٠٦‏/٠١‏/٢٠٠٩

قِصــــة..


حدث في أحد الأيام أن كان هناك فيلا عملاقا يعيش بجوار إحدى القرى ، و كان فيلا قاتلا عنيفا ، كثيرا ما هاجم سكان القرية الودعاء.
حاول القرويون مرارا قتله أو إبعاده و إقصائه ، لكنهم فشلوا فشلا ذريعا ، بل و غالبا ما خافوا حتى من ترك منازلهم لعله يلاقيهم في الطريق و يفتك بهم أو يدمر بيوتهم .
حتى كان يوم اجتمع فيه حكماء القرية ، و تحدثوا طويلا في أمر الفيل ، و ما له و ما عليه ، سكت كبير الحكماء طويلا ثم بدأ في الحديث ، و حينها التزم الجميع الصمت و أطرقوا الآذان.
"من يستطيع تدمير الفيل ، له جائزة ضخمة" ، قال.
ضج الجمع باللمز و الهمز ، و لكن ما لبثوا إلا أن تأججت عزيمتهم فتجمع حينها أشهر صيادي القرية لقتله طلبا للجائزة ، و شرعوا في اقتفائه ،إلا انهم اخفقوا جميعا. لأسباب لا محل لها هنا.
و حدث - أيضا - أن كان هناك ضبع يعيش قرب القرية سمع خبر الجائزة ، فتنامَت إلي عقله فكرة ، فعدى نحو كبير الحكماء بالقرية و طلب في تأدب : "أؤمر لي أهالي قريتك أن يشقوا طريقا بين الأعشاب و الأحراش بطول ٢٠ ميلا ، هذا ما أحتاجه لضمان خطتي للقضاء على الفيل".
صمت كبير الحكماء لوقت اختلفوا حوله ، ثم أنشأ يقول: " لك ما طلبت أيها الضبع ، سنشق لك الطريق ، و إن نجحت فإنني لمعطينك طعاما مديدا ، و حشية وثيرة لتنام عليها ، و بيتا منيفا بدلا من سكناك الأحراش ، فضلا عن مكافأة أخرى قيمة من عملتنا المحلية"
و هكذا شق القريون للضبع طريقا معبدة بطول عشرين ميلا و عرض ربع ميل ، تبدأ من القرية و تنتهي في عمق الغاب.
حينما اكتمل العمل ، و رضي الضبع عن اداء القرويين ، قال: " أحسنتم" ، ثم شرع في تنفيذ مخططه .
جرى نحو الفيل في الغابة و دار حوار:
الضبع: يا فيل.
الفيل: نعم.
الضبع: إنني عازم على مسابقتك ، و هزيمتك.
الفيل: لن تستطيع (ضاحكا)
الضبع: بلى ، استطيع.
الفيل: هراء، ثم ماذا لك من هزيمتي؟
الضبع: لأثبت أنك غير قادر على العدْو سريعا.
الفيل: ياللسذاجة (ثم شتمه)

انتهى الحديث أن اتفق الغريمان على التسابق في اليوم التالي ، في الطريق الممهدة الجديدة ، من الغابة باتجاه القرية.
ثم انطلق الضبع سريعا نحو جماعته من الضباع ، و عرض عليهم الآتي : أن يساعدوه على هزيمة الفيل في السباق ، و بما أن أهل القرية يخافون الفيل، فإن أول ما سيفعلونه عند رؤيتهم للسباق و الفيل يعدو نحو ديارهم ، أن يهربو تاركين القرية ببيوتها ، و طعامها ، و طيورها ، هنا يتسنى للضباع سرقة ما لذ و طاب من دورهم.
قال أحد الضباع: هاه ... يالك من احمق ، و كيف لك بمجاراة الفيل و هو اسرع و اضخم منك؟
رد الضبع: لأن كل منكم أخوتي سيختبيء في الأحراش بطول الطريق المعبدة ، و بعد كل ميل سيتم استبدال الضبع الذي يركض، بواحد جديد يخرج خفية من جانب الطريق ، و بالتالي سيتعب الفيل قبل أي منا ، و سيستمر في العدو طوال العشرين ميلا. بينما نحن نشطاء نتجدد.

فيل أفريقي يركض - الصورة من فليكر

أما من ناحية أخرى ، فقد كان الفيل يشعر بمرارة و غصة في حلقة ، قضى ليلة سيئة ، و كان يلوم على نفسه كيف أصبح الضباع يساوون أنفسهم به ، و كيف هان به الحال لهذه الدرجة ، و قال في سره أن وجوده و شرفه كـــفيل أصبح على المحك ، و أن لا مكان للهزيمة أو التراضي.

في اليوم المشهود ، كان الفيل و الضبع في أول الطريق بينما تلوح القرية في الأفق ، و انطلقا في جري مستمر. و كما كانت الخطة ، عند كل ميل كان يختفي الضبع المتسابق قافزا بسرعة في الأحراش ليحل محله ضبع آخر نشيط على الطريق. و هكذا استمر الفيل في الجري مدفوعا بجنون عظمة تاريخي ، و رغبة مميته في النصر.دون أن يلاحظ المتغيرات ، و المتغيرون.
و على اعتاب القرية ، كان الفيل قد هدّهُ التعب فسقط صريعا ، و هو يرى القرية أمامه كآخر مشاهد حياته الصاخبة.
حينها تجمهر الضباع و قد تأكدو من النصر، و توجهوا فورا للقرية طلباً لنفائس أهلها و بيوتهم.
و لكن ما أن وصلوا للقرية إلاّ ووجدوها خاوية على عروشها ، فقد هجرها أهلها أثناء السباق باحثين عن أراض أخرى أكثر أمنا ، حاملين - مع يأسهم - كل ما لهم من طعام و شراب و حيوان و نفائس ، و لم يعد فيها سوى السُدى.
تجمع الضباع حول الفيل الملقى أرضا، كان قد مات ، و لم يستفيدوا من الجائزة ، و لا من نفائس القرويين ، و لم يجدوا حتى من يشاركهم سعادة نصر سريع.

غادرت الضباع في صمت حلبة السباق ، مكملين حياتهم التي عهدوها. بدون يقين واضح حول أي الأطراف انتصر.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصة من موروثات الغرب الأفريقي ، ليس لها أي علاقة بأي وضع سياسي راهن ، و تذكرتها هنا بكثير جدا من التصرف.

٢٣‏/١٢‏/٢٠٠٨

واحد عادي


يعرف أي ذكر في أي مجتمع أرضي ، أن مساعدة صديقة أو زوجة أو قريبة في التبضع هي عملية مؤلمة جدا ، و تزداد سلبية تأثيرها وفقا لنوع التبضع الأنثوي ، و الحقيقة ، و لسوء حظي فقد وجدت نفسي أساعد إحداهن في أكثر العمليات إيلاما للنفس ، و هي شراء الماكياچ.
و تجنيبا لذاتي من مشاكل التنفس أو ارتفاع ضغط الدم ، تركت الفتاة ترعى مع إحدى العاملات ، منكبتان على اختيار اشياء باسماء فرنسية ذات فحيح , و تركتهما متسللا لأجزاء اخرى في المحل الضخم - الذي يعتبر تحفة في الإهدار الكهربي و الإضاءة الساطعة - مشاهدا الوانا و أشكالا من مستحضرات التجميل ، و صورا للفتاة النموذجية و هي تستخدم عطرا ما ، أو للشاب المثالي - الذي يفترضون أنني أفترض التحول إليه - و هو يستخدم عطرا ذكوريا آخرا ربما ساعده على تنميق لحيته. و جعل شعره أكثر إعجازا.
و بينما أنا علي هذه الحال ، شاهدت امرأة منقبة تتشح سوادا ، تقف أمام قسم أصابع الشفاه ، و كانت أمامها موظفة تبدو مرتبكة بعض الشيء . طبعا لم أفوت الفرصة ، و تسللت و يداي في جيبي حتى اقتربت من المشهد ، حينها لاحظت أن مع السيدة المنقبة طفلة صغيرة تقف إلى جانبها. و ايّما كانت دهشتي عندما وجدت الأم المنقبة تختبر الألوان على شفتي ابنتها الصغيرة.
كانت الأم - و الطفلة - خليجيتان من لهجتهما ، و كانت الام تجرب كل لون على ابنتها ، ثم تمسحه سريعا لتجرب الآخر.
ثار فضول العاملة ، فسألت السيدة:

- مش من الأفضل تجربي اللون على شفايف حضرتك أحسن
- لا ..لا ... شفايفي نفس لون شفايف بنتي ، بجرب فيها.

سكتت الموظفة. و كاننت الطفلة في ضيق تام من كثرة تلوينها و مسحها.
لم تلبث لحظات أن تمر ، إلا و كانت أكثر من موظفة تساعد السيدة لمجرد تبينهم أنها عربية - في تقديري - ، بل و أثنى بعضهن على فكرة احضارها لابنتها لهذا الغرض ، حتى أن الموظفة التي كانت تساعد صديقتي ، تركتها لحالها ، و ذهبت لتملق العربية لبعض الوقت.

نموذجان من الملصقات الدعائية المعتادة في بدايات القرن العشرين بفرنسا
تندرج تحت مدرسة (آرت نوڤو) ، العملان للرائع الفونص موخا
(يمكن تكبير الأعمال بالضغط)


ذكرني هذا بحوار حدث في أحد أقسام الشرطة بين إثنين من الأمناء
الأول: إيه اللي حصل في محضر الخناقة بتاع امبارح؟
الثاني: لا ، خلاص اصطلحوا
الأول: هي كانت بين مين و مين؟
الثاني: بين واحد سعودي ، وواحد عادي

الآن عرفت تصنيفي أخيرا.
واحد عادي



١٥‏/١٢‏/٢٠٠٨

ثلاثة لقاءات سريعة ، لا تصنع حباً

هكذا تحدث الأشياء.
بلا مبرر ، أو سبب واضح .
أفني ساعات نهاري مستحضرا أسبابا و محللا لنتائج التفاصيل اليومية الدائرة ، انظر للأحداث بشكل عقلاني ، أعيد دوما تركيبها في عقلي كعادة مكتسبة بلا وعي.
ثم تمر فتاة.
تقول كلمة أو اثنتين ، و تختفي بين زحام الحضور.
هكذا تحدث الأشياء ، و هكذا نقع في الحب ، بلا أية منطقية ، و بلا أية اسباب.

Do I need your permission to turn the other cheek?
If you can read my mind, why must I speak?

Bob Dylan



كل قصص الحب التي خبرتها، لم يكن أبدا من الممكن تفسير كيف بدأت ، و بعضها لا يمكن تفسير نهاياته ، و برغم ذلك ، حينما أفكر في العام الذي يمضي كل شتاء ، اول ما استحضره هو وقوعي في الحب و ما تلاه.
قد تتداعى بعد ذلك أفكار و رؤى الحرب و العمل و الأصدقاء الجدد و الكتب ، ووضعي المالي و الأسري و عالم كامل. و لكن جميعهم بعد تذكر فتاة أو أكثر .
استغرب كيف أن بعض من عرفتهن إن كنت قد حاولت تحليل ماجرى بيننا لما كان لنا ان نستمر ، و لما كان ممكنا لكل هذه السعادة أن تحدث.
و لا لكل هذا الحزن أيضا.

تأتي الفتاة لزمن ، يقصر أو يطول حسب تركيبة عبثية ، أؤكد أنه لا للقدر و لا لأفعالنا دخل سير الأحداث .
و لكنها تحدث كفصل في رواية سيئة ، ميلودرامية في الغالب ، قد اتعفف عن قراءتها .
ربما فعل عبثي كالحب - ذلك الذي يستوجب طاقة أكبر من المبذولة في أي فعل انساني عرفته - لم أعرف قوة قادرة على تسييره ، باستثناء روحه العابثة؟ لا أدري.

تمضي الفتاة ، و تأتي أيام ، اسابيع ، شهور من الوحدة ، قد أسميها في غمرة الزهو : حرية ، و لكنها حرية مستوحدة.
و تبقى حالة من الاستكشاف ، من سبر أغوار آخر جديد ، فتاة أخرى ، تمر و تقول كلمتين ، لتغيب وسط الحضور.
قد يتساءل الرائي عنها في صمته او بين المقربين.
بالنسبة لي هي ليس رغبة في المعرفة ، و لا فضول المكتشف ، و إنما رغبة في تذوق الشعور الفريد مرة أخرى.و لا أعني الحب ، و إنما معرفة عالم آخر جديد ، تأتي به فتاة لا أعرفها حاملة إياه على قدمين.

I see a lot of people as I make the rounds
And I hear her name here and there as I go from town to town
And I've never gotten used to it, I've just learned to turn it off
Either I'm too sensitive or else I'm gettin' soft

Bob Dylan



الجنس ، صوت قرقعة حوائط بالليل ، اصوات شخص يمشي بالشقة العلوية ، صوت انفاسنا على الفراش.
أحيانا فراشا صيفيا مبللا بعرق سرعان ما يجف ، و أحيانا تصفر رياح الشتاء من النافذة القريبة ، فتتدثر هي سريعا.
المواسم لا تشكل فرقا كبيرا ، و لا الأعمار
إنما هم الأشخاص ، أولئك القادمون و الغادون في حيواتنا الخاصة ، و أشد تفاصيلنا سرية ، يستمرون فينا بعد رحيلهم ، و مجيء آخرين ، وربما - ببعض الحظ - نستمر فيهم.
ربما لهذا ارتبط الجنس باستمرار البشر؟
و ربما لهذا ارتبط الحب بالرحيل؟

I been double-crossed now for the very last time and now I'm finally free,
I kissed goodbye the howling beast on the borderline which separated you from me.
You'll never know the hurt I suffered nor the pain I rise above,
And I'll never know the same about you, your holiness or your kind of love
Bob Dylan




كتبت ما فات بلا منطق ، و لا أي تنميق ، لانها هكذا تحدث الاشياء ، او ربما هكذا تتداعى في عقلي كلما خلوت.
ربما امتنانا لكل اللاتي عرفتهن يوما.
و ربما امتنانا لتلك الفتاة التي قابلتها لثلاث مرات .
اكتبه لأنني لا استطيع أن اروي للرفقاء و الأقربين ، فلا أعرف إن يفهمون ، أو لأنني لا أعرف كيف.
و في الغالب لن اعرف كيف أجيب إن سُئِلت : ثلاثة لقاءات سريعة فقط؟
فقط...


١١‏/١٢‏/٢٠٠٨

بَرّه يُغني ، و العالم...

لم أضحك ، و لم أحزن.
فقط أصبت بنوع من الذهول . صمت قصير اعتراني بعد المشاهدة ، ثم أعدت المقطع من الأول و شاهدته مجددا.
ها هو ذا:



من يتابع كل حرف تنطقه ، سيعلم جيدا كيف وصل الشارع إلى هذا الحال.
من برنامج بسيط جدا ، و مسألة شديدة السلاسة كأغاني فريق البيتلز ، صنع البرنامج منها أكذوبة لتمر على المشاهد المسكين . و كنت أنا هذا المشاهد الطفل في حينها.
الحقيقة ، من يتابع جملة بجملة ، سيجد بذور قصص و ألفاظ و تلافيف إعلامية تستخدم في يومنا هذا على اسس أكبر كثيرا. و سيجد كيف تم نشوء فكرة " في العالم" كمعاكس للفظة " في مصر" ، و منه خرجت لفظة " بَرّه" الشهيرة ، كمصطلح يعني "العالم" ، تعبيرا عن عوالم لا نعرف ما يدور فيها ، و لن نعرف.
هنيئا لنا أننا في زمن لا نحتاج فيه ان "ندور في السوق" على أغاني البيتلز ، لأنه بضغطة زر ، يمكن مشاهدة افضل افلام البيتلز كاملا. و أفلام أخرى جيدة أيضا.
و لكن ، لا فكاك من تساؤل.
كيف تغاضينا حينها على ذلك؟ و كيف انطلى علينا؟
حقيقة لا أعرف.


٠٢‏/١٢‏/٢٠٠٨

ديسمبر مرة أخرى

درجت على أن أتذكر ديسمبر بنوع من الأسى الخفي. بالنسبة إلى قد ارتبط دوما بالنهايات ، و ليست فقط نهاية العام الميلادي كما درج .
ديسمبر هذا العام أتى مختلفا. فطوال الشهر الماضي كان الماشي في ليل القاهرة يرى نجمتين شديدتي البريق ، تكادان تتعامدان في وضع يوازي خط زوال الشمس جهة الشمال.
هاتان النجمتان من أسطع أجرام السماء ، فهما كوكبي الزهرة ، و المشتري و قد اجتمعا في هذا الوضع النادر.

مع عشية غُرة ديسمبر ، أتى القمر هلالا ، حيث صادف بدء شهر قمري جديد ، و اقترب القمر من الكوكبين في السماء خالقين ابتسامة سماوية.
فهكذا اجتمع تقويمان ، اجتمعت ثلاثة اجرام ، اجتمع عيدان ، و اجتمع الناس على موائدهم لعيد الشكر.
هذه الظاهرة شاهدها اغلب سكان الأرض ، و إن اختلف البعض في كون القمر سيكوّن مع النجمتان وجها سعيدا أم حزينا.
للأسف كنت اعمل في غرفة مغلقة أثناء ليلتنا هذه ، حاولت الخروج للشرفة ، فاستعصت علي رؤية السماء من بين ظلال المباني، و تذكرت قصيدة صلاح جاهين.
لاحقا الليلة هاتفني اصدقاء ، مؤكدين أنها ابتسامة.

هكذا شهدوها في ، كاتمندو

ربما تهبنا هذه البسمة السماوية عاما قادما أفضل ، ربما تهبنا قدرة علي الابتسام في أيام تزداد إيحالا.
و ربما تمنحني شخصيا القدرة على النظر لديسمبراتي السابقة ، متذكرا هذه المرة شيئا مغايرا.
أو ربما هي محض مصادفة فلكية.

و نظرا لميولي الاكتئابية التي لا تتبدل، و كعادة مكتسبة ، أترك دامين رايس ، يغني أغنية سبتمبرية حزينة بعض الشيء ، لخلق توازن ما.



Damien Rice - I remember

٢٩‏/١١‏/٢٠٠٨

كيف لم ألاحظ؟

كانت هذه الناصية في الشارع الرئيسي هي منفذي علي العالم ، كنت لازلت مراهقا اكتشِف القاهرة لأول مرة ، فكنت أسير من بيت الأسرة لدقائق ، فأصل إلى ناصية الشارع العمومي ، أتجمع حيث الآخرين ننتظر إحدى المواصلات لشحن الجميع لقلب القاهرة. لهناك حيث مبان أقدم، و أشياء أكثر للتطفل ، و أناس آخرين للمشاهدة.
كنت دوما أستند على سور ڤيلا بنية اللون ، صغيرة لها حديقة مكشوفة لنا نحن المارة ، كانت قديمة بالنسبة للحي ، و بها بركة صغيرة تمتليء بالأسماك الملونة.
كنت بينما يتأخر الأوتوبيس أجلس على هذا السور القصير اشاهد الأسماك ربما لساعة من دون أن أكترث للوقت ، بعض المارة كانوا يلقون بفتات خبز من آن لآخر مطعمين الأسماك ، أعتقد أنني قمت بذلك مرة على استحياء ، القيت شريحة من كيس بطاطا ، لا أذكر بالضبط الآن.

سنوات مرت ، أصبحت لي سيارة ، و قل ارتيادي للمواصلات العامة ، ثم هجرت الحي نسبيا باستثناء زيارات عائلية من وقت لآخر ، و نسيت الشارع برمته.
منذ أيام مررت على بيت الأسرة ، و عدت بالمواصلات العامة من نفس المكان ، و بينما أنا واقف أنتظر تذكرت الاسماك ، فالتفت لأجد انني واقف أمام مبنى زجاجي كبير.
الحقيقة أن الڤيلا تم هدمها ، و انشاء مبنى إداري ما ، بزجاج أزرق و أخضر ، و هي قصة ممطوطة و مكررة.

ليس ما يشغلني هنا أن الڤيلا الجميلة هدمت ، و لا أتساءل أين ذهبت الأسماك ، لأنها كلها أصبحت أسئلة مترفة في ظل عالم شديد القسوة نمر به يوميا. و لكن ما يشغلني ، و يقلقني هو أنني خلال السنوات كلها لم ألحظ المبنى الجديد.
حتى و أنا واقف أمامه ، لم ألاحظه.
حتى بعد أن أصبح متعدد الطوابق ، لامع ، بموظفي أمن و كاميرات ، لم ألحظ أبدا.

لا أستغرب لماذا بيعت الڤيلا.
و لا أستغرب قدرتنا الرهيبة على التخلي عن الجمال .
لكن أستغرب أنني لم ألاحظ طارئا مثل ذلك ، و لهذا دلالة لا تسرني مطلقا. بل مقلقة إلى حد كبير.


١٤‏/١١‏/٢٠٠٨

كُنــا رجالة

بينما أقترب حثيثا من سن الثلاثين ، أجدها فرصة سانحة للتأمل ، و النظر إلى هذا العصر الذي أتيت فيه ، و كل تلك الأشياء التي مررت بها ، و مر بها جيلي بأكمله.
حاولت أن أجمع أهم الأحداث التي أظنها شكلت صورتي و صورة رفاقي ، و بالتبعية أوصلت الشارع إلى ما هو عليه الآن ، فكرت و تجاذبت الحديث مع الأحباء مليّا* ، فوصلت لأننا قد شهدنا:

- دخول التليفون المحمول
- دخول الدش والقنوات الفضائية
- قيام و انهيار حميد الشاعري
- انهيار فوازير رمضان
- دخول مصر كاس العالم
- ظهور أغنية دي دي
- صعود و انهيار البيچر
- وفاة ادوارد سعيد/درويش/محفوظ/وهاب/شاهين/سعاد/ زكي/الريس متقال
- ظهور و انهيار القصة الكابوريا
- قيام الاخوان المسلمين
- انهيار حفلات اضواء المدينة
- ظهور السيارة الهيونداي
- قيام و انهيار الأتاري
- ظهور الكوتشي اللي بينور
- ظهور المولات
- قضية فتاة العتبة
- قيام و انهيار وائل نور
- ظهور الزابادو كمشروب رسمي لطالب الجامعة
- انفصال بوسي و نور الشريف
- استقالات فاروق حسني
- انهيار العمليات الفدائية و ظهور العمليات الاستشهادية
- اختفاء محمد نجم
- زلزال ٩٢
- قيام و انهيار ظاهرة مطربي المهرجانات
- اختفاء الدكتور مصطفى محمود
- انهيار الحركات الطلابية
- بناء قاعة المؤتمرات
- قيام و انهيار نادي الشمس
- انتشار محلات السوشي
- قيام و انهيار الجرافاتات المشجرة
- ظهور الحجاب كزي رسمي لفتاة الجامعة
- قيام و انهيار سلاحف الننچا
- ظهور تامر حسني
- قيام وانهيار زكية زكريا
- ظهور السينما النظيفة
- انتهاء حرب لبنان
- ظهور و انهيار مطربي الموسم الواحد ( احمد جوهر/خالد علي/ نامق)
- اعتزال الفنانات
- غزو الكويت
- ظهور المشغلات الموسيقية المحمولة
- انهيار الحدائق العامة (الأورمان و المريلاند)
- ظهور تاكسي العاصمة
- طرد نصر حامد أبوزيد
- ظهور اللمبي
- تعديل الدستور
- اختفاء تقاطعات الطرق و استبدالها بملفات
- ظهور المدونات
- تحول الفاست فود لظاهرة شعبية
- قيام و انهيار مسلسل The Bold and The Beautiful
- نهاية شريهان
- قيام و انهيار محلول معالجة الجفاف
- نقل تمثال رمسيس
- ظهور السينمات متعددة الشاشات
- ظاهرة لولاكي/السلعوة/إغماء الطالبات الجماعي/السحابة السوداء/القطارات/التحرش
- قيام و انهيار اليوم المفتوح
- ظهور البرمجيات المفتوحة
- نقل الجامعة الأمريكية
- انتهاء زمن الڤيديو كاسيت
- اعتزال مديحة كامل
- اختفاء مشروبي : كراش و تيم
- انفصال فرقة ستوديو ٨٠ ، محمد صبحي و لينين الرملي
- بناء الفور سيزنز
- قيام و انهيار رباعي نوح
- استشهاد ياسر عرفات
- ظهور و انهيار القنوات المحلية
- ظهور السينما/المسرح/ فرق الموسيقى المستقلة
- قيام و انهيار رجل المستحيل
- قيام و انهيار عمرو خالد
- نهاية عرض الافلام الهندية بالسينمات
- ظهور خالد يوسف
- انتشار اللجان في الشوارع بعد ١٢
- اختفاء بقلظ
- ظهور مراقيا ثم مارينا. ثم قرية ماربيلا
- ظهور خدمات التوصيل، ثم الرقم الموحد
- عودة احمد رمزي و عمر الشريف
- ظهور قناة الجزيرة
- قيام و انهيار مطربة الاطفال نسرين
- ظهور ثقافة الفوز لدى الأهلاوية
- ظهور و انهيار عمو فؤاد و جدو عبده
- هدم كوبري ابو العلا
-اختفاء عايدة الأيوبي
- ظهور الأغاني المصورة
- ظهور الأكل الصحي و الاغذية الأورجانيك
- قيام و انهيار طارق علام و من بعده جورج قرداحي
- بناء شرم الشيخ
- الفنانة صباح

اظن أن من تسول له نفسه أن يكرر أن هذا الجيل أتى في أزمنة بلا قضية ، عليه أن يفكر مليّا.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تم تجميع القائمة بمشاركة رئيسية من الرائع عمرو ،القابع في بلاد الشمال ، المحب لدفء الوطن.

٢٧‏/١٠‏/٢٠٠٨

ِوحدة

هكذا سِرت وحيدا تماما ، في شارع متطرف نوعاً في وسط المدينة. كان الجو لا يزال رطبا بعض الشيء من أمطار البارحة ، و ضوء الأعمدة القديمة منعكس على الأسفلت المبلل ، كان الشارع ذهبياً خالصاً ، و كانت الساعة تقترب من الرابعة فجرا.
لا أحد في الشارع عَداي ، وقد تمر سيارة في العمق تقطع أفق الشارع الطويل.
و لكن كانت هناك موسيقى مستمرة ، منبعثة من آخر الطريق عالية تصدح ، لم تكن مزعجة أعترف ، هي شيء من مديح ربما .
سِرتُ .. فالموسيقى لا توحي إلا بتتبعها. و كان طريقي على أية حال.
وصلت لمحل كبير منير ، كان فرنا للخبيز ، و كان عماله يستمعون لياسين التهامي ، و يصفقون بإيقاع متكسر بينما يرتبون صَوانٍ سوداء ساخنة .
في المكان رائحة خبز طازج ، يخرج بخارها ليحلق في سماء الشارع و بناياته الأوروبية المتربة . التي تراصت على شرفاتها لوحات اطباء و محاسبون ، و لوحات كتبت بفرنسية أزمنة غابرة .
دخلتُ المحل ، سلمْت على الناس ، قلت أنني أحب التهامي ، فسلم علي آخر و سألني من أين أكون ، قلت "من القاهرة" بخجل لا اعرف مصدره.
هم من المنيا... تذكرت كم احب المنيا.
قلت في نفسي ، انني لابد ان اقضي نهارا على نيل المنيا الواسع قريبا .
اخذت بعض خبز يفوح بخارا ، نقدتهم ، و خرجت من المكان .. و في أذني ياسين التهامي لا يزال يكرر سؤاله لمعشوقه :

"أخذتم فؤادي وهو بعضي .... فما الذي يضركم إن كان عندكم الكُل؟"




وحدي قفلت نحو السيارة ، كانت بعيدة ، فكرت أنني ليتني لم آت بها ، أفضّل أن أترجل حتى بيتي ، و لكنني أسير الآن ، و الجو صاف . و التهم خبزا ذو طعم سكري بعض الشيء.
و بينما أنا على هذه الحال ، سمعت صوتا من ركن مظلم : بسسست .. بسسستت ..
و إذا بشاب قصير ، يرتدي السواد ، و له شارب منتوف ، قال : بطاقتك يا كابتن بعد اذنك.
دار حوار لا أذكره ، و لا أريد ، و تركته يرعى بسلام ، كما تركني هو لأعود في سلام ، و رجعت لسيارتي منطلقا بأقصى ما استطيع نحو البيت.
دخلت ، شاعر بوحدة نادر ما أشعر بها.
شعرت انني وحيد بكوكب موشك على الزوال. لا يفيدني الآن عشاق ، أو أصدقاء ، أو أحباب ، و لا أعرف لماذا.
و رغم أن ياسين كان لازال صداه في رأسي ، فقد دلفت لغرفتي ، نحو لاعب الاسطوانات ، و سمعت أكثر الأغاني وحدة مما أعرف.
ربما إن سمعتها أشعر بأنني لست وحيدا كما أتصور - قلت في نفسي - .
أخذ David Bowie يسري في المنزل . فكرت أنها أغنية مناسبة لنهايات الأشياء.



و إن كنت لا أعرف أية أشياء بالضبط .


"Am I sitting in a tin can
Far above the world
Planet Earth is blue
And there's nothing I can do
Though I'm past one hundred thousand miles
I'm feeling very still"

١٤‏/١٠‏/٢٠٠٨

مايونيز على المدينة

بنجاح ، أعترف أنني قاطعت التلفزيون بشكل كلي ، لا أفتحه مطلقا ، ولا علاقة لي بمسلسلاته و إعلاناته إلا فيما أراه لدى الأصدقاء او على المقاهي . و لكن لم أنجح - الحقيقة لم أحاول ابدا - في مقاطعة الراديو.
و لكني افكر في الأمر جديا الآن ، فقد حدث بينما أنا ضائع بسيارتي في حي الوراق ، أن سمعت إعلانا في الراديو بين الأغاني ، يقول الإعلان: " رنة تليفونك حلوه ، بس غريبة شوية! ، ليه؟ ما تحط رنات ألبوم محمد محي الجديد ، اتصل برقم ٠٩٠٠ ، إلخ".
بالصدفة كان معي في السيارة فتاة عملت في وظيفة " كرييتڤ" - هكذا يسمونها - في شركة إعلانات دولية لفترة ، و الـ "كرييتڤ" هو من يعمل في وكالة الدعاية - يسمونها "إيچنسي" - و يقوم بخلق أفكار للإعلانات ، و كتابة كلمات الأغاني فيها - يسمونها "چنجلز" - و يخلق صورة عامة للحملة و الوانها و مفرداتها - يسمونها "إميدچ".

قالت الفتاة: الكرييتڤ اللي عمل الإعلان ده ، بِيتارجِت (بيستهدف) شريحة الشباب اللي عاوزين يعملوا رنة طاقّة أو مختلفة.
قلت: و مالو؟
قالت: مالو ايه؟ كده أكل عيشهم حيقف كشركة رنات. هما عاوزين الناس تعمل رنات من الأغاني اللي بيعملوها.

فكرت مرة ثانية ، الحقيقة محتوى الاعلان مخيف فعلا ، فالمغزي الواضح هو " لا تقم بوضع رنة مختلفة ، لا تكن مختلفا ، استخدم محمد محي".

أصبحت أزداد انزعاجا في القاهرة في الآونة الأخيرة بينما اسير في الشارع القاهري لسبب رئيسي ، و هو أن المدينة أصبحت تحارب بشدة اي اختلاف فردي قد يطرأ ، هناك تواطؤ تام من المجتمع على "تقديس النمط" كما يتكرر ، و على منع أي محاولة للتفرد و لو علي سبيل الرنة.

لي صديق هولندي ، اعتاد قضاء وقت في مصر بشكل دوري لأسبابه الشخصية ، سألني ذات مرة إن كنت اعرف ما هو أكثر ما يكرهه في مصر؟
قلت: تحرشات الناس في الشارع بك كأجنبي؟
قال: هذه مقرفة ، لكن ما اكرهه فعلا هو" كوك دور".
"كوك دور" ، هو محل وجبات سريعة متعدد الأفرع ، لا آكل منه لأنني أعاف اللحم بانواعه .
قال لي: "كوك دور" يعبر عن مصر ، هم يقدمون عشرات السندوتشات ، لحم و دجاج و أسماك ، و كلها مغروقة في التوابل ، و المايونيز و الكاتشب معا، وعادة الجبن ، و الخيار المخلل ، و بالكاد تشعر بما تأكلة ، المهم انه ذو طعم قوي ، و هذا الطعم يكاد يكون هو طعم أغلب الأكلات. و يسود فوق نوع محتوى الساندويتش الاصلي الذي من المفترض انه شخصيته.
كنا نسير في وسط المدينة ، "طبق المعادلة على الشباب" قال: "الشباب يرتدون تيشرتات بترتر يلمع ، اينما تنظر ستجد شابا يرتدي منه."
".. و الفتيات يرتدين حجابا مبهرجا ، ملونا ، صاخبا ، انظر حولك. وأحذية فضية" - لم انظر ، فقد كنت اعرف -.
تذكرت صديقي هذا ، في العيد الماضي ، في مشهد بديع حينما كانت كل فتيات ميدان التحرير الهاديء صبيحة العيد ، يرتدين لونين: الأخضر الفسفوري ، و الأصفر الفاقع.
سألت نفسي : كيف أحببن جميعا ان يتشابهن مع الأخريات ، كيف هذا الهوس الرهيب بالانخراط في موضة سريعة ، اوقف عقولهن عن التساؤل حول إن كانت حقا تريد ان تكون كالأخريات؟ أو هل لها خيار فعلا؟
بالمناسبة ، عندما قلت كل فتيات الميدان ، فلم أبالغ ، أعني بالحرف الواحد :كل فتيات الميدان.
جولدن ڤرچينيا ، تبغ ادخنه كلما تعكر مزاجي ، و لا أتخيل هذين اللونين
مجتمعين في أي صورة ، عدى هذه العبوة.
لو فكرت في الفنون الشعبية ، و لا اقصد بالشعبية السيرة الهلالية ،أو شعبان عبد الرحيم، و لكن أعني الفنون التي يستهلكها الشعب يوميا كالأغاني ، و أفلام الصيف ، فسنجد أن هناك رغبة عارمة في التصدي لأي نوع من التفرد أو الاستقلال ، ربما هو خوف من المغامرة و الركون للمألوف ، لكن لا أنكر ان هناك أيضا نوعا من القمع من السلطة - مؤسسات حكومية و شركات عملاقة - لوأد أي تفكير خارج الصندوق خوفا من أن يقوض ممالكهم المستمرة و القائمة على إبقاء الحال على ماهو عليه.



هناك شركات بعينها- لا تتعدى اصابع اليد- تتحكم في سلوك جمهور المنطقة اكثر من حكوماته.

و في هذا الصدد و أذكر صديقا لي ، هو ملحن مبتديء ، لحن أغنية لحنا جذابا ، و فكر أن هذا اللحن مناسب لصوت مغني لامع جدا ، عانى صديقي هذا كثيرا حتى فاز بموعد مع النجم الاسطوري ، و أسمعه الاغنية.
اعتذر المطرب بلباقة و قال: " الأغنية اعترف انها حلوة ، بس جديدة قوي ، مش شبه أي حاجة سامعها.." و كانت هذه حجته - صادقا - لرد صديقي خائبا.
يعمل صديقي هذا الآن مدرسا في دولة الكويت. و الحقيقة هي نفس وظيفة والده من قبله.
و الحق ان الفتى بذل جهدا دؤوبا ليصنع لنفسه تاريخا مغايرا ، في بلاد تقدس التكرار.
و تكرار التكرار.

٠١‏/١٠‏/٢٠٠٨

نوستالچيا الجســر




كان الكوبري طويلا جدا ، حارا ، مكتظا بكل شرائح الأمة، و كنت اقطعه في اليوم مرتين.
حوالي ساعتين يوميا فوق الكوبري ، خلال اربعة أعوام . وحيدا ، لا شريك لي سوى سيارة قديمة متهالكة ، بلون طوبي باهت.
أحببت فتاة . و قدت منتشيا بها ، بطول هذا الكوبري ، و داخل ذات السيارة.
بكيت نفس الفتاة نهارا و ليلا ، وحيدا مستصغرا ، في نفس سيارتي المثابرة.
احببت أخرى ، و بكتني هي يوما إلى جواري ، في ذات الطريق ، و ذات السيارة.
ثم التقيت بأناس عشقتهم ، وودعتهم منها ، و ربما كانت آخر ذكرى لي في عقولهم ، ذكراي متحركا ببطء بسيارتي عالية الصوت في عباب المدينة.
شاهدت قصصا عدة و أنا اقود ، كتبت عن بعضها هنا ، و تجاوزت عن الكثير لاعتبارات ما.
تلقيت أخبارا عن مستقبلي ، و عن ماض دفنته ، في مقعد القيادة الحار عادة .
فقدت أحلاما إلى الأبد ، و بنيت أحلاما أخرى ، و أنا ممسك بهذا المقود الاسود الثقيل.
و على طريقة ميلودرامية اعتنقتها لفترة ، بدلت من توجهاتي ، و اعتنقت أفكارا بعينها ، و القيت بأخرى بعيدا بينما اقود فوق كوبري اكتوبر المزدحم ذاته.
هجرت شرق القاهرة ، و عشت في داخل المدينة ، قل التصاقي بالعربة ، ثم فضلت المسير أو ركوب المواصلات لأغراض بيئية بحتة.
تناقص اهتمامي بالعربة ، التي كثر عليها التراب في حيي الجديد العتيق.

و الآن ، وجدت انني متنازل عن سيارتي لشخص عزيز، تارك ماض كامل بداخلها ، تارك قدرتي على تذكر أحداث شكلت حياتي خلال خمسة أعوام ، سأقتني سيارة أخرى ، أقل ضررا بالمدينة ، و أكثر رفاهة و برودة ، معدنية بلا ذاكرة ، و برائحة مصطنعة مجلوبة من محطة بنزين تتشابه فيها الروائح ، و اشكال السيارات.

لماذا ترتبط الاشياء بتواريخها؟ و لماذا تتحول الأحداث إلى أنين شعري بعد سنوات؟

الصورتان من فليكر : ١ و ٢

لا أعرف لماذا أتذكر الأن يوم كنت في السيارة ذاتها ، مع صديق عراقي أوصله لبيته القاهري القسري
بدون سب سألني: هل تؤمن بالحياة ، أم بالشعر؟
قلت: أؤمن البحياة..
فالتفت لينظر نحو الشارع القاهري المزدحم ، و على وجهه أثر خذلان بسيط.


٢٠‏/٠٩‏/٢٠٠٨

تواريخ

أتعجب في تواريخ معينة ، كيف كان حالي حينما استقبلت هذا التاريخ كحدث..
و كيف هو حالي الآن.
و حال الآخرين.




فلتبقى السنوات طيبة
ولو لفترة ...

١٢‏/٠٩‏/٢٠٠٨

غير صالح للعرض


لم يكن بوسعي تجاهل فيلم كهذا ، و رغم أنني أحاول قدر الإمكان تجنب الكتابة عن الأفلام ، لأسباب عدة ، إلا أنني أشعر بواجب ما تجاه هذا الفيلم العراقي.
فيلم "غير صالح للعرض" - "Underexposure" .
بظروف مرتجلة ، وجدتني ضمن بعض من الأصدقاء ، و مع أحدنا نسخة وحيدة من الفيلم على دي ڤي دي ، ربما هي الوحيدة بمصر ، لا أعرف . و لكن قمنا بتدوير الفيلم ، و مشاهدة السبعين دقيقة الأخاذة بلا حراك.


لا أريد أن أروي شيئا عن الفيلم ، فهو لا يروى ، و حالتة السحرية لا تختزلها كلماتي هنا ، و لكن يمكن اختزال تاريخ عمل هذا الفيلم النادر.
الفيلم قام بعمله ٧ شباب من هواة السينما بعيد سقوط نظام البعث ، كان مخرجه "عدي رشيد" قد عمِل علَى تسجيليٍ في عهد صدام ، و حينما قامت الحرب تم قصف معمل التحميض ، ففقد عدي فيلمه في رماد الحرائق البغدادية.
بعد سقوط النظام ، قرر مع اصدقائه عمل فيلم جديد روائي هذه المرة ، و حينها حاولوا العثور على خام التصوير ٣٥مل ، و لكن بعد بحث كان كل ما عثروا عليه هو الأشرطة الخام مكدسة في المعمل منذ ما جاوز العشرين عاما ، و كان يستحيل استخدامها.
قام عدي مع مدير تصويره "زياد تركي" بمراسلة شركة كوداك ، التي أفادت باستحالة استخدام هذا الخام القديم ، فقاما بعمل تجربة طولها ٥ دقائق ، و نجحت ، حينها ردت كوداك أنها ستقوم يتحميض و طبع الفيلم كله على حسابها طالما كان باستطاعتهم القيام بمغامرة كهذه ، حينها بدأ العمل.
كان الفريق مكون من ٧ من الهواة تقريبا ، مدير التصوير - أكبرهم سنا ، وصاحب أبدع لقطات شاهدتها منذ سنوات - لم يمارس التصوير السينمائي من قبل ، و كان مصورا فوتوغرافيا في زمن البعث، و استعان بكتب مصرية مبدئية حول التصوير السينمائي ليقوم بذلك ، و المخرج لم يكمل تعليمه السينمائي ، و المؤلف يكتب للمرة الأولى ، المؤسف أن إثنين من هذا الفريق لم يعودا بيننا الآن ، كل منهم قضي في ويلات الحرب.



مؤلف الفيلم يقوم بدور رئيس فيه


من كواليس الفيلم


قام الفريق بتصوير الفيلم كاملا ، و ليس لديهم أية فكرة إن كانت أي علبة من علب الخام ستخرج صورة ، أو أيها سيكون تالفا تماما ، و الأغرب أن هذا الفيلم تمت كتابته أثناء تصويره ، فتتغير القصص و تتحرك تبعا لما يصور ، أو صور سابقا.
وهذه نفسها هي قصة الفيلم ، قصة شباب صورون فيلما مرتجلا مغامرين بكل ما يملكون من مال ، و روح. فالوضع في بغداد شديد الخطورة بالذات على سينمائيين يطوفون بالكاميرات.
يقول جزء من الحوار - كما أذكره - :

المصور: هاذا خام صارلو ٢٠ سنة مخزن ، يعني مبدئيا إنسى الألوان ، كونتراست ماكو.
المخرج: و انت بتشوف كونتراست بالشارع؟ كل شي Under

لا أعرف لماذا اتفق تماما من هنا في القاهرة.

الفيلم أعتبره من أكثر الأفلام التي شاهدتها في حياتي صدقا و بلاغة ، صناعه لا يخافون أن يقولون عمّا يخافون ، صراحتهم تجاه ما يفعلون و ما يعرفون تجد طريقها لقلب المشاهد و تأسره منذ اللقطات الأولى.

قابلت أحد صناع الفيلم في إحدى السفرات ، أخبرني أنه عند تحميض الفيم في المانيا وفقا لوعد شركة كوداك ، سمع بالصدفة عن المشروع المخرج الألماني طوم تيكڤر ، مخرج الفيلم الأشهر Run Lola Run ، تحمس للتجربة ، و قرر السماح لهم بالقيام بأعمال المونتاچ و الصوت في شركته الصغيرة ببرلين ، و قد حدث ، و الأغرب أن في أحد مرات مراجعة الفيلم في المعمل قام بمشاهدة لقطات منه الموسيقار جابرييل يارد - الحاصل على الأوسكار عن فيلم المريض الإنجليزي - و قال أنه مستعد لعمل موسيقى الفيلم بشكل تطوعي ، و سيقوم بتسجيلها على حسابه الخاص ، و سمعت أن المخرج أرجع الموسيقى ثلاثة مرات ليارد لأنه لم يرضى بها ، قال له يارد مداعبا: سأعيد تأليف الموسيقى لك كيفما شئت ، و لكن ضع في اعتبارك أن كل مرة تسجيل تكلفني ٢٠ آلف يورو للأوركسترا!
الفيلم بالكاد موجودة معلومات عنه علي الشبكة ، و لا توجد أي مقدمات دعائية أو ڤيديو مبتسر منه ، باستثناء تتابع قام به شخص ما لصور من الفيلم ، و الحقيقة يبدو أنه بعد ثلاث سنوات من الإنتاج لازالوا يواجهون صعوبة ما في التوزيع. لذا لازال من الصعب العثور علي نسخ من الفيلم.


كنت أشاهد الفيلم مع "هـ" المخرجة المصرية التي طالما أحببت ما تقوم به ، بعد أن انتهي الفيلم - الذي كانت تعرفه عن ظهر قلب - قالت:
- شوف عاملين فيلم حلو ازاي و بإمكانات عاملة ايه؟ إحنا بجد لازم نتكسف.
و أظنها كعادتها على حق كامل.

٠١‏/٠٩‏/٢٠٠٨

وصلات...


ممتع أن تجد في مصر مثل هؤلاء الناس..
ممتع أن تعرف أنه لازال بيننا من يأتون بأفكار بهذه النضارة ، و الاستقلالية ، و المحلية في آن.
ممتع أنهم شباب ، و ممتع أنني قابلت البعض منهم.

نشرت مجلة كونكشن ذات الصيت عددها الخاص عن شباب الفنانين المصريين - رقميين التوجه معظمهم - منذ عدة أشهر ، لا أعرف لماذا لم أكتب عنها في حينه ، و لكن عموما مدونتي لا تمثل شيئا بالنسبة لحجم مجلة كونكشن الالكترونية.
بدون كلام كثير ، أضع هنا مقطتفات من أعمال الفنانين الشباب ، حقوق الأعمال كلها تعود لهم و للمجلة.


عابد عبد الرحمن حمدي
عابد عبد الرحمن حمدي



ـــــــــــ
أحمد حفناوي

أحمد حفناوي

أحمد حفناوي


ــــــــــــــ

File Club Studio


File Club studio

ـــــــــــــــــــــ



چورچ عزمي


چورچ عزمي / من معرضه: كوكب القاهرة

چورچ عزمي / من معرضه: كوكب القاهرة


ـــــــــــــــــــــــــ

حسين شعبان (موقع )

حسين شعبان

ـــــــــــــــــــــ

إبراهيم إسلام

ـــــــــــــــــــــــــــــ

كريم لطفي

كريم
لطفي

كريم
لطفي

ـــــــــــــــــــــ

مريم حمدي

مريم حمدي

ـــــــــــــــــــــ

محمد فؤاد

محمد فؤاد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد نبيل

محمد نبيل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

شريف سامي

شريف سامي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يحيى اسماعيل


يحيى اسماعيل

ــــــــــــــــــــــــــ

طارق حفني

طارق حفني


ــــــــــــــــــ

لا أحب أن أضيف تعليقات على هذه الأعمال ، فقط أقول أن هناك المزيد في نسخة مجلة كونكشن - حوالي ٣٠٠ صفحة - يمكن تحميلها من هنا ، لكن يتوجب فتح حساب مجاني .

في ايام قائظة الحر مثل هذه ، لا أعرف لماذا احب أن أشعر ان في مصر بعض من نسيم شديد الهدوء.



٢٢‏/٠٨‏/٢٠٠٨

أرفض/حدوث/هذا

كعادة الصحف لملأ الصفحات ، أُخصص مساحة لكلمات مرت علي في الفترة الأخيرة ، مذيلة بتعليق حول حدوثها.



-أ-

"إمشي يابتني عادي خالص ، احنا في الشارع ، ماحدش حيقدر يعملنا حاجة"

إحدى فتاتان تعبران ميدان التحرير ، بملابس مكشوفة .
بينما يسير وراءهن صف من ١٧ شابا - أحصيت عددهم -.


- ب -

- عرفت حركة "أمل" اختصار لإيه : "أفواج المقاومة اللبنانية"
- و أنا عرفت " أحه" اختصار لايه : "أرفض حدوث هذا"

حوار مع فتاة لا اعرفها في بيت احد الاصدقاء


-جـ-

" هكذا بني الاسلام يا اخوان علي ايدي السلف الصالح ، و لن يستمر إلا على ايدي أناس مثلهم ، ليس لديهم نزعة مادية ، و لا نزعة وطنية..."

من خطبة إمام المسجد المقابل لداري.


- د -

"لوحاتك
وقعت دماغي في دماغي
جوه الألوان
وروحي بتتنطط في جسمي
جسمي اللي نايم في اللوحة الرابعة
المتعلقة على الجدران
لوحتك اللي موقعة الزمان
ونايمة فوق الزمان
طلعني يافنان
"


جزء من قصيدة كتبها مجهول في مديح فاروق حسني ، ذكرها الناقد أمير العمري في مدونته ..
جائزة لمن يعرف قائل الأبيات ، كما أنادي بترشيحه لجائزة بيزو ٢٠٠٨

- هـ -

- انتي حاطة الإيميل بس في الـ "سي ڤي" بتاعك؟ أمال فين الفيس بوك أكاونت؟

سؤال سأله مدير إحدى المؤسسات لفتاة أثناء مقابلة شخصية لإحدى الوظائف .
قال بشكل جدي انه يفضل ان يجد كتاب الوجه في السيرة الذاتية.

- و -

- قل لي يا أحمد ، انت مؤمن بربنا؟
- مش ده سؤال شخصي شويه؟
- لأ طبعا

من حوار سيبري مع أحد العابرين هنا
أولئك الضاغطين على زر الدردشة

- ز-

"الموت ينضم الى بقية القتلة ويصيب الشاعر محمود درويش في قلبه"

أراد صحفي أن يعلن نبأ وفاة درويش بطريقة شعرية ، فتفتق ذهنه عن هذه الصيغة.


- حـ -
لا أشاهد الأخبار ، أقرؤها فقط ، على الأقل ستؤثر في بشكل أبسط

من دردشة مع هلال شومان


١٨‏/٠٨‏/٢٠٠٨

أخطبوطي....



نسخة أخري على يوتيوب

السابق هو مشروع تخرج طوله دقيقتين لستة طلبة من أحد معاهد السينما الفرنسية.
منتج بتكلفة قليلة ، و علي حسابهم الشخصي..

أهديه إلي كل دارسي السينما في مصر ، و طلبة ورش الجزويت بالقاهرة و المنيا و الاسكندرية ، و طلبة أكاديمية الميهي ، و كلية إعلام السادس من أكتوبر ، و طلبة آي إم إس ، و الفيلم لاب ، و اولاد الناس الدارسي في اكاديمية نيويورك في دبي ، و طلبة الفيلم مينور بالجامعة الأمريكية ، و لا ننسى طلبة المعهد العالي للسينما ، و علي الأخص قسم الرسوم المتحركة.

و أهدي لهم جميعا أغنية زياد رحباني : أسعد الله مساءكم.





المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO