أبدأ اليوم بالمساجد القاهرية .. و هي شغف دائم لي ... و لن أكتب عن التازيخ و البناء و الأعيان .. و لكني سأكتب عن الحواديت.. قصص دوما ما داعبت خيالي.. أو أساطير.. أو نمائم ... و ارتبطت بأماكن أحببتها فيما يسمى بالوطن .. فأرى ظلال المآذن المتهالكة ... و خصوصا بينما أسير ليلا... و أتساءل عن من عَمر هذه الأراضي و من بنى تلك القباب......
سأكتب عن أساطير بعض المساجد على حد ما قرأت .. و أرجو من المتخصصين عذري عن أي زلات أوأ خطاء..
.......................
مسجد بن طولون ، هو أكثر مساجد مصر قربا إلي .... و هو الأثر الوحيد الباقي مما اختطه احمد ابن طولون فيما عرف بمنطقة العسكر ... و يقول الشيخ المقريزي له الرحمه:
" ولم يبق الآن من العسكر ما هو عامر سوى جبل يشكر الذي عليه جامع ابن طولون، وما حوله من الكبش، وحدرة ابن قميحة إلى خط السبع سقايات ...... وطالما سلكت هذا الفضاء الذي بين جامع ابن طولون، وكوم الجارح، حيث كان العسكر، وتذكرت ما كان هنالك من الدور الجليلة والمنازل العظيمة، والمساجد والأسواق والحمامات والبساتين والبركة البديعة، والمارستان العجيب، وكيف بادت حتى لم يبق لشيء منها أثر البتة فأنشدت أقول:
وبادوا فلا مخبر عـنـهـم وماتوا جميعاً وهذا الخبـر
فمن كان ذا عبرة فلـيكـن فطيناً ففي من مضى معتبر
وكان لهـم أثـر صـالـح فأين هـم ثـم أين الأثـر "
عاطفية زائدة بالنسبة لرجل مؤرخ .. لكنه أصاب لب الموضوع ... فالمدينة كلها من حول الجامع قد خربت .. و لم يبق منها أثر... و لذلك قصة أيضا يرويها السيوطي في كتاب " حسن المحاضرة في أخبار مصر القاهرة" :
"ولما تم بناء الجامع رأى ابن طولون في منامه كأن الله تجلى للقصور التي حول الجامع، ولم يتجل للجامع، فسأل المعبرين، فقالوا: يخرب ما حوله، ويبقى الجامع قائما وحده. قال: ومن أين لكم هذا؟ قالوا: من قوله تعالى: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً). وقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا تجلى الله لشيء خضع له"، فكان كما قالوا."
و تحقق حلم بن طولون .. و عاش الجامع بينما فُنِيَ كل ما حوله ... و الغريب أن هناك قصة أخرى عن الأحلام ارتبطت بالجامع ذاته مروية عند السيوطي أيضا إذ قال:
"".. فصلى الناس فيه، وسألوه أن يوسع قبلته، فذكر أن المهندسين اختلفوا في تحرير قبلته، فرأى في المنام النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: يا أحمد، ابن قبلة هذا الجامع على هذا الموضع؛ وخط له في الأرض صورة ما يعمل. فلما كان الفجر مضى مسرعا إلى ذلك الموضع؛ فوجد صورة القبلة في الأرض مصورة، فبنى المحراب عليها، ولا يسعه أن يوسع فيه لأجل ذلك، فعظم شأن الجامع....."
و لا تعليق لدي ... و هناك قول منتشر في أغلب كتب التاريخ أن الموضع هذا كان موسى قد ناجى فيه ربه... و قد بنى أحمد الجامع في هذا المكان نفسه... و المكان كان قد اشتهر بين العامة أنه مستجاب الدعاء .. و أرى أنا فيه سلام نفسي كبير...
و أُحِب قصة تعامل المصريين مع الجامع الجديد حين بناه حاكمهم :
" ...وقيل: إنه قال: أريد أن ابني بناء إن احترقت مصر بقى، وإن غرقت بقى، فقيل: تبنى بالجير والرماد والآجر الأحمر، ولا تجعل فيه أساطين خام، فإنه لا صبر له في النار؛ فبنى هذا البناء، فلما كمل بناؤه أمر بأن يعمل في دائرة منطقه عنبر معجون ليفوح ريحه على المصلين، وأشعر الناس بالصلاة فيه، فلم يجتمع فيه أحد، وظنوا انه بناه من مال حرام، فخطب فيه، وحلف أنه ما بنى هذا المسجد بشيء من ماله، وإنما بناه بكنز ظفر به، وإن العشار الذي نصبه على منارته وجده في الكنز..."
و قصة الكنز أنه كان مرة راكبا فرسه في إحدى المناطق .. فغاصت ساقي الفرس في الأرض كاشفة عن كنز كبير بلغ مئات الآلاف -و الكنز في أغلب الكتب هو معنى لخبيئة أثرية من زمن سابق ، في الغالب فرعونية! - و بهذا الكنز بنى مدرسته و جامعه و قصره و بيمارستانه.... و لكن يبدوا أن مصريوا زمان كان لديهم شئ من الضمير .. فأبوا أن يصلوا في جامع لا يعرفون من أي مال أقيم.
و عن أعمدة الجامع التي لبعضها شكل روماني (في تقديري).... فقد ظننت لزمن طويل أظن أنها قد اقتطعت من بعض الكنائس كما جرت العادة بالنسبه لبعض السلاطين.. و لكني سعدت حينما قرأت نفي بن طولون نفسه لذلك :
".... وأما العمد فإني بنيت هذا الجامع من مال حلال وهو الكنز، وما كنت لأشوبه بغيره، وهذه العمد إما أن تكون من مسجد أو كنيسة، فنزهته عنهما...."
فثبت أنه كان نزيها و لم يغتصب أعمدة أي جامع أو كنيسة ... و لكن يبدو فقط أنه استباح بعض الآثار اليونانية/ الرومانية...!
و سبب استمرار الجامع رغم خراب كل ما حوله ، و هي القصة التي تفضلت وزارة الثقافة بتثبيتها عند مدخل الجامع دون غيرها .. وهي قصة الأمير لاجين ... و قد كان أحد المماليك الذين قاموا بقتل الملك الأشرف خليل بن قلاون ، و من ثم أخذ مماليك الأشرف في طي البلاد بحثا عنه ليثأروا ... فما كان من لاجين إلا ان احتمى في منارة هذا المسجد الذي كان قد هجرته الناس... و تدور الأيام و يتولى لاجين عرش مصر .. و يسمى بالناصر ... فيوفى بنذره ... و يعيد إعمار الجامع بعد خرابه بأكثر من ٤٠٠ عام ، و بعدما كان يستخدم مربطا لإبل المارة من الحجاج! فنذر له المال و الأوقاف و بلّطه ، و بنى ميضأة، و جعل فيه كتاب لتعليم الأطفال و زرع حوله البساتين .. و أزال الخراب من حوله متكلفا مالا جما .. فقط إيفاءا لعهده مع نفسه.
و قد تآمر على هذا السلطان المماليك كعادة هذا الزمان ... و عن نهايته يروي السيوطي:
"...فتوحشت القلوب منه وتالأت على بغضه ومشى القوم بعضهم إلى بعض وكاتبوا إخوانهم من أهل البلاد حتى تم لهم ما يريدون فواعد جماعة منهم إخوانهم على قتل السلطان لاجين ونائبه منكوتمر فما إلا أن صلى السلطان العشاء من ليلة الجمعة العاشر من شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وستمائة وإذا بالأمير كرجي وكان ممن هو قائم بين يديه تقدم ليصلح الشمعة فضربه بسيف قد أخفاه معه أطار به زنده وأنقض عليه البقية ممن واعدوهم بالسيوف والخناجر فقطعوه قطعاً وهو يقول الله ".
............................................................................
قرأت بالصدفة قصة كنت سمعتها قديما عن الجامع الأزهر:
أن بهذا الجامع طلسم!!! و الطلسم - لمن لا يعلم - هو رسم أو نقش سحري ما ، يرسم من أجل تحقيق نية ما.. أو لسبب يبغيه صاحب الطلسم، و طلسم الجامع الأزهر وفقا للمقريزي قد وضع لسبب غريب :
"يقال أن بهذا الجامع طلسماً، فلا يسكنه عصفور، ولا يفرخ به، وكذا سائر الطيور من الحمام واليمام وغيره، وهو صورة ثلاثة طيور منقوشة، كل صورة على رأس عمود، فمنها صورتان في مقدم الجامع بالرواق الخامس، منهما صورة في الجهة الغربية في العمود، وصورة في أحد العمودين اللذين على يسار من استقبل سدة المؤذنين، والصورة الأخرى في الصحن في الأعمدة القبلية مما يلي الشرقية"
و الحق أنني لم أهتدي أبدا لمكان الصور المذكورة أثناء تجوالي بالجامع .. و لكني أعرف أنه قد اعترته تجديدات عديدة .. و ربما زالت هذه الطلاسم... و لكني متأكد من شيئين ، أولا أنني لم ألاحظ أي أعشاش للحمام الكثير في صحن الجامع ، و أن الفاطميين كانوا شديدوا الهوس بالسحر و الطلاسم - شأن العديدمن مغاربة اليوم أيضاً!- .
و يروي المقريزي قصة غريبة و هي أن السلطان الأشهر الظاهر بيبرس أراد يوما أن يهدم أحد الأبواب الفاطميه ، و كان يسمى باب البحر، و عند هدمه و جد فيه صندوق به طلاسم و أشكال من نحاس ، و كتابة بالخط القبطي! و يروي بالتفاصيل محتوى الصندوق .. ثم يروي عما بقي ظاهرا من هذه الكتابات:
"..وهذا نص ما فيه، وأخلَيْتُ مكان كتابته التي تكشطت، وأما الوجه الأبيض: فهو مكتوب بقلم الصحيفة القبطي، والمكتوب في الوجه الأحمر على هذه الصورة: السطر الأول بقي منه مكتوباً الإسكندر.... ، السطر الثاني: الأرض وهبها له، السطر الثالث.... السطر الثاني عشر: سد أيضاً كل آثار أسدية بيبرس...... ، السطر الثالث عشر: بيبرس ملك الزمان والحكمة كلمة الله عز وجل، هذا صورة ما وجد في اللوح مما بقي من الكتابة والبقية قد تكشط.
..... ولعل معنى كتابة بيبرس في هذا اللوح إشارة إلى أن هدم هذا الباب يكون على زمان بيبرس، فإن القوم كانت لهم معارف كثيرة، وعنايتهم بهذا الفن وافرة كبيرة، والله أعلم، وموضع باب البحر هذا اليوم يعرف: بباب قصر بشتاك، قبالة المدرسة الكاملية."
يبدوا أن واضع هذا الطلسم كان يعلم أن من يقوم بهدمه بعد مئات السنين سيكون الظاهر بيبرس ... و لا تعليق.
١٨٩٠ - مصور مجهول
مسجد محمد بك أبو الدهب هو تقريبا آخر مساجد العصر المملوكي على حد علمي - و يتعجب الكثيرين من شكل منارته الغريب .. التي ترفع في أعلاها ما يشبه الأزيار أو الزلع.... و هو شكل نادر بالنسبه لمنارات هذا العصر ... و له قصة ( القصة هنا شعبية ... سمعتها من جدتي رحمها الله .. و ليس لها أصل في كتب التاريخ) ... القصة أن هذه المأذنة مرصودة .. أي أن عليها سحر أو عمل .. و أن الأزيار بأعلاها مليئة بالذهب ( لاحظ اسم صاحب الجامع) و لكن مشكلة الذهب هذا أنه منذور ألا ّيأخذه أي شخص إِلا ّإن كان اسمه "محمد" ( لاحظ اسم صاحب الجامع!) ، و أن يكون اسم أبيه "محمد" و جده أيضا حتى سابع جد!
هذا الشخص فقط هو من سيسمح له الثعبان الضخم الذي يحرس الجرار من أن يحصل على الكنز...
و تروي لي كيف كان العديد من الناس يحاولون سرقة الذهب لكنهم يقضون حتفهم .. و كيف أن هناك شخص يحمل اسم محمد حتى رابع جد... و هو مصر على استكمال الطريق ليحصل أحفاده على الذهب.
قد تبدو قصة طفولية .. أو حدوته لتسلية الحفيد .. و لكن يبقى السؤال : لماذا توجد أزيار بأعلى المئذنة؟!
اعتقد أن الكثير من الأماكن ارتبطت لدى السكان المحليين بقصص و أساطير شعبية لم تذكرها كتب المؤرخين الكبار ... و لا أعلم إن كان الباحثين قد عنوا بجمعها و أرشفتها أم لا...
إن زيارة جامع ما بعد التعرف على قصصه .. أشبه بمقابلة رجل عجوز و أنت تعرف ماضيه.. أما إن كنت لا تعرف .. فستجده واقفا بجوارك في الأوتوبيس .. أو قد تمر من أمامه في المحل دون أن تلحظه.. أما إن عرفت كيف كان.. فإن الزيارة لها طعم مختلف تماما عن أي زيارة أخرى للمشاهدة أو التقاط الصور ... حقا تدب الحياة في الجدران .. و أكاد أرى أسلافنا هنا .. بفنهم .. ، جهلهم .. و تسلطهم .. وورعهم...
و أتذكر كلمات حداد:
" ... فكم بت الليالي و عيني ساهرة
تجوب الأرض و السماء
فتنادت في مهجتي الأسماء
و طرقت بالي خيالات القرون الغابرة ..." ـ
كتاب ( السلوك لمعرفة الدول و الملوك) للمقريزي - " موقع الوراق"
كتاب (المواعظ و الإعتبار بذكر الخطط و الآثار) المعروف بالخطط المقريزية - " موقع الوراق"
كتاب (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة) لابن تغر البردي - " موقع الوراق"
مجموعة الصور التاريخية لجامعة شيكاجو
نشكر وزارة الثقافة على الموقع








لبنان
اسطنبول