٠١‏/٠٧‏/٢٠٠٧

تان تان


بائع الصحف الكلاسيكي الذي أفضله ، كنت قد مررت من أمامه صدفة عند أحداث القضاة في ٢٥ مايو ، ووجدته معلق لمئات من ملصقات "يحيا العدل" تلك الخضراء بالنجوم الصفراء ، علمت مؤخرا فقط أنها كانت لشايفنكم الناشطة وقتها . و لكنني لم أكن مضطلعا بالأحداث بشدة ، و لكنني أحببت تعليق الملصق على السيارة ، فسألته واحدا ، فأخذ يقلب المكان رأسا على عقب ، و استمر رغم الحر الشديد ، و رغم أنها المرة الأولى التي يراني ، في البحث و التنقيب ، و لكنه نظر إلي بيأس معلنا نفاذ ما عنده منه ، و أخذ يعتذر بشدة.
راقني الرجل ، و أصبحت كلما كنت في حيه أشتري منه الصحف و الكتب الجديدة ، إلي أن مررت يوما ، و بينما أطالع المجلات اقترب مني بعدد من تان تان ، و قال و البسمة تعلو وجهه : “شوف يا استاذ؟ طبعوها تاني"..
أمسكت منه عدد" تان تان في معبد الشمس" ، قلبت صفحاته ، كان جديدا مصقولا ، و رقم الإيداع يعود لعام ١٩٩٥ الطبعة السادسة. لدار المعارف.
قلت : ده مش جديد ولا حاجة ، دي يا إما إعادة طبع ، يا إما كانوا مخزنينهم من زمان.
قال: لا يا استاذ ، دول بعتوا لي المجموعة كلها ، بص؟ "سر الخرتيت "، "الكرات البللورية" ... كل حاجة! و كمان دول ...!!
نظرت مشدوها ، فكانت في يديه كل أعداد استريكس و اوبليكس ، بالعربية ، و جديدة لامعة...
تعجبت من الرجل ، كان يعرف كل الأعداد ، عن ظهر قلب ، بل و أخذ يعطيني نبذة عن كل قصة منهن. و عجبت لبائع صحف على ناصية شارع قاهري ضيق ، هو في نفس الوقت متعاطف و داع لمؤازرة القضاة ، و من معجبي تان تان و استريكس.


تان تان ، رغم كل ما يؤخذ عليه أحيانا ، فهو عمل فذ في رأيي ، مليئ بالتفاصيل الممتعة ، و الشخصيات التي كلما عرفتها أكثر ، كلما اغرمت بها. و حينها قررت شراء أعداد كانت تنقصني في صغري ، و رغم السعر المرتفع (٨ جنيهات) فقد اشتريت كما لا بأس به.
و أول ما فعلته هو التصفح السريع بحثا عن "كابتن هادوك" قبطان أعالي البحار ، فكل قاريء لتان تان يعلم أن "هادوك " كان سكيرا عتيدا ، و يشرب نوعا مفضلا من الويسكي. و لا يمانع في النبيذ .
و لعلمي أن الموجة الدينية الحالية التي أكلت البلاد قد لا تستسيغ طبع و نشر شخص كهذا – مهما كانت شخصية "هادوك" نبيلة و طيبة – فقد ساورني القلق على مصير الرجل ، و لكنني اكتشفت أنه يشرب الويسكي لا زال ، و لا زال يسب " ألف ألف لعنة!" ...


تشوب الروايات شبهة عنصرية ما ، نعم و بعض من أرستقراطية أيضا ، لا أنكر ذلك ، و عادة سكان البلاد الاخرى فيها لهم طباع دونية ، و عادة ما يظهرون كخدم أو لصوص ، أو ما شابه. فضلا عن اتهام الروايات بمعاداة المرأة ، فلا توجد شخصية أساسية واحدة موكلة إلى امرأة ، و إن ظهرت مرأة فيحدث في أقل سياق ممكن ، و تستثني الشخصية الأساسية الوحيدة في إحدى الروايات : بيانكا كاستافيور ، مغنية الأوبرا ، و هي شخصية مزعجة إلى أبعد حد.


و كانت لقصة "بيانكا كاستافيور" دورا كبيرا في ترسيخ صورة تقليدية ضبابية عن الغجر في مخيلتي كطفل. و عن ميلهم للسرقة و الاحتيال ، و حياتهم المخيفة ، وقد احتجت إلى سنوات لأغير من ذلك ، و انقلبت للعكس ، لشخص مهووس بالغجر ، في مصر بالذات ، و تراثهم. و رغم ذلك أذكر لتان تان أنه علمني معنى كلمة غجر (و إن كان منقوصا) و أنا بعد إبن ١٠ سنوات.

الدلاي لاما ممسكا بعدد (تان تان في التبت) ـ

و لكن يمكن دوما النظر لتساؤل تعالي هيرجيه على الآخر (لاتيني -هندي – غجري ) في بعض المواقف كنوع من الضرورة الدرامية ، و في النهاية لا يمكن مطالبة أي فنان بأن ينهج نهجا أخلاقيا أو إرشاديا في أعماله ، و لا مانع من قراءة هيرجيه حتى و إن كان فاشيا فعلا كما يقال ، و إن كنت لا أوصل الأمر لذلك.

لا أستطيع القراءة بالفرنسية ، رغم أنني أصبحت أفهمها بعض الشيء ، إلا أنني أفضل أن أقرأها بلغتي الأم العربية ، خير من الانجليزية الوسيطة ، و لم تواتني أية شبهات في الترجمة ، أو أي شبهة ترقيب أو تنظيف أخلاقي للعمل ، كما أصبح يحدث في ميكي ، من تسرب عبارات سماوية مثل : “ السلام عليكم" ، و " إن شاء الله".
لا أقرأ ميكي كثيرا الآن للأسف ، و لكنها منذ تحولت للشركة الجديدة ، و المحتوى المترجَم لا يروقني ، و قد لاحظت اتجاها غير مطمئن في لغة الكتابة في عدد أو اثنين وقعا في يدي ، و أرجو أن يكون الأمر عارضاً.
في تان تان قد يتم استبدال لفظة نبيذ بالـ "مشروب" ، و لكن عند الضرورة الدرامية فللنبيذ اسمه ، و للويسكي اسمه ، و لا غبار على ذلك ، فالطفل أو المراهق الذي يقرأ ، ذلك الذي دوما ما نرى أن علينا "حمايته" و " تربيته" فلا مانع من أن يعلم أن هادوك الثري الرهيب ، الذي يعيش في قصر "مارلي" ، يعاقر الخمر . علي الرغم من أن تان تان نفسه لا يشرب.




في قصص ملحمية كهذه ، لا أعلم لماذا عادة ما يكون البطل أقل الشخصيات جذبا لي ، فتان تان بالنسبة لي متذاك ثقيل الظل ، فرنسي/ بلجيكي بشكل معصب ، لا يخطيء ، و لا يخاف .. و الحق هذه الصفات تقلل من أسهمه كثيرا، قياسا إلى من أقرأ الحلقات لأراهم : بدآ من "تيك و تاك" نهاية إلى "نستور" الخادم المطيع ، مرورا بـ " برجل" ، "ميلو" ، "فاجنر" و آخرين.



نفس الأمر بالنسبة لميكي ، فذاك الميكي ، ناهيك عن كونه فأرا ، الذي هو أمر سخيف في حد ذاته ، فهو شديد الألمعية ، و اداؤه أقرب للحاسب الالي ، و بالكاد ترى فيه عيبا واحدا ، بعكس الشخصيات الأخرى في عالم ديزني ، فبطوط يمتلك سحره كله من عصبيته ، و كسله الدائم ، و حبه المستحيل لزيزي ، و بندق مشاكله المتكرره تجعله أكثر نبلا و جمالا ، أما العبقري دهب ، فلا حديث عنه ، و أظن أن شخصية دهب مقتبسة من شخصية "سكرودج" البخيل في رواية ديكنز القصيرة " ترنيمة عيد الميلاد" أو " من وحي العيد" كما تسمى أحيانا.

و مسألة الشخصية الاساسية و الشخصيات الفرعية التي تكاد تكون أكثر جمالا و أثارة لا تنطبق علي الكارتون و القصص المصورة فقط ، بل تتعداه لملاحم أخرى - و لا أتحذلق ، و لكن فقط خطر في بالي - ففي الأدب القديم " أوديسيوس" ليس من يغريني لقراءة ملحمته ، بل عشرات الشخصيات و القصص الهامشية الاخرى ، و مسألة رحلته ما هي إلا إطار واسع لسرد حكاياتهم في رأيي .
و يتجاوز الامر للميثولوجيا الشعبية ، فأبو زيد الهلالي ، و الزناتي ، ليسا أكثر من خط ليجمع قصصا أخرى ، كقمصان ، و الجازية ، و آخرين. و هم الأقرب لي ، و الذين أتذكر بهم القصة.

بل و حتى ملحمتي المفضلة في الطفولة "حرب النجوم" فـ "لوك سكاي ووكر" سخيف ، و بارد ، و متوقع دائما ، و لكن قد هُوس شباب العالم لعشرات السنين برفاقه : “آر– تو" ، "تشوباكا " ، " جابا" .. و عشرات بل مئات آخرين.

أعنى أن القصص تلك مثل حياتنا العادية اليومية : عادة بطل القصة و قائدها الكبير الالمعي المسمى على الأغلفة و الصفحات الأولى ، هو بالكاد يؤثر ، و لكن من حوله هم فحوى الأمر ، فعند افتراضي أن تان تان قد يزول يوما ، و قد يأت بدلا منه آخر ، حينها سيبقى رفقاؤه هم قلب الحكاية و السبب الرئيسي لاستمرارها ، قد يسيطر لوك على المجرة جاعلا إياها جمهورية ، و قد يحرر أستريكس بلاد الغال من الرومان و يحكمها بشرابه السحري ، و لكن يظلا - مثل أسماء أخرى - هم أبعد الناس عن قلب الحكاية ، و عن قلوب الناس كذلك...
و لعلي أهذي مرة أخرى.


إضغط هنا لتحميل روايات "تان تان" بالعربية في صيغة (بي . دي .إف)
إضغط هنا لتحميل روايات" أستريكس و أوبلكس" بالانجليزية في صيغة (بي . دي .إف)
اضغط هنا لتقرأ الأهرام! ـ

٢٢‏/٠٦‏/٢٠٠٧

تسلسل .. تتبعه موسيقى.. ـ


لم أكن أحلم في نومي من قبل ..
أتذكر أحلاما قليلة جدا و متفرقة من آن لآخر. و لكن من المؤكد أنني لم أكن لأستيقظ أبدا محملا بصور رؤى شاهدتها في منام ، و أصوات سمعتها...
اليوم لا يمر صباح لا أصحو بمزاج ما ، يختلف أو يتفق حيثما كان الحلم ، ففي يوم أصحو بمزاج راكد ، عصبي ، بدون الرغبة في العمل أو الحديث ، و يوم بمزاج نوستالجي يدفعني للمسير لأماكن بعينها ، و يوم بمزاج متوتر معقد ، حسبما كان الحلم.
و أحيانا يقلقني النوم خوفا مما قد يحدث في هذا العالم الخاص .. فأحداث حياتي أتحكم فيها ، أقابل من أريد ، و أتجنب من أتجنب ، و لكن الحلم عالم أتصرف فيه و كأنني أنا ، و قد وجدت في عوالم لم أكن لأختارها.
و أذكر فتاة عرفتها ، كانت في مكالمتنا المعتادة كل صباح ، تقص علي بصوت نائم حلم ليلتها ، و الحق كانت تزعجني عادتها هذه كثيرا ، و أجدها مضيعة للوقت ، و لم أفهم يوما رغبتها المميتة في إكمال الحكي مهما أوضحت أنا من عدم رغبة في الاستماع.
اليوم أعلم أنني كنت على ضلال.
اليوم أعلم إلى أي مدى يؤثر حلمي في نفسي ، في سلوكي اليومي ، في عملي حتى ..
و لكنني لا زلت لا أحكيه ، فغالبا ما ضم أمورا ، لا أعلم إن كان من حقي أن أسرها للأقربين مهما كانوا أم لا.
بل و أحيانا ، لا أطيق حتى تذكرها.

عن أزمة نوم أخرى ، يغني ديلان . و سيظل بوب ديلن ، واحد من أعظم أيقونات الستينات ، كموسيقي ، و شاعر ، و يهودي مناهض للحرب منذ الستينات ، و أب روحي للعديد من الفرق و المغننيين ليومنا هذا . بحسب مارتن سكورسيزي نفسه.
Not Dark Yet - Album:Time Out of Mind - Year: 1995

powered by ODEO

التذكر

في مقهى عتيق في الاسكندرية ، و بينما نحن جلوس ، حدث و أن قالت لي روز - الحكيمة أحيانا - :
اليوم ستتلقى العزاء على ما مررت به ، اليوم سنشرب جميعنا قهوة سادة ، و سنعزيك فردا فردا ، حينها فقط ستتوقف عن الشعور بالحزن ، ستتجاوز ما بداخلك داخلك ، و حينها فقط ستكون قد بدأت من جديد.
كنا خمسة أصدقاء ، شربنا قهوة ، و دخنا بضع سجائر ، و قالوا لي : البقية
في حياتك. رغم أنه لم يكن من شخص قد مات.
خلق حالة العزاء التخيلية هذه ، قد توقفت عندها لوقت ، لا أعلم إن كانت قد ساعدت أم لا ، و لكن هي و لا بد كانت تجربة أثرت في كثيرا - و إن لم أظهر - و ظلت شراكات الآخرين سندا لي كما كانت من قبل ،
أنظر الآن للأسكندرية كحلم ، و يصبح فنجان القهوة المرة ، في مقهى على بحر ، أكثر عذوبة من تسلسل كامل لأيامنا القاهرة .
و يصبح في تلقي العزاء راحة ما ، و ثقل ينزاح رويدا عما في الصدور.
أشكر "هـ" التي شاركتنا القهوة ، لقدرتها هائلة على الخلوص بروح نقية بين كل هذا الهراء.

.. ليس من كلام يقال عن سيمون و جارفنكل ..
Bookends Theme - Album: Bookends - Year:1968

powered by ODEO


البدء من جديد

إن كان قد قال لي شخص منذ عام ، أنني في يونيو ٢٠٠٧ ، ستكون حياتي بهذا الشكل ، سأكون أعمل كذا ، و أحب فلانة ، و أكسب كذا ، و أصادق هؤلاء ، لكنت اعتبرته دربا من الجنون المطلق.
تغيرت سبل و متاهات حياتي كثيرا كثيرا خلال التسعة أشهر الماضية ، و قال لي الفلك : هذا هو عام برج القوس ، ستشهد حراكا و تبدلا لم و لن تعرفه في حياتك من قبل.
و كانت حقيقة ، على الأقل بالنسبة لي.
و لكن على الرغم من تغير حياتي / عملي / دائرة معارفي و أحبائي ، بل و ربما تغير شكلي و ملبسي ( فقد آثرت ارتداء السواد) ، إلا أنني لم أتغير بالكاد .
فعدا مزاجي الاكتئابي ، و قلة حديثي النسبية عما سبق ، فإنني لازلت أحب نفس الاشياء التي طالما أحببت ، أفضل نفس الاطعمة ، أحمل نفس القيم و الأفكار التي حملتها و منهجت حياتي عليها ، حياتي تلك التي تغيرت كثيرا.
بل و لا زلت أحمل نفس الهوس المرضي بأشياء بعينها ، تلك التي ينضج الناس عليها ، أو تمر مرحلتها فينسونها ، فلا زلت مهووسا بالمعمار القديم ، و بقاهرة الأربعينات ، و اسكندرية بدايات القرن ، بل و لازلت أدون هنا علي الرغم من صعوبة ذلك ، و لازلت أقرأ مدونات أحببتها منذ أول سطور ، لازلت أحب الأناس العجائز ، أجالسهم ، و نتحدث بالساعات ، لازلت أدرس أوضاع الأقليات في مصر ، و أقوم بشيء من آن لآخر ، لا زالت علاقاتي العاطفية تربطها نفس المعايير و الالتزامات ،و ال زلت أهوس بفرق موسيقية بعينها ، و لا زالت الأفلام التي أحبها .. أحبها ، و لازلت نباتيا. و لازالت أشياء كثيرة.
أتساءل ، أأنا على حق ؟ أم أن على التغير وفقا لمنحنيات حياتي الحادة؟ أم فقط علي الانتظار لأرى ما سترمي به الحياة؟
ربما أؤثر أن أكون كما اخترت لنفسي ، و إن صعب هذا في حياتي الجديدة ، تلك التي لم أخترها أبدا.

كتبت من قبل عن دامين رايس ، الانجليزي ، الذي يسجل موسيقاه المستقلة في منزله ، يشاركني البرج الفلكي و المرارة ، و ميلا للابتعاد عن الناس ، فهو بالكاد يؤدي عروض حية للجمهور ، من ألبومه الأخير (٩) آخر أغنية فيه
The Rat Within the Grain - Album: 9 - Year 2006


powered by ODEO


المطلق

حينما تجلس فتاة تحملق في شاشة ساكنة أمامها ، و تتبادل ضحكات من آن لآخر بين الجالسين إلى الجوار ، و أكون أنا واقف بالخلف ، أحملق فيها مشدوها من غرابة أن أراها بعد كل هذه السنوات الطوال جدا، و ألعب لعبة التأمل من بعيد - و إن كانت غير أخلاقية أحيانا ، و لكن لم أملك سواها - فإنها لابد أن تلتفت للخلف ، ناظرة نحوي ، و كأنها علمت بوجودي ، و كأن بعض الطاقات لا يمكن اجتنابها.
لذا..
كان لا بد كان لضوء القاعة أن ينطفيء في هذه اللحظة بالذات ، لا أظن أن أيا منا كان ليحتمل تلاقي العينين للمرة الأولى بعد كل هذا العمر.
كان تخفيفا من القدر ، ذلك الذي لم يخفف أي شيء فيما سبق ، قرر بعضا من تعاطف الآن.
و حتى الآن لم يدر كلانا كيف شعر الآخر عندما نظر لوجهه للحظة الأولى ، و لا داع للمعرفة.
احتراما لتعاطف السماء المتأخر
و أحتراما لأشياء أخرى يضيق بها الصدر...
و تضيق بها هذه المدونة...


كونشرتو الكمان الوحيد لبيتهوفن ، و ستظل التيمة الأساسية هي أقرب الألحان الكلاسيكية إلى روحي ، تلاحظ بدءا من الدقيقة 1:36 من هذه الحركة الأولى ، بيتهوفن كتبها لأفضل عازف كمان في أوروبا وقتها فرانز كلمنت ، و تروي الاسطورة أن بيتهوفن أنهى كتابته في المسرح دقائق قبل العرض الأول ، و أن العازفين عزفوه لأول مرة من ورق لم يجف حبره بعد . و هذا لا يبتسر من قدره شيئا بالنسبة لي.
مهداة إلى أفضل عازف كمان بين المدونين ، هيثم...
متذكرين كيف كانت سعاد جميلة في الاسكندرية


powered by ODEO

١٦‏/٠٦‏/٢٠٠٧

الخصوصية ، فيسبوك، الجيل الثالث

أخبرني صديق لي يوما بأنني مهووس بالخصوصية ، و لا أدر علام بنى حكمه هذا ، بل و لا أعرف معناها بالكامل ، و لكنني أكيد أن خصوصيتي تعني الكثير لي ، بدءا من مكان عملي ، لمساحتي في الشارع ، لشباك مطبخي ، مرورا بمكالماتي الهاتفية حتى نصل لجهاز الكمبيوتر الشخصي ، الذي هو ذروة أسراري و حكاياتي.

و منذ كنت ابن ١٤ عاما ، أذكر يوما أن راكبا في الميكروباص كان يقرأ معي كتابا كان في يدي ، و أذكر مرة أخرى سألني أحدهم – مقاطعا قراءتي - هو اللي معاك دي كصة (قصة يقصد) و لا مذاكرة؟

و لا أعرف لماذا لا يهتم الكثير من المصريين بخصوصياتهم ، بل و كثير من بسطاء الناس يتعامل مع كلمة خصوصية و كأنها معادل للجماعة في البيت ، أو علاقته الحميمة بامرأته ، في حين أن من يلمس كتفي في الاتوبيس فقد انتهك خصوصيتي ، و يراقبني و أنا جالس وحدي في المقهى من باب التسلية ، فقد انتهك خصوصيتي ، و من يسألني في المطعم الراقي – حدث بالفعل - : هو انت بتعمل تنية البنطلون بتاعك فين؟ أصلي أعرف حد بيعملها أحسن !! فقد انتهك خصوصيتي.

و لا زلت أذكر علاء السادس عشر عندما دون بروعة عن : مساحة الخصوصية وخصوصية المساحة ، و بعد عام لازالت مساحات الخصوصية تبتسر من حين لآخر.

كنت أظن دوما أن الشبكة هي آخر معاقل الحريات و الخصوصية ، لكن يتضح العكس ، و منذ أحداث اعتقال الصيني شي تاو الذي قامت شركة ياهوو بتسليم معلومات عنه للصين ، حول بريد الكتروني قد بعث به ، و استخدم ضده في المحاكمة ، مما أدى لسجنه لمدة ١٠ سنوات ، و ها نحن في ذكرى حملة القمع في ساحة تيانانمين التي اعتقل تاو على خلفية ذكراها من عامين .

و يبدو أن سلطة الحكومة الصينية كانت أكبر من أن تصارعها ياهوو ، خاصة أن الصين هي ثاني أكبر سوق للانترنت في العام ، و لن تتحمل ياهوو ضربة من حكومة الصين، و التي لن تكون أقل من المنع بين المستخدمين الصينيين.

ووفقا لقانون الارهاب الجديد في الولايات المتحدة ، يبدو أن عملية مراقبة البريد الالكتروني هو أمر وارد ، و لقد كنت أحادث صديقة لي ألمانية ، و قالت لي أنها امتنعت عن ارسال بريد الكتروني لأصدقائها عن أمور حميمة أو حياتية ، لأنها تخشى المراقبة. و تشعر بحرج إذا قرأ شخص غريب عنها.

عالم الافلام و الروايات السوداوية له مؤشرات الآن Lives Of The Others، V- For Vendetta , 451 Fahrenheit , 1984

حينما تمتلك المؤسسات و الحكومات حيوات الناس ، بدافع حمايتهم ، و تصبح الرقابة منهجا ، و علي الجميع أن يعيش كذلك.

و لكني قررت ألا أترك نفسي للوساوس ، و أن أستمر في حياتي الطبيعية على الشبكة ، كمدون ، و صاحب بريد الكتروني ، و صاحب حسابات في برامج الدردشة بلا اكتراث ، فليس لدي أي حرج إن علم أحد أخبار علاقاتي العاطفية ، أو آرائي الجنسية ، و لكن الذي يؤسفني الآن حقا ، هو الخدمات الجديدة التي نسعى جميعا لدعمها ، و ملئها ببياناتنا ، و كأننا نقوم بعمل قاعدة بيانات لسكان الكوكب ، و أعني مواقع و خدمات المجتمعات ، مثل Facebook , hi5 , Myspace

فلا أعلم لماذا يخبرك موقع hi5 عن من قاموا بقراءة بياناتك مؤخرا من الأعضاء ، و أذكر أزمة كبيرة معقدة حدثت بين فتى و فتاة بسبب اكتشافها أنه علم عنها أن لها صديق جديد من بعده عن طريق تصفح hi5 , و هو مفتوح للجميع ، يمكن لأي كان أن يعلم من صادقت ، و أين سافرت ، و ماذا أسمع ، بدون أن أضيف بنفسي هذه المعلومات ، فقط من خلال التتبع. و مشاهدة الصور ، و ربط الأشخاص.


و لكنني سأقتصر هنا على facebook الهوس الجديد ، - و أنا عضو فيه بالمناسبة - فهذا الموقع يستفزني تماما ما يسميه " نيوس فيد " و هي (خدمة) عبارة عن تقديم آخر ما قمت به كمستخدم ، و هي موصلة بكل أصدقائي ، فالجميع يعلم من صادقت اليوم ، و ماذا قلت ، و أين وضعت صور رحلتي للاسماعيلية ، بل و أنني ذهبت للاسماعيلية من الأساس.

و قد حدث أن صديقا لي راسلته ببريد الكتروني لسؤاله شيء ما ، لم يرد لأسبوع ، و عندما رد علي ، اعتذر عن تأخيره بأنه لم يكن لديه وصلة انترنت لفتح الإيميل ، لكنني أعلم أنه كاذب ، لأنه كانت له نشاطات خلال هذا الاسبوع على فيسبوك .

المغزى أن من حق الرجل هذا أن يكذب ، و هو أمر نقوم به جميعا ، لكن فيسبوك فضح الرجل ، و جعله عاريا من خلق أكاذيبه – التي هي جزء من تركيب البشر - .

عودة للخصوصية ، عند عمل حساب في فيسبوك ، نقوم بالموافقة على لائحة مكتوبة ، هذه اللائحة تحتوي على السطر التالي:

“We may use information about you that we collect from other sources, including but not limited to newspapers and Internet sources such as blogs, instant messaging services and other users of Facebook, to supplement your profile."



بمعنى أن فيسبوك قد يقوم بالبحث عن معلومات عن المستخدم غير محدودة تشمل البحث في الشبكة و الصحف و المدونات ، لعمل إضافات ، و تحسينات لواجهة المستخدم (البروفيل) ، و لا أعلم ما معنى هذا.. لكننا جميعا وافقنا عليه.


و للخدمة الآن معارضين كثر، و منظمات لإلغائها. حتى ظهر مسمى Cyberstalking ، أو online harassment أو online abuse ، بمعنى التحرش عبر الشبكة.


بحث بالانجليزية مطول عن فيس بوك و تهديده للحريات هنا ، لم أقرأه بعد ، لكني تصفحته ، و هو يركز على المدن الجامعية بأمريكا ، ووسائل متابعة الجامعة للطلبة من خلال فيسبوك ، إلى أن أدى الأمر لفصل أحدهم

و صاحب المؤسسة مارك زكربرج (٢٤ سنة ، يدرس في هارفرد) كان قد قام بالدخول على خادم الجامعة العريقة ، و موقعها . أثناء دراسته، و قام بجمع صور للطلبة بدون علمهم ، و لغرض ربحي (الكلام من ويكيبيديا) ، و لكن لم يتم اتخاذ إجراء ضده.

و عام ٢٠٠٤ قام بانشاء فيسبوك لطلبة هارفرد كبداية ، و خلال أسبوعين كان نصف طلبة النزل الجامعي أعضاء فيه ، و قام بتوسيع نطاقه لبقية الجامعات الأمريكية ، و استشرى حتى أصبح ظاهرة شبكية ، بل و هناك أيضا خطة لتشغيل برنامج وايرهج لتبادل الملفات ، و الصور و خلافه.

نعم ، فيسبوك سيصبح خلال العام داخل أجهزتنا مثل برامج التبادل ، بحجة التقريب بين الأصدقاء و الشراكة.

و حينما سؤل زكربرج عن التحرش و استخدام موقعة للتنقيب المعلوماتي من قبل المؤسسات الحكومية كمكتب التحقيقات الفيدرالية قال: “ نعم ، إن التحرش ليس بالأمر اللطيف ، لكن معرفة أخبار أصدقائنا هو اللطيف" و نفى أي عمليات بحث عن معلومات تمت عن طريق مكتب التحقيقات الفيدرالية. ووعد بالتدقيق في مسألة الخصوصية.

كنت أتكلم يوما مع صديق مدون حول الأمر ، قال أن مسألة الخصوصية انتهت مع ظهور الجيل الثالث من المحمول ، و ذكر أنه مع الفيديو كول ، شباب و فتيات أصبحوا يغيرون نهج حياتهم وفقا لفرضيات العالم الجديد. و الرقابة الاسرية.

أعتقد أنه على حق، ولكن ، قبل المحمول ، ماذا كنا نفعل؟

قبل فيسبوك ( الذي أصبح محور حياة أنا كثيرين الآن) كيف كانت الشبكة ، و كيف كانت علاقاتهم بأقرانهم؟

ماذا يستفيد فيسبوك؟ ماذايبيع؟ لا أجد إعلان واحد في صفحتي، فما فائدة مؤسسة ربحية بهذه الضخامة في كاليفورنيا؟

قال صديق لي: “ انت موَسْوِس ، الفيسبوك لطيف ، و بيساعد على الحفلات و التنظيمات ، و الحاجات دي، و بيسهل كثير"

تذكرت حفلة Woodstock عام 1969 , متضمنة أهم أقطاب موسيقى الروك ، و ناشطي السلام و مناهضي الحرب ، و ماقارب ٥٠٠ ألف متفرج لمدة ثلاثة أيام في العراء و المطر ، و كان منظمها يديرها من مقطورة خشبية في وسط الزراعات ، بملابسه الهيبية ، و موتوسيكل صغير ، و بدون محمول أو انترنت. و لا فيسبوك

لا أنادي بالرجعية و التقهقر ، و لكن لا أحب أن أعتمد كثيرا على خدمات يهوس الناس بها بلا بسرعة رهيبة ، لا أحب أن أتابع أنشطة المركز القافي الأسباني عبر الفيسبوك ، بل عير موقعهم علي الشبكة ، أو بالذهاب هناك و قضاء أمسية موسيقية في الحديقة.


و بمناسبة موسيقي الحديقة و كخاتمة ، فريق FREE الذي نسيه التاريخ ، غنى في وودستوك في الستينات ، مجانا ، و بلا أي مقابل ، و لا زلت أرى أنه من أفضل الفرق التي غنت هذه الموسيقى قاطبة.

FREE – حرية

يغنون : Mourning Sad Morning

وواحد من أفضل صولوها الفلوت في تاريخ موسيٍقى الروك


powered by ODEO

١١‏/٠٦‏/٢٠٠٧

قانون ت.ت


منذ سنوات كنت قد قابلت بالصدفة في الطريق فنانا كبيرا ، و لا أعني بالكبير أي المشهور الذي تتهافت عليه الفتيات ، و لكنني أعني كبير الانجازات و السن أيضا ، أخبرني أنه مبتئس من وظيفته تلك في مؤسسته العتيدة حيث يعمل ، و كيف أنها تعطله عن عمله ، لكنه يشعر بالمسؤولية تجاه وظيفته ، و لا بد من الاكمال، و أفاد كلاما عن البيروقراطية استغلال النفوذ ، و كل ما نعرفه عن مؤسسات كهذه ، ثم قال لي:

- أنا مش مشكلتي كل التجاوزات اللي بيعملوها ، أنا اتعودت على كده ، أنا مشكلتي إن مافيش سقف ليهم ، و لا حدود للتعريس!

قلت : ما هو ده طبيعي و مش جديد

قال : لا.. أنا بانادي إننا نعمل قانون ، نسميه قانون ت.ت.

قلت : ت.ت؟!؟

قال : أيوه ، " تقنين التعريس" ، أي يصبح لكل صاحب منصب حصة محددة من التعريس لا يتجاوزها ، كل حسب منصبه ، و بالتالي يعم الاستقرار!

ضحكنا.

ــــــــــــــــــــــ

تذكرت هذا الحوار بينما تريني صديقة لي ورقة أخذتها من طالب في إحدى مدارس اللغات الراقية ، الطالب في عمر السنوات التسع ، كتب هذه الورقة حينما علم بزيارة مسؤول للمدرسة ، و المسؤول ليس كبيرا بالمرة ، و بالكاد أعرف عنه جملتين ، لكن الطفل كتب هذه الورقة تحية للمسؤول ، أقدمها هنا ، كما هي ، (شطبت على إسم المسؤول و المدرسة لضمان الخصوصية)


مكتوب التالي:

(استبدلت اسم المسؤول باسم مشابه "محمد شكري" ، و اسم المدرسة الأصلي بـ "الإخلاص" )


“
محمد شكري له الشرف إنه يخش الإخلاص و لما

يخش الإخلاص أكيد هيخش مدرسة االلغات

و نحكيلو و هنسكيلوا و هنقولها هنكـ ( مشطوبة)

هنقولو مـ محمد شكري يا أبها

إه العظمه دى كله

“محمد شكري يا سكرة خليت الإخلاص

منو منورة " محمد شكري إنشاء تنورنا

تاني عشان تنور عشان تكبر مصنعنا و كمان

تكبر مينا ميادينا.


" محمد شكري يا معلم خلي

الوزارة ( مشطوبة)

“يارب تشرفنا تانا تاني

- انتهى الخطاب -


ليست هناك كلمة تقال لأساتذة هذه المدرسة ، سوى حرفين
ت .ت.



٠٨‏/٠٦‏/٢٠٠٧

عن الفراق


كنا جالسَيْن على أعتاب سلم رخامي بارد.
الجو هاديء
كانت تدخن سيجارتها التي أشعلتها بالمعكوس بدءا ، و لكنها ألقت بالفلتر المحترق بعيدا ، و أكمَلَت تدخينها بهدوء ، بينما أدخن لفافة تبغ خفيفة ، تنطفيء كل برهة ، كنا صامتين ، ثم - و لا أدر لماذا - حدثتني عن الموت
قالت أن أعز أصحابها يموت ، و ليس بيدها حيلة
و قالت شيئا عن قسوة الفراق
و لا|أدري لماذا قفز في ذهني كل تلك الاشياء البعيدة ، و التي لا يجمعها سوى ثقل حزن كبير في حينها ، و ظلال هذا الحزن اليوم.

ــــــــــــــــ
حينما كنت طفلا صغيرا عشت في مدن عدة ، و عرفت أصداقاء عديدين ، ثم فارقت هذه الأراضي و الناس ، و حدث اليوم أن هاتفني صديق عرفته في طفولة بعيدة في بلاد صحراوية ، لم أرد ، و كانت هذه هي المرة الخامسة التي لا أرد عليه خلال عام.
وفجأة قفزت في ذهني ذكرى يوم بكيت مرارة و أنا طفل حينما سافر صديقي هذا لعدة أسابيع ، فقد كان أقرب الناس لي ، و كان شعوري بوحدتي لا يعادله شعور حينها ، و اليوم : لم أرد ، و لن أرد أبدا
لقد انتهى هذا الزمان ، و ليس بيدي حيلة فيما صرت إليه الآن ، أو فيما صار هو إليه.
أصبحنا شخصان بالكاد نملك بضع عبارات للشراكة ، و لا شيء آخر
و كل ألم الفراق ، تشربته السنوات ، و بالكاد أكترث الآن
ـــــــــــــــ
في نومي حلمت بفتاة أحببتها حبا كبيرا لسنوات ،و رأيت فيما يرى النائم و كأنني في بيت لها ، و شاهدت سرير طفل صغير .
حينما استيقظت قلت : ربما تحمل و تلد قريبا ، فلها أسرتها الآن
و ابتسمت ، و ربما سعدت بعض الشيء ، تذكرت كم بكيت مرارة أيضا حينما فارقتني ، و كم كان طعم حزني حينما علمت أنها آلت لآخر
و الآن ، أبتسمت لفكرة أنها سعيدة ، و ربما سيكون لها أبناء
اليوم ، أشعر و أنني أشاهد ذلك من بعيد ، أو كأنني أقرأ رواية كتبت برداءة
فالآن لكل حياته البعيدة كل البعد ، روحا و شكلا ، و محتوى
و إن كان طعم المرارة لا زال في حلقي ، و لا مفر من التذكر.
و كأن الأزمنة صنعت لنكبر قليلا ، فننسى.
أو لنتأمل كيف كنا ، و كيف أصبحنا الآن .

ـــــــــــــــ

مات قريب لأسرتنا منذ وقت ما ، كان عجوزا ، و كان يعيش في بيته مع زوجتة العجوز ، حينما رحل ، أذكر أن زوجته لم تذرف دمعة واحدة ، بل واجهت الوضع بقوة امرأة مصرية ، و قلب زجاجي ، و عندما سألت أنا عن ذلك ، علمت أنهما كانا في خصام فولاذي ، طال الخمسة عشر عاما.
بل أنهما لم يتبادلا أي حديث خلال هذه السنوات ، فقد كان الرجل قد آلم هذه السيدة كثيرا فيما مضى ، و لكنها لم تطيق الغفران طوال هذه السنوات ، و لا الطلاق.
مات في فراشه
بدون كلمة ، و علمت هي في اليوم التالي ، حينما لم يخرج بعكازه لتمشيته الصباحية المتوحدة ، التي لم يتغيب عنها أبدا.
مات ، و لم تتاح كلمة واحدة للود أو الغفران بينهما.
يبدوا أن الزمان أحيانا ، أقل قسوة كثيرا من بعض الناس ،
رحم الله الزوجين
و ربما أتيح لهما في حياة أخرى ، بعض من سلام ، و ربما من حب جديد.



رمي ، يشاهد ابنته تحدثه لآخر مرة عبر الشبكة ، في يوم وفاته
من: الغزوات البربرية


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ


لا أذكر كلمات عن الموت أكثر تأثيرا في مما كتب درويش عن نفسه :
“قل للغياب: نقصتني
وأنا حضرتَ ... لأكملَك"

و بالتالي تمر فى البال كلمات أخرى: ـ

في البيت أجلس، لا حزيناً لا سعيداً
لا أنا، أو لا أحد

صحف مبعثرة. وورد المزهرية لا يذكرني
بمن قطفته لي. فاليوم عطلتنا عن الذكرى،
وعطلة كل شيء... إنه يوم الأحد

يوم نرتب فيه مطبخنا وغرفة نومنا،
كل على حدة. ونسمع نشرة الأخبار
هادئة، فلا حرب تشن على بلد

ألامبراطور السعيد يداعب اليوم الكلاب،
ويشرب الشمبانيا في ملتقى نهدين من
عاج... ويسبح في الزبد

ألامبراطور الوحيد اليوم في قيلولة،
مثلي ومثلك، لا يفكر بالقيامة .. فهي
مُلك يمينه، هي الحقيقة والأبد!

كسلٌ خفيفُ الوزن يطهو قهوتي
والهال يصهل في الهواء وفي الجسد

وكأنني وحدي. أنا هو أو أنا الثاني
رآني واطمأنَّ على نهاري وابتعد

يوم الأحد
هو أول الأيام في التوراة، لكن
الزمان يغير العاداتِ: إذ يرتاح
ربُّ الحرب في يوم الأحد

في البيت أجلس، لا سعيداً لا حزيناً
بين بين. ولا أبالي إن علمت بأنني
حقاً أنا ... أو لا أحد! ـ

١٩‏/٠٥‏/٢٠٠٧

لقطات

ربما لأني أمر بقصة حب ما ، فأستشعر الأشياء بشكل مختلف... أو ربما هي أمور تلمس القلب حقا ، لا أدري ، لكنني لا محالة ، قد سعدت بكاميرا جهازي المحمول ، و التقطت بعض صور ، أعتذر لرداءتها ، لكنها تحكي قصصصا عدة ، لذا ، فقد استوفت أجرها .. ـ

١-
في حديقة الأورمان ، تطير طيور خضراء ضخمة ، تصدح بغريب الصوت ، ذيولها و رؤوسها ملونة ، و تعيش أعلى النخلات العاليات هناك ،في مجموعات من حوالي العشرة ، مع التركيز ، اكتشفت أنهم ببغاوات، ووفقا لكتاب تصفحته عن طيور مصر ، فإن هذه الطيور قد كانت تعيش في الأسر ، و هربت ، مكونة تجمعات و مستعمرات حرة لها في وسط المدينة ، في حديقتي الأورمان و الحيوانات.



لقد عاشت في النخلات نظرا لارتفاعها الشاهق، و بعدها عن الناس ، فهذه النباتات العملاقة زرعت هناك في بداية القرن ، و ظلت تنموا في تطورها الطبيعي بعيدا عن كل الجنون الذي أكل المدينة خلال كل هذه السنوات ، كانت المدينة تكبر ، و تتغير ، و تصير مسخا ضالا ، و استمرت النخلات في الصعود ، إيواء الطيور المحررة
و احتفظت نخلة منهن بهذا النقش الذي خطه عاشقان
مذيل بتاريخه لعام ١٩٤٩


٢-

في مبني عتيق كما أهوى ، يعيش صديق حميم لي ، أتمشى لزيارته كلما كان الجو صافيا في أواخر الليل ، في نفس بناية صديقي هذا توجد شركة المصطفى لإلحاق العمالة المصرية بالخارج ، و كنت إن زرته خلال اليوم أجد بضعة شباب و رجال و فتيات و هم جلوس على عتبات السلالم أمام مكتب الشركة ، و عادة ما يطول انتظارهم.
في العمارة مصعد خشبي قديم ،حمولة ثلاثة أفراد كما كتبوا علية بورقة قبيحة ، و لازال بجوار لوحة المفاتيح فيه ، توجد لوحة نحاسية شديدة الأناقة ، و كتبت عليها تفاصيل صيانة المصعد بفرنسية منمنمة ، و بأسفل اللوحة ، توجد علامة الشركة الموردة ، موصيري -كورييل و شركاهم



موصيري هذا بالطبع هو اسم واحدة من أهم عائلات اليهود في القرن الماضي في القاهرة ، و كانو ضالعين في العديد من المؤسسات المالية ، حتى كان هناك بنك باسم موصيري لفترة ما ، و لا شك أن العائلة كانت من أعمدة الاقتصاد المصري في ذاك الوقت ، و يمكن مراجعة كتاب د.محمد أبو الغار حول اليهود ، أو الكتاب الأكثر تخصصا 'الرأسمالية اليهودية في مصر' أنس مصطفي كامل" و نشرته دار ميريت
أما كورييل ، فكان مليونيرا معروفا أيضا ، من كبار أثرياء اليهود ، اسمه دانييل نسيم كورييل و كان يمتلك مصرفاً بشارع الشواربي و فيلا في الزمالك- تبرع بها ابنه هنري لدولة الجزائر عند طرده من مصر ، و أصبحت سفارة لها - وهو من أسرة أسبانية الأصل هاجرت زمن محاكم التفتيش و اضطهاد اليهود في أواخر العصور الوسطى إلى عدة دول ، منها إيطاليا التي عاشت بها أسرة كورييل· وقد هاجرت الأسرة من إيطاليا إلى مصر سنة 1850م حسبما يذكر هنري كورييل في سيرته الذاتية لأن ظروف مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كانت تشجع على العمل.
و بالطبع فالابن هنري ، هو من مؤسسي الحركة الشيوعية المصرية و حركة حديتو ، و كانت لها ما لها من تأثير علي حركة الضباط الاحرار. رغم اختلاف النظريات و الآراء في الرجل

أعود لأصل الموضوع ، شركة المصطفى ، و مريدينها من المدرسين و المحاسبين و عداهم ، و هم جالسين علي الاعتاب في انتظار العقد فالسفر لبلاد النفط الحارة
و جدت هذه الكتابات علي المصعد ، و الا أذكر أنني تأثرت لشيء قرأته في حياتي مثل هذه الجملة البسيطة

"هتوحشني ، بحبك ...البيت هيبقى وحش قوى من غيرك "
يبدو أن الفتاة لم تحتمل فراق زوجها فسطرت مشاعرها – بعكس عادة المصريين – بشكل سافر على مرايا و زجاج المصعد

و هذه واحدة أخرى مكتوبة لفتاة- زوجة - حبيبة - أخت: ـ

"هتوحشيني قوي ، بجد مش عارفة حاقعد ازاي من غيرك ، بحبك " ـ
"ba7ebak,hatew7asheny"

و على حائط المصعد كتبت اخرى:ـ
" هاتوحشيني قوي يا مي ، سمر حبيبتك" ـ

لا ألوم دول النفط التي شتتنا لأعوام و أعوام ، و لا ألوم من تركت زوجها و من ترك حبيبته بحثا عن ما يسد رمقهما في مستقبلهما المشترك ، و لكن ، لا أعلم إلى متي ستظل بلادنا لا تأوينا ، و إلى متى سيجلس الاحباء على عتبات السفارات و الشركات آملين في السفر ، و باكين عند الفراق
من الغريب أنه في المتر المربع، أقرأ اسم عائلات هاجرت من إيطاليا في زمن ماضي لفردوس القاهرة، و الآن سافرت مي إلى بلدان لن ترحمها أبدا.
فليعود الغائبون
على وطن آخر ، في يوم آخر ، في زمان آخر
و يمكن أنا محبكها حبتين

٠٢‏/٠٥‏/٢٠٠٧

قصة

هكذا حدثت بالضبط ، بلا زيادة أو نقصان ..

-١-
فقد كنت منذ إثني عشر عاما ، بعد فتى غض ، أنهيت دراستي الثانوية ، و أحلم بالسينما ، لذا تقدمت بأوراقي لمعهد السينما بالهرم ، و أذكر أنني قد كنت أذهب يوميا لهناك قبل أيام من موعد اختباراتهم لشؤون عدة ، قاطعا الطريق بالميكروباص ، في حوالي الأربعين دقيقة ، من بيت أهلي القديم أقصى مدينة نصر ، إلى أكاديمية الفنون بالهرم ، الآن يستغرق هذا المشوار ما يفوق الساعة و النصف بسيارتي .
حينها ، كنت بعد صغيرا ، محملا بأقل ما أتيح من الهموم ، لم أدرك المصائب بعد ، و لم أكن أحتكم على مال أو دار أو صاحبة ، و لا أظن أنني كنت أمتلك أي شيء باستثناء حلمي بالعمل في هذا الحقل .
بدأت الاختبارات ، و كانت - و لا زالت - تنقسم إلى ثلاث تصفيات ، و كان المتقدمون في عامي هذا بقسم الإخراج قد تجاوزوا الـ ٣٤٠ متقدم ، بعد الاختبار الأول أصبحنا حوالي ٢٠٠ ، بعد الثاني أصبحنا حوالي ٦٠ ، و سيتم منهم اختيار ثمانية فقط لدخول المعهد و بدء الدراسة ، و كانت حالة تنافسية بغيضة ، لا تتسم بأي شفافية ، أو رؤية أكاديمية.
و حدث أن رسبت في الاختبار الأخير ، و لم أكن من الثمانية المختارين ، و الحق أقول أنها كانت واحدة من أحلك لحظات حياتي ، حزنت ، و ربما بكيت ، لا أذكر تماما ، و لكنني سرت علي غير هدي لساعات طوال ، ثم ركبت ، ووصلت بيت أهلي صامتا ، مطرقا ، حزينا.
وجدت حينها ضيفا جالسا مع أبي ، لم أره من قبل ، كان شيخا معمما ، بلحية بيضاء ، و عيون خضراء ، ووجه أبيض باسم ، و مسبحة سوداء طويلة رقيقة ، قال أبي: تعالى ياحمد سلم على الشيخ علي.
تقدمت و مددت يدي مسلما بخجل المراهق ، و استغراب الصغار من هذه الهيئة ، و بقلب حزين من أحداث يومي ذاك.
مد الرجل يده ، و أذكر أنه لم يرمي السلام ، فقط قال: مالك يا احمد؟ قلت : مافيش.
جائت أمي من الداخل و أجابت الشيخ المعمم: أصله النهاردة عرف انهما ما خدوهوش في المعهد السينما ، فزعلان شوية.
تبسم الرجل ، قال: و إيه المشكلة يعني؟
قلت: و لا حاجة ، أنا بس كان نفسي أبقى باشتغل في السينما ، و المعهد كان حاجة مهمة قوي.
قال: يا عم أحمد ، انت ممكن تعمل كل حاجة نفسك فيها ، سيبك من الكلام ده ، مش شرط المعهد خالص يعني.
قلت: بس ، أنا ماعرفش أي حد ، و لا لي أي علاقات ، و لا عارف أبتدي منين ، هو الظاهر بقى مافيش نصيب. - قلت ذلك بإيمان كامل -.
ضحك الشيخ علي ، قال قرب يا احمد ، قربت بخجل منه ووقفت أمامه ، مد يده بالمسبحة التي يمسكها ، قال: إسحب حبة .
مددت يدي و مسكت حبة من المسبحة ، و هي لا تزال في يده ، جذبت حبة ، فوجدتها معقودة داخل الخيط مثل أي مسبحة ، و إن جذبت فإنني قاطع الخيط لا محالة.
قال: شد و لا يهمك. شددتها ، و هو ممسك المسبحة في يده بقوة ، و إذا بالحبة تنسلت إلى يدي ، و الخيط لم ينقطع .
نظرت للحبة السوداء ، كانت عادية بها ثقبي دخول الخيط ، و يستحيل أن تنفك من الخيط بدون قطعه ، أو كسرها ، كانت سوداء و ناعمة ، تفوح منها رائحة المسك، و كانت المسبحة في يده سليمة.
قال الرجل : خليها معاك ، و إنشاء الله حتنول اللي نفسك فيه.
استأذنت ، دخلت غرفتي ، تأملت الحبة السوداء الصعيرة كثيرا ، ثم وضعتها في علبة صغيرة لدي ، و تركتها في خزانة الملابس ، و نمت.

-٢-
درست دراسة لم أحبها كثيرا ، كانت شاقة و مضنية ، و نسيت السينما لعام أو أكثر ، لغزارة المواد الدراسية في جامعتي ، و بعدها عن بيتي ، و مشقة الحياة اليومية، و ربما لإيماني بأن أسلك طريق دراستي أملا في مستقبل عملي ما ، و شاءت الأقدار أن مجموعة من الصدف الصغيرة ، أدخلتني عالم السينما ، و إذا بي أحترف مجالا تقنيا خاصا جدا في صناعة الأفلام ، بلا أية دراسة أكاديمية ، فقط استمرارية التعلم ، و التمرن و المشاهدة ، و لإقحامي في المجال و أنا بعد صغير ، و تدور الأيام دورة أخرى ، و أجد نفسي خلال بضعة سنوات واحد من معدودين في مصر يعملون في هذا الأمر ، و مضطر لتدريب العديد من طلبة معهد السينما على ما أفعله .
كبرت ، و ابيضت شعرات من رأسي و لحيتي، و تغير شكلي مطلقا ، بعدما أطلقت لحيتي ، و قصصت شعري الذي كان طويلا ، و خضت حياة معقدة ، أحببت و فشلت ، و أحببت و فشلت ، و أحببت و سأفشل ، و أصبح لي بيتا ، و أصحاب ، و عملا مرموقا - بعض الشيء - ، و كان مزاجي الاكتئابي لا يفارقني، لذا كتبت قصة طويلة ، وضعت فيها خلاصة مأسٍ مررت بها ، و أناس عدة عرفتهم ، و مدن و أماكن ابتسرت من روحي ، و كان نصا حالك القتامة. طبعته و أعطيته لزملاء و أقرباء ليقرأوه.

-٣ -
منذ أيام مع بعض الأصدقاء ، زرت الحسين لأهداف سياحية ترفيهية بحتة ، و كان يوم الليلة الكبيرة ، شاهدت الموكب- أخذت الكاميرا معي -، صورت رجال الطرق الصوفية ، و هم ينشدون ، و يحملون أعلامهم الملونة ، كبارا و صغارا، رجالا و نساءا ، سرت مشدوها بين الموكب ، تاركا أصدقائي بعيدا ، و سرت بين المنشدين و قارعي الدفوف ، سرت كثيرا ، و أخذت أصور. و الجميع مبتسمين سعداء ، حتي دخلنا المسجد الحسيني ، كانت أصوات همهمة ، و رائحة بخور و مسك ، و كانت أيادي الناس معلقة على شباك مقام الحسين ، تاركا الكاميرا و قفت بينهم ، مددت يدي ، و أمسكت شباك المقام ، و كان النور الأخضر قد كسى وجوهنا جميعا ، ما بين شيوخ معممين ، و رجال مهندمين في سترات ، و فقراء مهلهلين ، و أنا الشاب ذي التيشيرت الأسود، مر من خلفي رجل ما ، و كان ينثر رذاذا معطرا علينا ، قال : "يا سيدي الحسين ، يا سيدي علي" دمعت عينا الرجل إلي جواري ، فلم أتماسك.

-٤-
في اليوم التالي جاءتني مكالمة تخبرني أن نصي الكئيب الذي كتبته ، هنالك جهة متحمسة لتمويله ليصبح فيلما من إخراجي ، و لأول مرة أجدني مخرجا لفيلم طويل ، و أجد العديد من النجوم متحمسين للمشاركة و لو بأصغر الأدوار على عكس عاداتهم ، و أجد أناس عرفتهم و أحببتهم و كتبت عنهم ،الآن أصبحت أنتقي ممثلين و ممثلات ليقوموا بأدوارهم ، و كنت و لا زلت مستغربا حدوث ذلك.
زرت بيت أهلي في ذلك اليوم ، بعد أسبوعين من الغياب ، قالت أمي: يا احمد تفتكر الشيخ علي؟
قلت: أيوة ، دة آخر مرة زارنا كان من زيادة عن ١٠ سنين ، هو بييجي؟
قالت: لأ ، من ساعتها لا شفناه و لا اتصل ، بس عرفنا إنه بقى من أهل الطريق، و له مريدين ، و طريقة صوفية باسمه.
قلت: ماله طيب؟
قالت: اتصل النهاردة الصبح لأول مرة بعد السنين دي ، رد عليه أبوك ، سأل أبوك إن كان زار الحسين امبارح ، أبوك قال له لأ. فسأله ، و أحمد عامل إيه؟ أبوك قاله كويس الحمد لله ، و بس.
قلت: أنا زرت الحسين امبارح
كانت الأم مشدوهة لمعرفتها بي ، و بصعوبة قيامي بشيء كهذا.
قالت : يمكن عشان كده؟ تفتكر شافك؟ بس لو شافك مش حيعرف شكلك أبدا ... قصره ..أنا استغربت قوي من مكالمته.
سكتنا.
تذكرت الرجل و قصة الحبة و المسبحة حينها بعد كل هذه السنوات ، دلفت لغرفتي ، فتحت خزانة الملابس ،ووسط ذكريات كثيرة و جدت العلبة القديمة ، فتحتها ، و لم تكن الحبة هناك ، فقط بقايا من رائحة مسك . ـ


٢٢‏/٠٤‏/٢٠٠٧

أوسكار - غداٍ

مجرد قراءة مسرحية للنص الكامل لإريك -مانويل شميت
أوسكار و السيدة الوردية
غدا ، في مسرح الروابط بجوار التاون هاوس ، وسط البلد
غالبا بعشرة جنيهات ، إن لم يجد جديد ، لكننا سندخل المدونين مجانا من حالفي القسم ، أو حاملي بطاقات عضوية تدوينية سارية
عمتم مساءا


٠٥‏/٠٤‏/٢٠٠٧

عن هذا الصباح

لا زال العالم في حركة دؤوب ، و يبدو أن كل حال يزول حقا ، فبالكاد ما أن أبدأ في الظن و القول باستقرار وضع ما ، فإنه لا يلبث و يتغير و يتبدل ، و إن كنت أتوق في أيامي هذه لبعض من ثبات ، و استمرارية ، و لكن تبقى القاهرة بكل جنونها و تعقلها ، و إيقاعها اللاهث الناعس ، هي القبس الأوضح لتضارب الأمثلة و تضارب ما يحويه عقلي..

-أ-
أسكن في حي برجوازي نعم ، حتى أنني أحيانا أتحرج من ذكر اسمه ، ولم يكن ذلك توقا مني لضخ بعض النبل في عروقي ، و لا رغبة في معاشرة الفتيات الأجنبيات اللاتي يفيض بهن شارعي الصغير ، و لكن يبدوا لي أن في مجتمعنا القاهري المحافظ ، قد كان السكن في أحياء كهذه هو السبيل الوحيد لقضاء وقت مع الفتاة التي أحب ، طال أو قصر ، بدون القلق حول الرأي العام في المنطقة المحيطة ، و بدون أن أعقد قراني واهبا إياها لقب "مدام" ...
هذه الميزة ، جعلتني منذ عدة أشهر مواطنا صالحا من هذا الحي ، أعرف باعة صحفه ، و باعة الخضر ، و السوبرماركت يوصل لي البيض و اللبن بدون أن يسأل عن عنواني ، فهم يعرفوني بصوتي الآن عبر الهاتف ، و أصبحت لي حياة في حي آخر كنت بالكاد أدخله طوال حياتي.
و لكن يبدو أن طباع أهل سائر القاهرة ، و سكان هذه المناطق لا ينسجمان بيسر ، و خاصة مع شعور أهل الحي بخصوصيتهم - و هي حقيقة -، و ربما بفساد محيط المدينة خارجهم .
و قد حدث أن كنت أسير لاستوديو الرسم الذي يكتريه بعض أصدقائي ، قريب جدا من بيتي ، و الحق ساعدتهم في إيجاده ، أملا أن تكون لي جيرة من وجوه آلفها ، و بينما كنت متجها نحوهم فيما بعد منتصف لليل ، وجدت كلبين راقيين كبيرا الحجم يلهوان في الشارع الصغير الخافت الإضاءة ، اقترب مني أحدهم هازا ذيله ، فأشرت له أن يقترب - أحب الكلاب بشكل مرضي - فما كان منه إلا أن بدأ في النباح بعصبية ، مما أثار حفيظة زميله الأضخم الذي عدى نحوي و هو ينبح بجهير الصوت.
فأضحى الكلبان يحصرانني و خلفي شجرة بلوط ضخمة ، و الكلاب تزمجر و تنمعني من الحركة ، ثارت ثائرتي ، و أخذت أصرخ مناديا بوابي المنطقة ، فخرجوا ينظرون ، و يعودون سريعا لعماراتهم بلا أي مساعدة.
علمت أن الكلاب حتما لأحد البهوات ، و هم لا يريدون التورط مع شخص بدا عصبيا مثلي ، لم تمر ثوان حتى خرجت من عمارة عتيقة سيدة أربعينية بقميص نوم قصير ، منادية على الكلاب..

السيدة: ياللـه يا براوني ، ياللـه يا بكسي .. تعالوا (جريا نحوها في هدوء)
السيدة : بس خلاص ( السيدة تتكلم عامية بطيئة تنطقها بالضغط على الأحرف بطريقة سيدات المجتمع)
أنا: دول كلاب حضرتك؟.... طب هو ينفع كده؟
السيدة: إيه ؟.. حصلك إيه يعني ؟ ..هم كانوا عملولك حاجة؟!
أنا: و أنا حاستنَّى؟! و بعدين ما هو رعبني و عطلني ، و بقاله وقت بيهوهو علي!!
السيدة: يبقى انت أكيد أكيد .. مش من المنطقة!!
أنا: نعم....؟!؟ لأ من المنطقة!!!
السيدة: منين؟
أنا: ١٧ شارع كذا!! و بعدين و هو لازم أبقى من المنطقة عشان أمشي؟ مش ممكن أمر كمواطن عادي آمن؟
السيدة: ما هم واخدين على كل الناس هنا ، و كمان هو ما عملكش حاجة!!
أنا: يا فندم رعبني .. ما هو العض مش كل حاجة!
السيدة: مش عيب تبقى كبير كده و بتخاف؟! لازم تتعلم تبقى شجاع شوية!
أنا: ....
السيدة: يالله يا براوني ، و على فكرة ، انت أكيد مش من المنطقة!
و غابت في بهو عمارتها الرخامي .. تتبعها الكلاب ..

و الآن أصبحت جملة " انت أكيد مش من المنطقة" مثالا للتندر بيني و بين أصدقائي ، نقولها كلما أخفق شخص في فعل شيء ، و لكن زملائي الرسامين في الاستديو أصروا على جلب كلب ضخم ، و إطلاقه على السيدة يوما ما ، و سؤالها: " انت من المنطقة؟"
عموما سنرى ...


- ب -

قصة أخرى ، فلظروف تصوير خاصة ، كنت أبحث عن ستوديو تصوير فوتوغرافي قديم يعود لبدايات القرن العشرين ، سألت صديق لي مصور أرمني من زملاء البار ، قال أنه يرشح ستوديو كيروب في وسط المدينة ، قابلت صديقي العجوز ذات صباح ، و سرنا وئيدا و هو يتكيء على عصاه ، إلى أن وصلنا لعمارة كيروب، و وجدته قد عرض بعض صور قديمة جداللحياة السياسية في مصر في مدخل عمارته ، صعدنا ، دخلنا الشقة القديمة ذات السقف العال ، و الإضاءة الخافتة ، و الصور الملحمية ، استقبلنا هاجوب كيروبيان ، و هو فضي الشعر ، غالبا ما تجاوز السبعين ، و بابتسامة ودود أرانا المكان ، و انبرى يحكي لنا عن تاريخ المصورين الكبار في مصر ، من فان ليو ، زولا ، ألبان ، عبر سافاريان مرورا بالكثيرين ، و كان يظن نجاح الأجانب " أرمن و نمساويين" في هذا المجال في لثلاثينات و الأربعينات ، عائد لأن المصريين كانوا لا يثقون في أن يصورهم مصري ، و مع أن هاجوب هذا مصري خالص ، قولا و فعلا ، رغم عائلته الأرمنية ، إلا أنه كد ربح كثيرا من أسمه المستعجم هذا - وفقا لما قال - .
شريهان بعدسة فان ليو

و هناك ، لفت نظري صورتان شديدتا الكبر ، و القدم ، لرجل أوروبي بنياشين و أوشحة ، أخبرني أنه ملك رومانيا ، و الصورتان تعودان للعشرينات ، و لهما بروازان ضخمان ، مذهبان و يحملان تاجا كبيرا أعلى البرواز في دقة لم أشهدها من قبل.
قال أنهما صورا على قماش حساس (بديل للورق في حينها) و تم تظهيرهما على ضوء النهار ، ثم تلوينهما باليد..
و لكن أهم ما لفت نظري ، كانت المرايات الموجودة في المكان ، و منها ما هو مثبت حول الشبابيك ، و بالسؤال علمت أنها "شراعة" كانت تستخدم قبل ظهور الفلاش ، لجلب ضوء اليوم من الخارج و توجيهه للداخل للتصوير به!
كان الرجل يصور بمرايات تعكس ضوء الشمس ، اسقط في يدي ، فإنني أصور بكاميرا ديجيتال ، و أعمل على تحسين الصور على الكمبيتر و لا أكف عن التذمر!
الخلاصة ، هذا كان إعلان دعائي لمحلات كيروب في شارع عماد الدين بالقرب من شريف ، الرجل يملك مجموعة ضخمة من إرث الصور يقتات منه ، و بالكاد يعمل الآن ، فأعتقد انه لا يطرق بابه أي راغب في التصوير في أزمنة كوداك فوتو ستورز.


- جـ -
بينما نحن جلوس على شرفة مقهى صغير يطل على المشهد الحسيني ، و ساحته الفسيحة ، كان الحوار يسري في عربية و انجليزية بين الحضور ، و كانت الجميلة روز تتحدث عن ذكرياتها مع المكان بطريقتها المختصرة و شديدة الإحكام في آن ، و كنت أسمع ، و بينما أعداد الحاضرين في آخذ في الازدياد ، و في نفس الوقت كانت تجلس عن بعد تلك الفتاة التي تروقني بشدة ، و بينما كذلك أهرب عادة من أي تجمع زاد عن الأربعة أفراد ، قمت على عجالة متعللا بشراء عروسة المولد .
و الحق كانت رغبة صادقة ، فقد لاحظت أن أبي لم يعد يأتي بها منذ ١٠ سنوات أو أكثر في دارنا ، أما عني ، فإنني أكتفي بعلبة الحلوى التي لا آكل أغلبها ، و لكني لا حظت أنني لم أر أيّاً من الباعة يعرض أو يبيع العروسة أو الحصان على الإطلاق.
سألت صبي القهوة (كان يبيع سيجارة ملفوفة لشخص ما) ، إن كان هناك من يبيع عرائس و أحصنة المولد - شعرت ببعض الخجل حينها - فرد بالإيجاب ، ووصف لي رجلا في شارع الموسكي.
سرت وحدي في الحي الذي كنت أغدوه طفلا مع جدتي طيب الله ثراها ، فقد كانت من سكان حي الحسين ، و كانت تسير بي طفلا دون السادسة مشترية الخضر و الخبز في شنطة خضارها المصنوعة من الحبال الرفيعة ، و القابلة للطي، و لا أذكر حينها أننا حملنا كيسا بلاستيكيا قط، و كانت لا تترك يدي أبدا ، و كنت أتضايق بشدة من كثرة الاتربة و الكسور في الشارع ، و المياه الموحلة التي أطأها بصندلي الصغير ، فقد كنت طفلا مدللا يقضي إجازة الصيف في القاهرة بعيدا عن قيظ الخليج ، و كنت هناك لا أنزل الشارع ، فقط نتحرك بسيارات مكيفة. و كانت تقص لي قصصا بينما نسير رحمها الله.
عثرت على البائع المقصود ، سألته ، فلم أجد سوى العرائس الصينية البلاستيكية ، مرتدية مسخا من ملابس ورقية أو قماشية شديدة التشوه و التخبط، مررت على ثلاثة غيره ، لم أجد سوى الصين أيضا.
سألت الأخير:

أنا: هو مالاقيش حد بيبيع عرايس مولد؟
البائع: ما هي قدامك أهيه يابيه!
أنا: يا سيدي لأ، عروسة بجد ، عروسة حلاوة!
البائع:آاااااه ، لا يا بيه ، ما تلاقيش خالص!
أنا: الموسكي كله مافيهوش ولا عروسة؟!
البائع: بص جرب تسأل في السيدة عيشة ، أو باب الشعرية، يعني بص في الحتت الشعبية.
أنا: شعبية؟!
البائع: آه يا صاحبي ، هنا ما تلاقيش.

لا أعلم ما هذا الزمان الذي جعل أهل الموسكي ، الغورية ينظرون لأحياء أخرى على أنها شعبية .. و لا أعلم ماذا سيقول أهل باب الشعرية ، و لا أعلم أين ذهبت عروسة المولد ، و حصان أبو زيد الهلالي، المغطى بورق ملون و مفضض.
عدت للشرفة/القهوة ، كانت روز تجلس وحدها بعدما انطلق غالب الحضور في جولاتهم الخاصة ، سألتني عن عروستها (فقد طلبت واحدة لنفسها هي الأخرى) ، حكيت لها ، قالت أنها حاولت مع حلواني في المنيل ، سألته عن العروسة ، قال أنه لا يأتي بها حتى لا يقول عنه الناس أنه متخلف!
أجابته روز بحكمتها المعهودة: بالعكس ، حيقولوا عليك أصيل...

ساحة الإمام الحسين بالقاهرة


- د -

فاصل إعلاني : أعتقد أن ما كتبه بيسو ، و أسماه روجرز ، هو أحد أفضل النصوص التي قرأتها في الآونة الأخيرة ، و لا أعلم ما سبب إصراره على تسمية هذا النص "لعبة" ، فقد ابتلانا الله بكتاب يكتبون ماهو أكثر تهلهلا ، و سخفا ، و لا يتحرجون من تسمية هرائهم هذا بالرواية ، أو النص النثري ، أو القص المنثور أو أي من هذا العبث، في حين أنني أرى روجرز كعمل أدبي قوي و مهم ، أدعو الناس لقرائته ، و عدم المشاركة في "اللعبة" ، فقط القراءة على موسقى بنك فلويد كما ينصح الكاتب ، و إن كنت قد قرأت نصفه الثاني على موسيقى جوتان بروجكت ، و أحدثت تأثيرا جيدا هي الأخرى.
التحميل من هذه الوصلة.



- هـ -

استيقظت صباح اليوم وحيدا في بيتي لأول مرة منذ فترة ليست بقليلة ، كان الجو هادئا إلا من موسيقى بطيئة تنساب لغرفة نومي من الشارع ، فتحت عينْي ، كانت الثامنة و الربع صباحا ، و أخذت أرهف السمع في كنه هذه الألحان ، كان قداسا.
يبدوا أن صوت صلوات أسبوع الآلام في الكنيسة الصغيرة في الشارع الصغير خلف بنايتي قد عرفت طريقها إلي ، شعرت بسلام ما ، و رغم كون اللغة غير مفهومة لي ، إلا أنني شعرت بألفة شديدة ،كانت الشمس تدخل غرفة نومي عبر ثنايا الشيش الطويل ، قلت هامسا " ... و اغفر لنا خطايانا ، لأننا نغفر للذين يسيئون إلينا ، و لا تدخلنا في التجربة ، و لكن نجنا من الشرير".
و أزحت الغطاء ، و نهضت ، كانت الزهور التي جلبتها من معرض زهور الربيع تتفتح ، مرسلة عبيرا في غرفتي ، رغم تحذيرات أصدقاء و صديقات بخطر وضع الزهور حيث أنام ، لكني لم أكترث ..
كنت سعيدا بأنني كما يوقظني الأذان فجرا (و ظهرا و عصرا....) اليوم يوقظني القداس ، فتحت الشباك ، كانت الشمس جميلة ، و الصوت الآن أوضح ..
بدون أن أغسل وجهي ..
رششت الزهور برذاذ الماء.
صنعت بعضا من شاي
فتحت جهازي
و بدأت في كتابة كل ما سبق
و لا زال القداس ينساب.....


١٠‏/٠٣‏/٢٠٠٧

جرافيتي القاهرة


بالأمس ، يوم الجمعة ، استيقظ سكان مصر الجديدة على حالهم ، شربوا قهوتهم ، تحدثوا إلى الأقربين في التليفون ، تصفحوا الجرائد ، و من يعمل في الجمعة ربما انطلق إلى عمله ..
أما عني... فقد أشرق على الصباح واقف ملطخ بالألوان في شارع الميرغني ...
فقد كنت ضمن ٨ من شباب آخرين ، نقوم برسم و تلوين الجدران ، و ننطلق بسرعة قبل أن نمسك !
لأول مرة ، حدثت حركة للجرافيتي في مصر ، و أقصد بحركة ، أن أكثر من شخص اجتمعو بعد منتصف الليل ، و تشاركوا الاسبريهات و الألوان و التصميمات ، ليصبح ذلك ممكنا...
الجرافيتي ، هو فن ممنوع في بعض من البلدان ، كما أنه معترف به علميا كذلك ، يقوم على تقديم أعمال ، و أفكار لكل الجمهور ، في الشارع
بلا أي هدف سوى تلك اللذة الخفية بأن الشارع كله الآن لنا!... و لننطلق!

كنت قد شاهدته في بلجيكا منذ زمن ، و في محطات مترو فرنسا.. و لكني لم أشاهد في القاهرة سوى "شلة الجوع الكافر " ، أو "قابل الموت ولا تقابل هؤلاء" أو " شيماء (قلب و سهم) ثم علامة استفهام!"...
كيف وجدت نفسي بينهم و أنا لست براسم ، و لا بمصمم ، و لا بنازع للمغامرة؟ الأمر بسيط..
بدأ بيوم رديء السير كعادة هذا الاسبوع ، و كنت قد تلقيت خبرا مزعجا عبر البريد ، و كنت شديد القلق ، و اليأس ، و ربما القنوط من جدوى العديد من الأشياء.
و بينما كنت منكبا على عمل روتيني ما ، فاجأني أحد أصدقائي سائلا:
هو: عارف الكاتاليست؟
أنا: العامل المحفز الكيميائي؟
هو: أيوة ، لكن قصدي مجموعتنا ، الآي كتاليست! (كنت أعرف أن مجموعة من معارفي من شباب مصممي الجرافيك في مصر ، قد أنشئوا مجموعة سيبرية/واقعية ، ليتبادلوا فيها أفكار و خبرات و لست بفرد منها ، و لكن منهم أصدقاء و صديقات )
أنا: أيوه ... كنت باتفرج على شغلكم ع النت من كام يوم.
هو: حنتجمع يوم الخميس بالليل، بعد الساعة ٣ قدام مكدونالدز الميرغني ، حنتقسم مجاميع ، ناس حترسم ع الحيطة ، و ناس ع الأرضيات..
أنا: بتتكلم بجد؟
هو:تحب تيجي؟!
أنا: طبعا حاجي!!!

أغلقت السماعة ، و تركت عملي ، و انطلقت إلى الاستديو العتيق الذي يرسم فيه صديقي ذلك ، كان هناك آخرين ، و بدأنا جميعا في وضع تصميمات ، و تفريغات استنسل ، و تكلمنا و تناقشنا و ضحكنا كثيرا...
قام أحدنا بعمل تفريغ للوحة حافظوا على نظافة مدينتكم ، لكن الشخص المرسوم . بدلا من أن يلقي بكيس أو ورقة فارغة ، فقد رسمه يلقي بأذن بشرية! و كتبنا بجواره: عيب ترمي ودن!

أما الآخر فقد أتى بتفريغ شديد البساطة لـ (لباس) جيل! كما أسماه ، مؤكدا أن شكل هذا اللباس الداخلي شديد العمق في تأثيره على حياتنا و نحن صغار و كبار ، و الآخر رسم حذاء عال الرقبة ، شديد التفصيل بحجم انسان ، كل هذا كان تفريغ على ورق مقوى ، ليتم الرش من فوقه الاسبراي الدوكو في الموقع كما مبين بالشكل بالأعلى.
سألت : (الغرض الاستفزاز)ألا يعتبر رش الحوائط و الكباري ، نوع من التخريب؟
قالوا: إن الكثير يعتبرونه تخريب ، لكننا لا نبالي....
جهزنا عبارات من نوعية: (كلام فاضي) ، (طبلت و حتحلو) ، (آي كاتاليست!) مفرغة.
و نزلنا الشارع...

كانت الكهرباء في الجو طوال الطريق، كنا في السيارات شديدوا الحماسة ، أنا أقترح الرسم علي الكوبري ، و هم يقترحون مدارس الزمالك ، لكن افتتاح الحدث تم من أمام مكدونالدز المرغني، لماذا مكدونالدز الميرغني؟ تلزم نبذة تاريخية:

كريم .. هو أصغر الحاضرين جميعا ، هو بعد طالبا للفنون ، و أعتقد أنه من أكثر الشباب الذين رأيتهم في الفترة الأخيرة موهبة ، نظرا لحداثة سنه ، فضلا عن روحه الصافية و انسجامه الشديد معنا ، و أغلبنا كان يراه لأول مرة ...
كريم يعيش في مصر الجديدة ، و كان صاحب أشهر جرافيتي في العام الماضي في القاهرة ، و هي رسمة ملونة جميلة ، توجد تحت كوبري المرغني ، كنت ألاحظها في جولاتي كثيرا ... علقنا عنها مرة أنا و آخرين ، لكننا لم نعرف قط صانعها.. و قد تلف الآن جزء منها.


(جرافيتي كريم الشهير ، قبل و بعد التخريب)
علمت أن كريم كان ينزل من بيتهم فجرا محملا بألوان و بويات ، ليقوم بأعمال متناثرة في القاهرة ، كلها رسومات خاصة ، و ليس لها أي اتجاه سياسي أو أيديولوجي ، و علمت أنه مهتم ،و شديد الدراية بهذه الحركة في مصر و الخارج ، و حكى لي أنه كان ينزل ليرسم وحيدا ، و يأتي حوله أمناء الشرطة أحيانا مرتابين من الشخص الذي يرسم و يلون الحوائط فجرا ، و في مرة سأله الشرطي:" بتعمل دعاية؟" قال كريم بتلقائيته الرهيبة: "لأ، أنا أصلي مريض ، ما باعرفش أنام ، و باحب الحاجات دي!"
فتركه الرجل و انصرف!
لذا كان لا بد من أن نبدأ من المكان الذي وضع فيه كريم بذرة هذا العمل ، فذهبنا ، و هناك التقينا بالباقين ، كنا ٨ ، جمعيهم يعدون من أهم مصممين الجرافيكس في مصر و ربما في الخارج أيضا ، جميعهم يعملون في وظائف حيوية في وكالات اعلانات عالمية ، و جميعهم شديد الانشغال ، و لكن لم يتخلف منهم أحد...

دقائق و كان كل لديه استنسلاته ، و بدأنا في الرسم على أعمدة الكوبري أمام المكدونلدز ، و البعض رسم أرضا ،كان هناك العشرات من علب الاسبراي الملونة ، عشرات الفرش ، جرادل بوية بيضاء لطلاء الخلفيات قبل العمل ، و كل شيء معمول له حساب.
ظهرت الرسومات واحدة تلو الأخرى - كانت أعمالي أقلهم ، نظرا لفرق الخبرة و الحرفنة، و إن كانت نالت استحسانا ما - أطلق واحد لوحة الحذاء ، كان الحذاء الضخم جليل الجمال ، حتى أن بعض المارة في الفجر كانوا يقفون ليلتقطوا صورا تذكارية بموبايلاتهم إلي جواره!

أتونا شباب من المنطقة ، قلنا :ها قد بدأت المتاعب ، .. لكن فوجئنا أنهم أتوا عارضين خدماتهم ، و المساعدة في أي شيء.
كانت السيارات تقف ، و ينزل فتيان و فتيات ، يسألوا احنا مين ، و لماذا نقوم بذلك ، و لا يجدوا اجابات شافية ، لأنه لا توجد اجابة فعلا.
و كانت هناك جرافيتي رائعة لشخصية مطاعم مكدونالدز (ذلك المهرج) و هو يجري ، و كتب المصمم في أعلاه بنفس الطريقة :


و لكن نجم اليوم كان العمل الذي قام به كريم بالشراكة مع آخر ، كان وجها كبير ، بطول انسان أو أعلى ، لعمرو دياب في مرحلة الثمانينات ، كتب أعلاه بكاليجرافي عربي : ميال!
قالوا أنهم يحاكون البوب آرت ، و سيعملون على ثيمات شعبية طالما أعيتنا و نحن صغار.
كان عملا كبيرا دقيقا ملونا مجنونا... شارك الكل في عملية تكوينه المعقده..

أشرقت الشمس علينا ، كانت أيادينا و أحذيتنا مطلية بألوان عدة ، و بدأت حركة الناس ، قلنا أن لا بد أن نرحل...
و بدأنا في جمع كل ما تركناه علي الأرض ، الكثير من الورق المفرغ ، أشرطة اللاصق ، قفازات ، كمامات ...
وفقا لمبدأ : "احنا صحيح بنخرَّب الحيطة ، لكن ما بنوسخش الأرض!"
و جمعنا علب الاسبراي ، و بدأنا في البحث عن مكان نلقيهم فيه ، لأنه وفقا لكريم :" لو سبنا أي حاجة قريبة هنا ، الناس حتجيبها و تبوظ بيها الشغل!" و قد عانى من ذلك مرات..
فجأة كان أمامنا طفل صغير من الزبالين ، يسير دافعا الجونيا الكبيرة ليلم فيها القمامة ، ذهبنا إليه و ألقينا بكل شيء في جرابه الضخم ، شخر بعنف ، فنفحناه بعض المال...
ما أن عدنا لنركب سياراتنا إلا و لاحظ أحدنا أن الطفل يمسك أحد علب الاسبراي ، و يبخه في وجه ، و يريد أن يشمه!!
جرينا نحوه ، وجدنا علبة واحدة فقط هي التي لا تزال بها بعض اللون ، و يبدوا أنه ظنها "كلة" أو ما شابه ، أخذناها ، أبى بعنف ، و شخر مرة أخرى ، عندها اضطررنا لشرائها منه بعشرة جنيهات!!
سعرها الاصلي: ثمانية...

و لكننا أنقذنا الصبي من تسمم مؤكد ، أو هذا ما ظننا ، و كان الافطار ، بأيدينا الملوثة في مطعم "الغريب" في الكوربة الجميلة ، كان الجو هادئا ، و الناس سكون، تكلموا عن الحركات الفنية و عن التصميم للشبكة و عن الجرافيتي في العالم ، و في مصر ، سأل أحدهم: حد يعرف الجرافيتي اللي في الممر في مدينة نصر؟
سألت: عامل ازاي؟
قال: من أول الحيطة في جندي جاد جدا ماسك بندقية بينشن ، و في آخر الممر فيه أرنب!!
ضحكت ، تساءل: حد يعرف مين اللي عمله؟ قال كريم بخجله : أنا.... حياه الجميع.

قلت له أنني جد سعيد بهذا اليوم ، قال أننا صنعنا تاريخا ، لأنها لأول مرة تنفذ بشكل تنظيمي ، و محترف ، و قال أنه يشعر و كأنه انتهى من ممارسة الجنس... الحقيقة ، هذا هو أقرب شعور يصف الحالة ، بكل مافيها من جنون و هدوء و عنف ، و خوف ، و قلق، و حب ، و تركيز ، و ترقب ، و سعادة و نشوة النهاية!

قررنا أن نمر على المكان لنراه في نور الشمس ، كانت قد مرت ساعة ، ذهبنا ، وجدنا صورة عمرودياب الكبيرة قد تم تلطيخها ، و تم رش ألوان زرقاء على الأعين و الوجه ، و أبيض على الشعر.. و قام مجهول بالرش على أعمال أخرى.
نظرنا جميعا مطولا في مجهود ليلة كاملة، و قد شوِّه، لم نحزن ، بالعكس .. ضحكنا...
كنا مدركين أن ما نفعله زائل ، و هذا هو صلب الأمر ...
كل شيء إلى زوال...
بهجة الحدث ، هي الأمر بعينه ، و لن نحظوا بكل شيء، في كل الوقت (قلت في نفسي بفلسفتي الفارغة)
ما قام به كريم في شارع الميرغني لن يستمر طويلا ، سيزول بعد أسبوع ، شهر ، أو سنة .
هذه هي طباع الأشياء .
و هكذا دوما تحدث .
للأسف...
و لنبتهج بالصور....




"لقطة تذكارية للرسامين نيام حول أحد الأعمال ع الأرض - قبل التنظيف الطفل الزبال توقف عن الشخر ، ووقف ليتصور معنا
الحذاء.... الارتفاع تجاوز المتر بقليل
شكل مفهوم طبعاالعم عمرو ، قبل و بعد التشويه (الفرق ساعة بس!) ـ

الجزء الأعلى فقط من عملي ، لذا سمينا العمل المشترك: عيب ترمي ودن يا باشا
(أظهر في الصورة بالمناسبة) ـ
المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO