١‏/٢٠٠٧

هؤلاء

المذكورين هنا لم أخبر عنهم أحدا من قبل ، لم أهتم لأمرهم ، و لم يكن هناك من يهتم ، و لازال... ـ


أكرم

كان أكرم هو أول ملحد تراه عيني ، فبينما كنت في الصف الثاني الإعدادي زاملني في الفصل ، أظنني حينها كنت في الثانية عشرة ، و كان يكبرني بعام ، زرت بيتهم مرة ، و وجدت لديه مكتبة كبيرة ، كانت تخص أباه الذي لم أدرك مهنته ، و أعطاني رواية لاحسان عبد القدوس . كنا لا نقرأ سوى الروايات حينها. و أطعمني جبنا أبيضا من دمياط بلده الأصلي ، و خبزا ساخناً.
بعد أسبوع كنا في المدرسة في حصة الألعاب ، وجدت زحاما حول مكرم ، عدوت نحو الزحام لأشاهد ، وجدته يلعب الكرة ، و لكنه استخدم مصحفا صغيرا جلديا من النوع الذي يغلق بسَحّاب.
كان يقوم بذلك مع صديق له آخر ، كان الأولاد و البنات يشاهدون في فتور ، أو ضحك مكتوم ، أما أنا فقد كنت لازلت ذلك الفتى الذي ورد حديثا من بلاد النفط ، فثرت و اغتظت و ثارت حميتي الدينية ، قطعت علاقتي بأكرم . ترفعت تماما عن محادثته بكثير من الفوقية ، و لم نتكلم لعام حتى تركت أنا المدرسة.

علمت السنة الماضية من صديق قديم قابلته صدفة أن أكرم قد أطال لحيته منذ أعوام ، و أن له نشاط و تحركات مع اتجاه اسلامي ما ، و أنه تنازل عن مكتبته كلها لصديق قديم بعد وفاة أبيه.


رحاب

كانت من فلسطين ، تسير في المدرسة بالحطة التقليدية على كتفها طوال الوقت ، كانت شديدة الفتنة و النضج ، طويلة ممشوقة كعارضة، ليست طفلة مثل الزميلات الأخريات. لم أعرف سنها ، فلم تكن لتحادثني أبدا.
كنت كثيرا ما أستمع من العديدين حول سلوكها الإباحي ، و ألفاظها الخارجة ، و علاقاتها المتعددة مع شباب المدرسة الأكبر.
حتى أتى اليوم الذي كنت ألعب الكرة في حوش المدرسة ، و طارت الكرة بعيدا لتسقط في مكان قصي في المدرسة ، جريت خلف الكرة ، و التقطتها ، و بينما أدور عائدا للعب شاهدت لأول مرة رحاب - في ذلك المكان القصي – جاثمة على ركبتيها و هي تلعق قضيب "صادق" ، أحد الزملاء.
و كانت هذه هي أول معرفتي بهذا التقليد الجنسي ، و أنا بعد ابن ١١ عاما ممسكا بكرة مهترئة ، و أتصبب عرقا.
شاهداني ، رفعت رأسها و نظرت نحوي .. ارتبكت أنا بشدة - كان فمها مبللا و شفتاها منفرجتان - عدوت نحو الحوش و أكملت اللعب ، و لم أخبر أحدا بما رأيت.

بعد سنوات كثر ، سمعت عن رحاب قصتين ، و كلاهما مؤكدتان بشدة ممن شاركوا فيهما، و تنتهيان نفس النهاية ، الأولى أنها عرفت طريق الفضيلة و ارتدت الحجاب ، و أخذت في نصح فتيات المدرسة لارتدائه ، و أصبحت من أشهر فتيات المدرسة خلقا و علما ، ثم رحلت عن مصر بعد عام لأهلها في الضفة.
أما الثانية ، فإنها لم تترك طريق الإنحلال ، و كانت لها علاقات مع فتيان و فتيات ، و أنها لم تكن تتحرج من إقامة علاقات ثنائية و ثلاثية في الفراش ، إلى أن ذاعت شهرتها بشدة ، و احتجزت لليلة في القسم ، فآثرت الرحيل عن مصر بعد عام لأهلها في الضفة.



صادق

صادق كان أكبرنا ، فقد ظل يرسب بشكل متواصل حتى عرفته في الصف الثاني الإعدادي ، و كان حازم أخيه الذي يصغره بثلاث سنوات و أكثر زميلا له في الفصل.
كان ضخم الجثة ، يربي مؤخرة شعره كعادة شباب نهايات الثمانينات ، و يرتدي قميصا مفتوحا حتى في أكثر أيام الدراسة برودة ، مظهرا سلسلته الذهبية الغليظة.
أذكره شديد الغلظة ، سليط اللسان ، عنيف الجسد لأبعد الحدود ، و حدث أن تطاول على الكثير من أفراد العصبة التي جمعتنا جميعا ، فما كان منا إلا أن أنقلبنا عليه ، و كانت مشاجرة ضخمة انتهت إلى و جود الناظر في الفصل و هو واقف بجوار صادق الأكثر طولا منه ، سألنا الناظر عن الأزمة ، و لأول مرة استخدمنا ما نعرفه ضده ، و أخذ كل فينا يتحدث عن أسرار عرفها عن صادق ، بدءا من تدخينه ، لإشعاله الحريق في سجلات المدرسة ، لأمور عدة ، بل و حتى أخاه حازم ، أفاد بشهادات ضد صادق.
قال الناظر : تعالى معايا المكتب يا صادق.
سار صادق خلفه برأس مطأطيء و هاديء كما لم نعهده ، و ظل ينحني ، و ينحني بينما يتبع الناظر للخروج ، حتى أتى قبل باب الفصل و إذا به ينفجر باكيا و يسقط على الأرض غير قادر على النهوض.
صورة صادق بجسده الضخم على الأرض منتحبا لم تفارق بالي أبدا.

كان صادق من القسوة بمكان أنه عندما ترك المدرسة قطع كل علاقاته بكل من عرفه. و لم أقابل انسانا واحدا يعرف ما آل إليه الفتى.

موتسارت مراهقا

درناوي


عندما أقرأ عن عبقرية موتسارت ، لا أتعجب كثيرا ، فلقد عرفت في طفولتي و مراهقتي معجزة مشابهة ، كان الدرناوي ، طفل من أسرة راقية في هليوبوليس ، يعزف ستة آلات باحتراف ، و صاحب أفضل قدرة علي التحليل الموسيقي شاهدتها ، و لم يدرس الموسيقى أبدا ، علم نفسه القراءة الصولفائية و التدوين و الهرمنة ، و هو ابن ١٣ عاما ، بلا كمبيوتر أو انترنت ، فقط كتب عديدة مصورة من مكتبة السفارة الامريكية ، كان ذو قدرة مدهشة على عزف أية أغنية يسمعها بكافة تآلفاتها الهارمونية ، أي تتابع الدوائر في التوزيع و خطوط الآلات ، و ليس اللحن الاساسي فقط.
و أذكر أنه كان يعزف كافة خطوط مقدمة أغنية "سپانش كراڤان" للدورز و كأنه فرقة كاملة ، علما بصعوبة المحتوى الكونرابنطي و الهارموني لها بالنسبة لطفل (أو بالغ) . و ربما يكون المواطن الوحيد الذي كان يحفظ مؤلفات باخ سماعيا ، و يؤديها كعازف بيانو عتيد.
درناوي كان ضحية أزمة عائلية و انفصال في الاسرة ، و رغم ظروفه المادية المتيسرة إلا أنه راح عرضة لاكتئاب شديد ، و قضى أشهرا يعزف الموسيقى وحيدا في غرفته المظلمة ، حتى أقنعته بالخروج ، و الانضمام للاصدقاء. و لكنه لم يستمر كثيرا.
أسر لي بعد عام أنه يحب فتاة ما ، كنت أعرفها ، و أعرف أنها تحب شخصا آخر .
أخبرته ، فازداد سوداوية ، و عندما اشرف على الخامسة عشرة كان مدخنا محترفا لكافة أنواع المخدرات.
و كان يدخن المخدرات منذ بداية يومه بلا انقطاع.

قابلته بعد ٤ سنوات ، لاحظت تركيزه قد ضعف جدا ، و أن يده ترتعش، بدون أن أسأل عرفت أنه هجر الموسيقى.

أما الفتاة التي أحبها سِرّا لسنوات ، تركت حبيبها الكلاسيكي لاحقاً – ذلك الذي حسده برماوي لسنوات - ، ثم تزوجت شابا اسطوريا في غضون أشهر ، و لم تصبح أي شيء يذكر .
هو قد سألني عنها في لقائنا الأخير.
أخبرته أنها تنتظر مولودا.



يوسف

عندما دخل صدام الكويت ، حدث أن كانت العديد من الأسر المصرية تقضي أجازاتها ، و منها أسرة يوسف ، التي وجدت نفسها فجأة مضطرة للبقاء في مصر و إلحاق يوسف بمدرستي ، بل و فصلي تحديدا.
كان يوسف شديد الوسامة ، و اللباقة ، و كان ماهرا في كل شيء ، من الخط العربي ، للإلقاء ، لمداهنة المدرسين ، للغات ، بل حتى في استمالة الفتيات ، و أتت أزمتي الكبرى حينما علمت أنه رشح نفسه رئيسا للفصل ، و هو المنصب الذي كنت أحتله طوال ثلاث سنوات.
و لم يكن غريبا أن ينتخبه الفصل كله ، و هو الفتى الجديد ، و أذكر أنني حصلت علي صوتين فقط.
في هذا العام ، أتاني و طلب مساعدتي في رسم لوحة ضخمة كتب عليها :
Free Kuwait

الصورة التقليدية للأمير جابر الصباح

قمنا سويا برسم لوحة كبيرة ، وساعدته بكل ما عرفت ، و خرجت لوحة عملاقة ملونة و جذابة.
و في اللحظة التي باشرنا بتعليقها في مكان مميز في المدرسة ، مر الأستاذ / جمال ، و سألنا أن نحضر اللوحة ، و نأتي بها إلى غرفته.
ذهبنا في توجس ، فإذا بالاستاذ جمال يحدثنا عن فجور أهل الكويت و استحقاقهم لمصابهم ، و عن عروبة صدام و نخوته ، و عن خيانة الحكومة المصرية للإسلام ، و أنهم يقفون مع الغرب الكافر و يزهقون أرواح جند العراق المسلمين ، و منعنا من تعليق اللوحة أو فتح الموضوع.
و صادرها بحدة.

بعد أقل من عام حررت الكويت ، و عاد يوسف و أهله للكويت ، و لم يكن باستطاعتي أن أكون رئيسا للفصل من حينها أبدا.
أما الاستاذ/جمال ، فقد قبضت عليه السلطات بعد عام ووجهت له تهما علي خلفية اغتيال فرج فودة ، قيل أنه هو من سرق الموتسكل المستخدم في الجريمة.




هبة

كانت لي عصبة من الأصدقاء ، عرفوا بالخبث و القسوة مع الجميع ، ففي المدرسة الإعدادية لابد أن يكون للمرء عزوة ما ، و إلا سحقه تجمع آخر، و كانوا يعاملونني بندية ، رغم هجراني لمنطق العنف ، و بعدي عن الشجار ، إلا أنهم كانوا فيما يبدو يفضلون أن يكون أول المدرسة و رئيس الفصل – شخصي الضعيف - من بينهم.
كانت في الفصل فتاة تدعى هبة ، كانت شديدة الضآلة و الصغر ، وجهها ملائكي و أصفر ، و لها لذغة في الراء و ربما اللام ، و كانت بسبب ضعفها الجسماني كثيرة الغياب و انطوائية لحد كبير.
كانت هبة قد بدأت تحدثني من وقت لآخر لأسباب تعليمية بحتة ، و كنت أساعدها أحيانا ، و كثيرا ما قضينا وقت الفسحة سويا، و كان الأصدقاء يجعلونني عرضة لتندرهم لاختلاطي بهبة الفتاة المضحكة الصغر ، دوناً عن بقية الفتيات .
و مع سخريتهم المستمرة ، و ربما اتقاءا لهم ، وجدتني أتغير في معاملة الفتاة واضعا حدودا كثيرة ،و وجدتني أسخر منها أحيانا.
لم أكن أعلم أنه سيكون لطريقتي أي مردود على الفتاة ، لكنها أخذت تبكي بلا انقطاع لمدة أيام ، جاءت فتاة أخرى من الفصل أسمعتني توبيخا شديدا أمام عصبة الاصدقاء ،سيل من الكلمات المسيئة حول سلوكي ، و لم تنتظر ردا، فقط التفتت و رحلت.
أما هبة فقد بدأت في التغيب عن المدرسة كعادتها ، و لكن أخذ معدل تغيبها في الزيادة حتى انقطعت تماما ، لم تحضر امتحانات نهاية العام ، و ماتت بعد ذلك بقليل.




أتعجب كيف تعكس قصصا بسيطة كهذه ، عوالم كاملة قي تغيرت لغير رجعة.



ـ


١١‏/١٠‏/٢٠٠٧

تعري ، مع بعض التذكر

معرفة تاجر للأنتيكات هي تجربة شديدة الثراء ، فهؤلاء القوم يمرون بكم من القصص و الحكايات لم أتصور قدره حتى صادقت أحدهم ، و هو شاب مثقف ، هاديء الطباع ، احترف مهنته هذه بسبب عشقه اللا نهائي للقصص و و غريب الروايات التي يظل يجمعها بلا كلل ، فالأمر بالنسبة له فني قصصي بحت ، و ليس وسيلة للتكسب في المقام الأول ، فهو ينفق أموالا لا نهائية في شراء الأوراق و المكاتبات القديمة ، و لا يبيعها أبدا ، و يعتبرها كنزا ، و الحقيقة هي كذلك.
كثيرا ما كنت أراه يسير في وسط المدينة حاملا حقيبته ، فلا أنفك أسأله فتحها ، فأجد غريب الأشياء ، فمن رسالة من الملك فاروق لصديق له ، لمكاتبات تاجر يهودي في المنيا ، لفوتوغرافيا أصلية لڤان ليو لفتيات عاريات ، و آخرها كتاب من الثلاثينات ترجمه هاو بخط اليد عن الفرنسية معنون بـ "كتاب فنون النيك".

فتاة مكبلة - أرمان "الأب" - ١٩٤٥
أظنها أقدم صورة لدينا تمثل نوعا اصبح متعارف عليه
من الرغبات الجنسية

يعيش صديقي هذا في بيت لأسرة يونانية في وسط القاهرة ، أعتبر شقته من أجمل ما وطأت ، ليس لأنها تحوي صورة عملاقة لأم كلثوم وهي طفلة ، و لا لأثاثها العتيق النادر الذي قلما شاهدته مجتمعا ، و لكن لتصميمها الرائع ذي الطابقين ، و لأنها تحوي العديد من التفصيلات التي نجلس لساعات متأملينها و نفرزها و نتناقش بصددها.

مادلين - راقصة تعري من إيران -ڤان ليو - القاهرة ١٩٦١

في زيارتي الأخيرة له ، أخبرني عن وفاة معماري أرمني شهير في ڤيلا بالزمالك ، كان الرجل مشلولا في آخر سنوات حياته ، و لم يكن له من أسرة تسأل عنه أو عن أحواله ، ذلك بعد أن كان واحد من أهم المعماريين المصريين في الأربعينات ، و ذكر لي أن الرجل كان مشلولا في أواخر حياته ، لا يتحرك ، و استجرأ اللصوص على اقتحام بيته عدة مرات ، و حملوا اللوحات و الكتب و الأثاث الخفيف ، و هو يشاهدهم من على كرسيه المدولب ، كان قبل موته يشاهد حياته تسرق ،و اللصوص يمرون من أمامه و من خلفه يحملون أشيائه ، و لا يستطيع الحراك.

مرة أخرى كان في بيت في قصر العيني ، عاش فيه رجل عجوز ، عرف عن طريق مذكراته أن العجوز هذا كان قد قاطعه جميع أهله منذ الثمانينات ، لمعاقرته الخمر و مصاحبته النساء ، و ظل الرجل يعيش حياة لهو و سرور إلي أن سقط منذ عدة أشهر من على سلم منزله ، فنقله البواب لمستشفى القصر العيني ، و مات هناك بعد أربعة أشهر بلا زيارة واحدة من مخلوق.
بعد وفاته تهافت الأولاد و الأقارب لشقته ، ليجدوا ما يساوي الملايين من لوحات و أعمال فنية ظل يجمعها ، و نفائس من الخط العربي ، و كتابات قرآنية بديعة ، فضلا عن مكتبة رباعية اللغات تحتوي على كتب لا تقدر بمال.
و ضمن أوراقه عثر صديقي على مكاتبات كاملة بينه و بين حبيبته في شبابه ، و تابع قصة حدثت خلال سنوات عديدة ، بدأت بحب الفتاة الرهيب له ، حتى تركها ، و خطابات تمتد لصفحات ترجوه أن يعود ، أحدهم لا يحمل سوى كلمة "بحبك" تكررها على مدى أربع صفحات.

پورتريه لمجهولة - أرمان"الأب" - ١٩٤٥


و حدث بينما كنت ألهو في بيت صديقي هذا أن وجدت كارت عمل لطلعت حرب باشا ، يحمل توصية بالفرنسية بخطه الأنيق ، و عُرِّف طلعت حرب في الكارت بأنه "نائب رئيس بنك مصر و أحد مؤسسيه" مما يعيد فتح مسألة أن طلعت حرب لم يبني وحده اقتصاد مصر كما رووا لنا في القصص ، و لكن طمس الله أسماء شركاء عدة لأسباب تتعلق بالديانة أو الأصل.

من جملة ما عثر عليه مرة في قبو قديم مئات الاسطوانات القديمة ، بعضها يعود لبدايات القرن العشرين ، و منها المكتوب عليه بخط اليد ، و الغريب أنه وجد اسطوانات صدرت على سبيل التجربة لأم كلثوم و آخرين ، لم تطرح تجاريا أبدا .

من جملة ما شاهدنا كان مجموعة مما يزيد عن الألف صورة لاسرة مصرية يهودية ، يبدو أنهم تركوهها في أوج الرحيل ، تؤرخ لحياتهم بشكل بديع ، من دراسة لاحتفالات ، لزواج ، و من غريب ما أخبرني صديقي أنه في أحد الأيام ، وجد في محل للعاديات في هدى شعراوي ، صورة له هو شخصيا من الثمانينات ، مبروزة في إطار أنيق ، و حتى الان لم يعلم من الذي وضع صورته في إطار كهذا ، و كيف وصلت لهذا التاجر. و لكنه اشتراها.

الآنسة نادية عبد الواحد - ڤان ليو - ١٩٥٩
أظن أن نادية - ان لم أكن مخطئا - هي نفس نادية عبد الواحد بطلة مصر في السباحة في الستينات و الحاصلة على ثلاث ميداليات
في دورة دمشق ،و تم منعها من دخول نادي هليوپوليس بسبب الديانة ، هاجرت لكندا مع اسرتها فيم أعتقد.ـ

تظل كتاباتنا و صغار أوراقنا تحكي تاريخ آخر غير مكتوب لهذه المدينة ، ربما تقوم المدونات بدور مشابه ، و لكنها - لوضعها الانفتاحي - قد لا تضم في سطورها حقائق عدة ، قد نخفي أسماء ، حقائق ، نغير في تواريخ و قصص ، بعكس الحفحات المحبرة الصفراء الموجودة في قبو في الاسكندرية .أو في خلفية صورة موقعة بالفرنسية ، أو وسط دفاتر من رحلوا في هدوء، تاركييننا في صخبنا اليومي هذا. ـ

پورتريه لمجهولة - ألبان - بورسعيد /١٩٤٥

ــــــــــــــــــ
الصور كلها تنتمي لمجموعات يمتلكها أشخاص ، و لكن تم توثيقها عن طريق
http://www.fai.org.lb/

٠٥‏/١٠‏/٢٠٠٧

أربعة مشاهد منسية

يخبرني البعض أنني شخص نوستالچي ، ميال لقديم الأشياء ، لكبار الناس ، لمأثورات القصص ، و أظنهم على حق ، فما الحيلة في أن العديد من الأشياء تروقني في شكلها الأقدم عن الحالي؟ وربما لا أقصي نفسي من هذا الحكم.
و رغم أن السينما ليست من مواضيعي المفضلة ، لا كتابة و لا حديثا - فإنني أظنها تشاهد فقط في صمت - إلا أنني لم أستطع تجاهل هذه المشاهد الأربعة ، لأربعة ممثلين أمريكيين بدؤوا شبابا بروح حاضرة ، و رؤية شديدة الخصوصية ، و تحولوا – في رأيي – لأيقونات هوليودية براقة، فاقدة الكثير من روحها القديمة ، و سأظل أعتقد أن هذه الحالة التي وجدت في سينما السبعينات هناك ، قد ولت إلى غير رجعة.


بعد ظهيرة يوم قائظ
Dogday Afternoon




قد يعد هذا الفيلم الأب الشرعي لأفلام اشتهرت مثل "مدينة الجنون" أو حتى " الارهاب و الكباب " لدينا ، و استخدمت تيمة تعامل الاعلام مع حدث ، و تحويله لقضية رأي عام ، و مدى انعكاس ذلك على القضية نفسها و علي الرأي العام استخداما كثيرا في السينما حتى "ولدوا ليقتلوا" الشهير . و لكن يظل فيلم سيدني لومِت هذا فتحا في الحديث عن الاعلام الحديث عام ١٩٧٥.
آل پاتشينو الشاب حينها (٣٥عاما) ، و عمره ستة أفلام فقط حينها ، منها العراب بجزئيه. أتى هنا كلص بنك من نوع خاص ، فهو مثلي و متزوج من صديق له - و قد عاد مؤخرا من ڤيتنام - يقتحم البنك في الصباح مع صديق له ، ثم تتفاقم الأمور ، و تسيطر الصحافة و التلفاز على مسرح الحدث ، جاعلا منه رمزا أمريكيا لمده ساعات قصار (القصة حقيقية بالمناسبة) .
المشهد الآتي يكتشف "سوني" أنه قادر على تحريك جموع الناس المنتظرة بالخارج.



ـــــــــــ
ــــــــــــــــــــــ
آخر الحيتان
The Last Tycoon



المخرج الذي طالما اسيئ تقديره ، بل و ربما أُبخِس قدْره في مراحل عديدة ، إليا كازان ، كان هذا آخر أفلامه ، و بالصدفة هي عن آخر رواية كتبها فيتزجيرالد بعنوان مشابه ، و المثير أنها رواية غير مكتملة.
دي نيرو الشاب حينها أيضا (بعمر لا يزيد عن عشرة أفلام) في عامه هذا ١٩٧٦ كان له ٣ أفلام رائعة ، هذا الفيلم ، فضلا عن سائق التاكسي ، و ١٩٠٠ (القرن الجديد) ، و ياتي هنا لاعبا دور ستار ، المنتج السينمائي اليهودي الذي يقع في حب مستحيل لمهاجرة متزوجة ، و بين صراعه مع النقابات و أصحاب الاستوديوهات العملاقة ، و هوج النجوم ، تتشكل شخصية خاصة جدا نادرا ما شاهدت ما يقاربها في أي فيلم.

في هذا المشهد ، يحتج كاتب كبير على تعيين كتاب آخرين ليكتبوا معه السيناريو شراكة .
فيرتجل له ستار هذه الرواية في محاولة لاستثارة خيال الكاتب ليكتب.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
راعي بقر منتصف الليل
midnight cowboy




هذا بالطبع أكثر شهرة من سابقيه ، ربما لأنه عرف بأنه الفيلم الوحيد الذي حصل علي جائزة أوسكار لأفضل فيلم ، و هو مصنف "إكس" أي للكبار فقط، طبعا الفيلم لا تنقصه الجرأة أو الواقعية ، و لا أعرف لماذا أعتبره الفيلم الذي خرجت من عباءته مدارس سينمائية كثيرة ، لا أستثني منها العديد من سينما الثمانينات في مصر ، و المشاهد الجيد لأفلام هذه الفترة لدينا سيجد نقاط تلاق كثيره على مستوى الشكل و المضمون (و لكن ليس السرد للأسف).

داستن هفمان كان فيلمه السادس أيضا ، يلعب دور "إنريكو ريتزو" مهاجر مشرد ، يعيش مبأساة صحية و اقتصادية قاتلة ، و رغم أنه ليس بطل الفيلم ، إلا انني لا أملك إلا أن أتذكر أداءه هنا كلما ذكر امامي اسم الفيلم.

يكتشفه چو بالصدفة أثناء سيره في نيويورك ، فيعنفه على سرقة أمواله.







ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحوت مرة أخرى

إليا كازان ، عرف بموقفه تجاه المكارثية في الخمسينات ، و ذلك بسبب شهادته أمام لجنة الأنشطة اللاأمريكية ، التي حققت في نفوذ الشيوعيين في الفن الأمريكي ، و قد أدلى كازان بشهادة قام فيها بتسمية زملاء له و الاعتراف بأنهم كانوا أفراد الحزب الاشتراكي الأمريكي ، الذي قد انخرط فيه شخصيا في وقت مبكر من حياته المسرحية ، و نبذه كارها تدخل الحزب في ابداعاته الفنية حينها.
و لكن موقفه هذا اعتبره الكثيرون خيانه لزملائه و لمبادئه ، مما أدى لمقاطعة فردية له للعديد من زملائه ، رغم أنه أكد أن شهادته هي تحصيل حاصل ، لحيازة اللجنه لملازم الحزب و أسماء أعضائه ، و تأكيده أن ما أدلى به لم يكن ليغير من الواقع شيئا، لكن هذا لم يمنع تنامي كراهية زملائه له ، حتى صرح أحد ممثليه قائلا :" لقد كان بمثابة أب لي ، و لكنني و كأني استيقظت فوجدته يضاجع اختي".

ملصق معاد للشيوعية من الخمسينات

في آخر الحيتان ، يأتي چاك نكلسن بدور رائع ،" برمر" ،النقابي الآتي من نيويورك لهوليوود ، لاقناع ستار (دي نيرو) باعطاء كتاب السيناريو سلطة أكبر في الصناعة ، و هو الأمر الذي يرفضه ستار كأي صاحب عمل عتيد لا يود أن شراكة من موظفيه ، يسأل بيرمر:

ستار: لا ألتقي بالكثير من اليساريين فعليا ، أأنت حقا كذلك؟
برمر: نعم
ستار: أظن بعض منكم لازالوا يؤمنون بهذا ...
برمر: بعض لا بأس به.
ستار: و لكن ليس أنت! (في ثقة)
برمر: بلى.
ستار: لا.
برمر: بلى (ضاحكا بخبث)


برمر هو چاك نكلسون ، قبل أن يتم حصره في كليشيهات الأداء المفتعل التي تصل ذروتها في الراحلون ، هنا كانت الأمور لا تزال أكثر وضوحا لممثل شاب







سينما السبعينات الأمريكية فعلا كانت لها خصوصية فريدة ، أنصح بها لمشاهد مستعد لحكي و أداء مختلف ، هربا من موجة الصيف.
و ربما تطهُّرا مما نشاهد هذه الأيام.
ـ


المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO