راقني الرجل ، و أصبحت كلما كنت في حيه أشتري منه الصحف و الكتب الجديدة ، إلي أن مررت يوما ، و بينما أطالع المجلات اقترب مني بعدد من تان تان ، و قال و البسمة تعلو وجهه : “شوف يا استاذ؟ طبعوها تاني"..
أمسكت منه عدد" تان تان في معبد الشمس" ، قلبت صفحاته ، كان جديدا مصقولا ، و رقم الإيداع يعود لعام ١٩٩٥ الطبعة السادسة. لدار المعارف.
قلت : ده مش جديد ولا حاجة ، دي يا إما إعادة طبع ، يا إما كانوا مخزنينهم من زمان.
قال: لا يا استاذ ، دول بعتوا لي المجموعة كلها ، بص؟ "سر الخرتيت "، "الكرات البللورية" ... كل حاجة! و كمان دول ...!!
نظرت مشدوها ، فكانت في يديه كل أعداد استريكس و اوبليكس ، بالعربية ، و جديدة لامعة...
تعجبت من الرجل ، كان يعرف كل الأعداد ، عن ظهر قلب ، بل و أخذ يعطيني نبذة عن كل قصة منهن. و عجبت لبائع صحف على ناصية شارع قاهري ضيق ، هو في نفس الوقت متعاطف و داع لمؤازرة القضاة ، و من معجبي تان تان و استريكس.

تان تان ، رغم كل ما يؤخذ عليه أحيانا ، فهو عمل فذ في رأيي ، مليئ بالتفاصيل الممتعة ، و الشخصيات التي كلما عرفتها أكثر ، كلما اغرمت بها. و حينها قررت شراء أعداد كانت تنقصني في صغري ، و رغم السعر المرتفع (٨ جنيهات) فقد اشتريت كما لا بأس به.
و أول ما فعلته هو التصفح السريع بحثا عن "كابتن هادوك" قبطان أعالي البحار ، فكل قاريء لتان تان يعلم أن "هادوك " كان سكيرا عتيدا ، و يشرب نوعا مفضلا من الويسكي. و لا يمانع في النبيذ .
و لعلمي أن الموجة الدينية الحالية التي أكلت البلاد قد لا تستسيغ طبع و نشر شخص كهذا – مهما كانت شخصية "هادوك" نبيلة و طيبة – فقد ساورني القلق على مصير الرجل ، و لكنني اكتشفت أنه يشرب الويسكي لا زال ، و لا زال يسب " ألف ألف لعنة!" ...

تشوب الروايات شبهة عنصرية ما ، نعم و بعض من أرستقراطية أيضا ، لا أنكر ذلك ، و عادة سكان البلاد الاخرى فيها لهم طباع دونية ، و عادة ما يظهرون كخدم أو لصوص ، أو ما شابه. فضلا عن اتهام الروايات بمعاداة المرأة ، فلا توجد شخصية أساسية واحدة موكلة إلى امرأة ، و إن ظهرت مرأة فيحدث في أقل سياق ممكن ، و تستثني الشخصية الأساسية الوحيدة في إحدى الروايات : بيانكا كاستافيور ، مغنية الأوبرا ، و هي شخصية مزعجة إلى أبعد حد.

و كانت لقصة "بيانكا كاستافيور" دورا كبيرا في ترسيخ صورة تقليدية ضبابية عن الغجر في مخيلتي كطفل. و عن ميلهم للسرقة و الاحتيال ، و حياتهم المخيفة ، وقد احتجت إلى سنوات لأغير من ذلك ، و انقلبت للعكس ، لشخص مهووس بالغجر ، في مصر بالذات ، و تراثهم. و رغم ذلك أذكر لتان تان أنه علمني معنى كلمة غجر (و إن كان منقوصا) و أنا بعد إبن ١٠ سنوات.
و لكن يمكن دوما النظر لتساؤل تعالي هيرجيه على الآخر (لاتيني -هندي – غجري ) في بعض المواقف كنوع من الضرورة الدرامية ، و في النهاية لا يمكن مطالبة أي فنان بأن ينهج نهجا أخلاقيا أو إرشاديا في أعماله ، و لا مانع من قراءة هيرجيه حتى و إن كان فاشيا فعلا كما يقال ، و إن كنت لا أوصل الأمر لذلك.
لا أستطيع القراءة بالفرنسية ، رغم أنني أصبحت أفهمها بعض الشيء ، إلا أنني أفضل أن أقرأها بلغتي الأم العربية ، خير من الانجليزية الوسيطة ، و لم تواتني أية شبهات في الترجمة ، أو أي شبهة ترقيب أو تنظيف أخلاقي للعمل ، كما أصبح يحدث في ميكي ، من تسرب عبارات سماوية مثل : “ السلام عليكم" ، و " إن شاء الله".
لا أقرأ ميكي كثيرا الآن للأسف ، و لكنها منذ تحولت للشركة الجديدة ، و المحتوى المترجَم لا يروقني ، و قد لاحظت اتجاها غير مطمئن في لغة الكتابة في عدد أو اثنين وقعا في يدي ، و أرجو أن يكون الأمر عارضاً.
في تان تان قد يتم استبدال لفظة نبيذ بالـ "مشروب" ، و لكن عند الضرورة الدرامية فللنبيذ اسمه ، و للويسكي اسمه ، و لا غبار على ذلك ، فالطفل أو المراهق الذي يقرأ ، ذلك الذي دوما ما نرى أن علينا "حمايته" و " تربيته" فلا مانع من أن يعلم أن هادوك الثري الرهيب ، الذي يعيش في قصر "مارلي" ، يعاقر الخمر . علي الرغم من أن تان تان نفسه لا يشرب.

في قصص ملحمية كهذه ، لا أعلم لماذا عادة ما يكون البطل أقل الشخصيات جذبا لي ، فتان تان بالنسبة لي متذاك ثقيل الظل ، فرنسي/ بلجيكي بشكل معصب ، لا يخطيء ، و لا يخاف .. و الحق هذه الصفات تقلل من أسهمه كثيرا، قياسا إلى من أقرأ الحلقات لأراهم : بدآ من "تيك و تاك" نهاية إلى "نستور" الخادم المطيع ، مرورا بـ " برجل" ، "ميلو" ، "فاجنر" و آخرين.

نفس الأمر بالنسبة لميكي ، فذاك الميكي ، ناهيك عن كونه فأرا ، الذي هو أمر سخيف في حد ذاته ، فهو شديد الألمعية ، و اداؤه أقرب للحاسب الالي ، و بالكاد ترى فيه عيبا واحدا ، بعكس الشخصيات الأخرى في عالم ديزني ، فبطوط يمتلك سحره كله من عصبيته ، و كسله الدائم ، و حبه المستحيل لزيزي ، و بندق مشاكله المتكرره تجعله أكثر نبلا و جمالا ، أما العبقري دهب ، فلا حديث عنه ، و أظن أن شخصية دهب مقتبسة من شخصية "سكرودج" البخيل في رواية ديكنز القصيرة " ترنيمة عيد الميلاد" أو " من وحي العيد" كما تسمى أحيانا.
و مسألة الشخصية الاساسية و الشخصيات الفرعية التي تكاد تكون أكثر جمالا و أثارة لا تنطبق علي الكارتون و القصص المصورة فقط ، بل تتعداه لملاحم أخرى - و لا أتحذلق ، و لكن فقط خطر في بالي - ففي الأدب القديم " أوديسيوس" ليس من يغريني لقراءة ملحمته ، بل عشرات الشخصيات و القصص الهامشية الاخرى ، و مسألة رحلته ما هي إلا إطار واسع لسرد حكاياتهم في رأيي .
و يتجاوز الامر للميثولوجيا الشعبية ، فأبو زيد الهلالي ، و الزناتي ، ليسا أكثر من خط ليجمع قصصا أخرى ، كقمصان ، و الجازية ، و آخرين. و هم الأقرب لي ، و الذين أتذكر بهم القصة.
بل و حتى ملحمتي المفضلة في الطفولة "حرب النجوم" فـ "لوك سكاي ووكر" سخيف ، و بارد ، و متوقع دائما ، و لكن قد هُوس شباب العالم لعشرات السنين برفاقه : “آر– تو" ، "تشوباكا " ، " جابا" .. و عشرات بل مئات آخرين.
أعنى أن القصص تلك مثل حياتنا العادية اليومية : عادة بطل القصة و قائدها الكبير الالمعي المسمى على الأغلفة و الصفحات الأولى ، هو بالكاد يؤثر ، و لكن من حوله هم فحوى الأمر ، فعند افتراضي أن تان تان قد يزول يوما ، و قد يأت بدلا منه آخر ، حينها سيبقى رفقاؤه هم قلب الحكاية و السبب الرئيسي لاستمرارها ، قد يسيطر لوك على المجرة جاعلا إياها جمهورية ، و قد يحرر أستريكس بلاد الغال من الرومان و يحكمها بشرابه السحري ، و لكن يظلا - مثل أسماء أخرى - هم أبعد الناس عن قلب الحكاية ، و عن قلوب الناس كذلك...
و لعلي أهذي مرة أخرى.

إضغط هنا لتحميل روايات "تان تان" بالعربية في صيغة (بي . دي .إف)
إضغط هنا لتحميل روايات" أستريكس و أوبلكس" بالانجليزية في صيغة (بي . دي .إف)
اضغط هنا لتقرأ الأهرام! ـ























