٢٨‏/٠٢‏/٢٠٠٩

من وحي الأوسكـــار



المخرج دارن أرونفسكي ، و ميكي رورك (المصارع) *

حينما كنت أصغر ، كنت لازلت مشدوها بالسينما الأمريكية ، و كنت أظنها خير الأفلام على الأرض - الحق هذا ليس من ذنبي ، فلم أكن أشاهد في القاهرة أياً من سينما العالم - و كانت ليلة توزيع جوائز الأوسكار ليلة مقدسة لدي ، بدأت منذ مشاهدتي صدفة (على قناة ام تي في اللبنانية) - كان ذلك قبل الفضائيات - و كنا نلتقط من مدينتنا الساحلية الصغيرة عبر هوائي التلفاز ، العشرات من قنوات التلفزة الخاصة بالطوائف اللبنانية المتناحرة حينها - ولا زالت - .
و بقيت أتذكر سماع خطاب سبلبرج على الهواء عام ١٩٩٣ عند فوزه بالأوسكار عن قائمة شندلر ، و لكن مصحوبا بترجمة فورية لبنانية. و كانت الحفلات عموما أقل ترفا و بذخا كثيرا عن الآن. و أذكر تردد المعلق اللبناني عن ترجمة جملة سبلبرج الأخيرة ، حول ضحايا الهولوكوست.

كنت حينها لا أعرف كثيرا عن حال السينما العربية - و الحقيقة لازلت لا أعرف ، أو أن الذي أعرفه لا أفهمه تماما - و لكني كمراهق كنت أتساءل : لماذا لا نصنع أفلاما جيدة "مثلهم"؟ .. ولكن بعد ان نضجت - نسبيا - و علمت القيمة الضئيلة لأفلام هوليوود ، و شاهدت سينما من كل أرجاء الأرض تغيرت حساباتي.

هذا العام شاهدت كل أفلام الأوسكار تقريبا ، على الأقل الدرامية ، و الآن و بينما أنا في سن الثلاثين لم يعد في خلدي سؤالي التقليدي : "لماذا لا نصنع أفلاما مثلهم؟" ، و لكن كان سؤال آخر : "لماذا لا نعيش حياة مثل هذه؟" ، فبينما أشاهد الأفلام ، كنت "أتفرج" بالمعنى الحرفي للكلمة ، الفرجة بمعنى الاطلاع على العوالم الأخرى الدائرة في الفيلم ، تلك التجارب الحياتية البسيطة التي لا نعيشها إلا في السفر ، و أخذت أفكر من موقعي هنا في قلب المدينة فوجدت أن أغلب قصص هذه الأفلام تستعصي على حياتي القاهرية هنا و أغلبها مستحيل الحدوث تقريبا، فلا أعرف كيف يمكن مثلا أن:

- يقيم شخصا علاقة مع امرأة غريبة جميلة ، و تكبره سنا ، قائمة علي أنه يقرأ لها الكتب .
- أو يبحث جندي سابق حول ماضيه ، و ماضي أمته العسكري .
- أو ان سأمت فتاة من حياتها ، فيمكنها أن تأخذ مركبا صغيرا في بحيرة ما في قلب مدينتها .
- و أن يدرس الفقراء في مدارسهم الرقص ، و الموسيقى جنبا لجنب مع الدين و كلاسيكيات الأدب ، صبيانا و بناتا.
- أن يناضل شخص من أجل ميوله الجنسية/المثلية، و أن تدعمه إدارة مدينته.
- أن يعامل القاتل معاملة إنسانية و يحصل على محاكمة عادلة ، حتى و إن تم شنقه.
- أن يتحرك صديقان بالقطار عبر حدود عدة، لا يحملان سوى حقيبة متاع ، و يصبحان في أي بلد تحلو لهما.
- أن تعيش امرأة وحيدة في مقطورة، و تعلم ابناها من وظيفة غير ثابتة في سوبر ماركت. أو تحول بيتها لفندق صغير بعدة غرف .
- أن يحظى سكان الحي سواسية - بغض النظر عن غناهم و فقرهم - بأقل بديهيات الحياة ، كتعليم جيد ، وحديقة صغيرة ، أو حتى مطعم رخيص يمكن الوصول اليه بالدراجة ، أو حمام سباحة عام لأهل الحي . و بالتالي تصبح لهم حياة كاملة.
- انه إذا ما سقط شخص مغشيا عليه فانه سينقل إلي مستشفى ، و تتم له جراحة قلب مفتوح ، حتى و إن كان بلا أقرباء أو تأمين.
- أنه إذا ارتكب الفرد أمرا خطأ -أو صوابا- فوجد نفسه في السجن ، فيصبح في مقدوره القراءة و الكتابة ، بل و تساعده إدارة السجن علي السكن و التوظف بعد الخروج .
- و لا أعرف كيف يعيش شخص في مدينة واحدة صغيرة ، و لا يحتاج للعاصمة أبدا ، و في مدينته يقوم بعمله و يعود أهله ، و يحضر الحفلات و يقع في الحب لثلاث مرات .
- ولا أفهم أن تعمل امرأة في مرقص للتعري ليلا، و لكنها تعيش حياة طبيعية في النهار ، و تستذكر دروس ابنها ، و تعهد به لطالبة جامعية حينما تذهب لتتعرى ، و الحقيقة لم أعرف عروض التعري من الأساس في القاهرة.


دوني بويل / دڤ پاتل (مليونير العشوائيات)

سام مندلز / كيت ونسلت ( طريق ثوري)

جص ڤانسانت / شن پن (ميلك)

چون پاتريك شانلي / مريل ستريب (شك)

وودي آلان / پنيلوپي كروث (برشلونة ڤيكي كرستينه)


كرستوڤر نولان / الراحل هث ليدجر (فارس الظلام)*


ختاما ، لابد لي أن أوضح أنني كرهت كل أفلام الأوسكار ، باستثناء فيلمين لا أكثر ، و الباقون هم أفلام تسلية بحتة , يغلب عليهم طابع تجاري محزن ، أو في ظروف أخرى لهم نكهة محافظة أو سياحية كيفما اتفق ، و حمل الكثير منهم بأفكار معدة مسبقا لمشاهد ضعيف الإمكانيات ، و محدود الرؤية إلى مدى بعيد. و لكنه يعيش نوعا خاصا من حياة ، ثم يصنعها أفلاما و يشاهدها .
و لكنها مازالت لا تحدث هنا.



ــــــــــــــــــــــــــــ
* - جميع الصور من أعمال آني ليوبوفيز ، المصورة الكلاسيكية الشهيرة لمجلة رولنج ستونز.




٢٥‏/٠٢‏/٢٠٠٩

التعلُّم

لاسباب جغرافية و مادية بحتة ، لم أحظ في تعليمي الإلزامي بالدراسة في أي مدرسة غير حكومية - باستثناء سنة في مدرسة خاصة انتقالية لا أذكرها كثيرا - حيث كنا نعيش في مدينة ساحلية صغيرة في الثمانينات - مرحلة الابتدائية - ، و كانت بالمدينة مدرستين لا ثالث لهما ، كلتاهما خاضعتان للوزارة.
الأولي في قلب المدينة ، و الثانية تطرفت في ضواحيها، و بالتالي كان قدري أن قضيت مراحل الابتدائية و الاعدادية و جزء من ثانويتي فيها. الأمر الذي اختلف عني فيه أخوتي و أخواتي الأصغر حينما تم افتتاح مدرسة خاصة تعلم الانجليزية في سنوات لاحقة ، و كانت لمدرستهم هذه توجه اسلامي مريب، فلم نكن نعرف حينها مدارس تحفظ القرآن إلا الأزهرية ، و تخرج فيها كل أخوتي و أخواتي فيها ما عداي لأنني أكبرهم.

أسوق ذلك مفتتحا ، و ابطالا لسؤال مكرر يأتيني من المرور على المدونة ، و الضاغطين على زر الدردشة ، و السائلين إن كنت قد درست في أوروبا ، أو أنني مجرد خريج آخر من الجامعة الامريكية ، و أجهل تماما سر هذا التصور الذي تكرر كثيرا فعلا. ولا أجد له مبررا سوى أنني أضع وصلات لأغان غربية. خاصة مع ضعف أعتقده في انجليزيتي و اسبانيتي و مؤكد عربيتي أيضا.

الصورة من فليكر


مدرستنا هذه كانت رائعة المعمار ، ممتلئة بالخضرة ، و تألفت من مجموعة مبان بطابقين ، و لها سقف عال جدا و مشمسة دوما ، و يقوم مستثمرو المدينة بأعمال صيانة دورية. و كنا جميعا نقود دراجاتنا للمدرسة صباحا ، فتجد صفا من عشرات الدراجات في مكان مخصص عند المدخل ، يشبه اماكن وقوف الدراجات بالعاصمة الهولندية كثيرا. و كان المدرسون يظنون - خطئا - أنني انطق عربية سليمة ، و ذلك لعادة تخليت عنها لاحقا متعلقة بتعطيش حرف الچيم ، كنت قد اكتسبتها من ثلاث سنوات دراسة أولى في بلاد النفط . و بالتالي جعلوا مني قارئا بالإذاعة المدرسية لسنوات . و باختياري رئيسا للفصل ، ثم رئيسا للكشافة حصلت على بضعة مزايا تافهة ، منها حذفي بشكل حبي من قائمة الحضور و الغياب اليومية في الفصل .

اليوم عادت إلي صور من هذه الحقبة الضبابية في عقلي الآن ، فتبدو تلك المدينة الأخرى بعيدة ، فلم تطأها قدماي منذ ١٠ سنوات ربما منذ عصور الثانوية العامة ، و ابدو انا نفسي ضبابيا كلما اجاهد لأراني شابا يركب دراجة عبر الحدائق ، في أمطار الشتاء . مرتديا منديل الكشافة ، و قبعة لا أذكر لونها ، أظنها خضراء.

مع الأحداث الأخيرة المرعبة ، أعرف مدى رداءة التعليم الذي حصلنا عليه في هذه المدرسة ، و إلي أي مدى أسهم هؤلاء المدرسون في خلق شباب جيلنا ،و الذين كانوا أصحابي الوحيدين و أثروا في أيضا ، فتكاد تكون حلقة محكمة الإغلاق على كل المدخلات و الثقافات التي تشربتها طفلا و مراهقا..لذا أحاول هنا تذكر أهم هؤلاء المدرسين ، و لسبب أجهله.



الصورة من فليكر


-مِس عبير-

لا أظن هناك شعور بالخذلان أقوى من أن يمتلك الطفل من المعرفة أكثر من مدرّسِه ، شعور بالعدمية و اللاجدوى في آن .
مس عبير ، كانت تدرس لفصول أصغر منا ، و لكنها كانت تأتينا في حصص "الاحتياطي" دائما. كانت الوحيدة التي ترتدي الإسدال بالمدرسة ، و كانت نصف مدرسات المدرسة هن فقط المحجبات في حينها.
جاءت يوما في حصة احتياطي ، و قالت أنها متعبة ، و اسندت رأسها و نامت على مكتب المدرس ، دقائق قليلة و فتحت أعينها ، و كأنما شاهدت رؤيا .
قالت: الحصة الاحتياطي مش حصة للعب ، لان الله سبحانه و تعالى حيحاسبني على الوقت اللي قضيته معاكم ، عشان كده ، لازم "تنهلوا من العلم" ، ثم وقفت و بدأت تكتب علي السبورة الآتي:
صلاة الفجر - ركعتان قبلها
الظهر - أربع ركعات قبلها
فهمنا أنها تكتب الصلوات السنن التي يجب أن نصليها ، و لكن ما فاجأني هو انها كتبت الآتي بالحرف الواحد.
سلاة الفجر - ركعتن قبله
سلاه الضهر - اربعة ركعة قبله
جعلت أبحلق في السبورة مشدوها بما أري ، لم أتمالك نفسي ، قمت و قلت : "يا ميس ، كل اللي حضرتك كاتباه غلط. ولا كلمة من دول بتتكتب كده."
انهالت علي بوابل من التوبيخ ، و طردتني من الفصل
و حتى الآن لم أعرف أبدا كيف كانت تدرس مادتها للفصول الأخرى. بإمكانياتها اللغوية تلك .


- أ. محب -

الأستاذ محب كان رجلا طبقيا جدا ، اول العام الدراسي سألنا أسئلة من نوع :
"مين باباه عنده عربية؟ مين ساكن في شقة و مين في ڤيلا؟ مين ساكن في الحي الفلاني ؟ مين اهلو بيتكلمو انجليزي ؟ مين معاه كلينكس في جيبه؟"
و بناء على ذلك قسم الفصل طبقا لاجاباته و رتب أماكن جلوس الطلبة.
و الحقيقة لا بد من القول أن المدرسة تلك كانت فقاعة اجتماعية ، لم و لن تتكرر ، فظروف المدينة الصغيرة أدت إلى أن أصبح اقطاعيوها و معوزوها يرسلون أولادهم لنفس المدرسة ، ففي نفس الفصل جلس أبناء دبلوماسيين ، و متعددو الجنسيات ، و أبناء مستثمري المصانع ، جنبا إلى جنب مع أولاد المزارعين و عمال نفس المصانع التي يملكها طلبة زملاؤهم.
و كان يحدث أن يعتذر طلبة عن الحضور لأنهم يعملون في الحقل في موسم ما يساعدون أهلهم في الحصاد ، في حين يعتذر آخرون عن الحضور لان الرئيس الفرنسي يزور مصانع عائلاتهم ، و سيرافقون ذويهم لمقابلته. هكذا كانت الأجواء.
عودة لمحب ، الرجل كان يضرب الطلبة بلا هوادة ، ولسبب ما - طبقي اعتقد - استثنى بضعة منا من العقاب المتعسف ، و كنت منهم.
كانت ممارسته الفضلى هي التعليق على الباب ، و علمت حينما كبرت أنها من ممارسات التعذيب باقسام الشرطة ، حيث يضع الطالب يديه من خلفه ، و يكون الحلق العلوي للباب بين ذراعيه و ظهره فيما تحت إبطيه ، مما يسبب حزا شديدا و ألما فائقا بفعل ثقل الجسم المعلق ، و كان إما يترك الطالب لوقت حتى يتأذى و يهتريء ما بين ساعديه ، أو يضرب باطن قدمه العاري أثناء ذلك.

لسبب أجهله ، زار محب دارنا بعد عدة من تخرجي - و أظنه أتى مع صديق لوالدي من المدينة القديمة - رفضت مقابلته و السلام عليه . غادر متأثرا ، لكنني لم أنسى بكاء الأطفال عاليا فوق الباب ليومنا هذا.


- أ. حسام -

الأستاذ حسام ، كان مدرس الدين و اللغة العربية ، و هو من ابتدع مقولة: السلام عليكم ، كتحية رسمية عند دخوله الفصل عوضا عن صباح الخير. ثم تبناها بقية المدرسون في المدرسة .
كانت حياتنا تتغير مع بداية التسعينات ، و نلمس المنحى الاكثر تشددا من الاسلام رويدا رويدا .
في يوم وقف الاستاذ حسام يحدثنا عن العادة السرية ، كان يتحدث عربية سليمة و ان كانت معدومة التأثير أو الكاريزما، قال من جملة ماقال: " هذه العادة حرام ، و من يدمنها سيضعف جسده حتما ، و يضعف بصره ، و تتكاثر الحبوب في وجهه ، و لن يعاود الانتصاب عند الزواج "
قال أحدهم (اسمه مكرم ، كتبت عنه سابقا ) : " يا استاذ انا بامارسها من سنة و ما بيحصليش اي مشاكل ، و بعدين مافيه متجوزين بيجتمعوا بزوجاتهم اكثر من مرة في اليوم ، هل بتظهر عليهم الأعراض دي؟"
قال أ. حسام: " يا مكرم لا تجاهر بالمعصية ، و تب إلى الله من هذا الفعل ، و إن كنت تقرأ أو تتابع احدث اكتشافات العلم لكنت عرفت أنه آثناء الجماع تكون فتحة قضيب الذكر مفتوحة عن آخرها ، فتدخل منها سوائل من مهبل المرأة ،هذه السوائل مليئة بالمقويات التي تعوض ما يفقده الزوج عند القذف"
همس مكرم في أذني بعد الحصة: " سيبك من اللي بيقوله ده ، ده كلام فارغ و مش علمي! انا باسرتن ٥ مرات في اليوم و باشيل حديد ، اصلا صحتي بتتحسن!"


- مس نجوى -

مس نجوى كانت محجبة حجابا يظهر أكثر مما يخفي ، فقد كانت في مرحلة الانتقال كسائر البلد . و كان الحجاب جديدا عليها و هي تشرف على العقد الرابع.
كانت تدرسنا الجغرافيا و كانت تنطق الاسماء بطريقة مؤسفة فتقول "كمبوتيشيا - Cambotishya" بدلا من كمبوديا ، و تقول حُمُّص بدلا من حِمص السورية ، و مرة كانت تؤكد لنا أن في كل دولة عربية مدينة بنفس اسمها ، مثل الجزائر و الكويت و تونس.
و من معارفي الضئيلة فكرت أن هذه استثناءات و ليست قاعدة ، بدليل أن ليس في مصر مدينة اسمها مصر ، عبرت عن ذلك ، قالت بلا تردد:" هو انت لما بتسافر القاهرة ، مش بتقول انا نازل مصر؟"
و كانت مقتنعة تماما.
السيدة عرفناها شديدة العنف أيضا ، كان لديها عصا تشبه رجل كرسي القهوة الخشبية السميكة ، أو هي حقا رجل لكرسي قديم ، غليظة جدا ، حتى ان الضرب بها على اليد لن يجدي كثيرا.
كانت تضرب بها على الرأس.وبشكل مباغت.
و حدث مرة أن نزف طالب من منبت الشعر في رأسه من جراء ضربة واحدة خاطفة.
أتانا بضمادة أعلى رأسه في اليوم التالي و بجواره أبيه واعداً المدرسة بان ابنه لن يكرر خطأه ، و طلب منه أن يعتذر لها ، قالت : "مش حاقبل اعتذارك ، بس من هنا ورايح تذاكر ، و نبقى نشوف"
الحقيقة هي ضربته ونزف لانه لم يعرف اجابة سؤال منهجي أبله.


الصورة من فليكر


على الرغم أنني أنا شخصيا كنت من أقل المتعرضين للعنف الجسدي ، أو اللفظي في المدرسة ، إلا أنه قد ترك في أثرا بالغا ، على الأقل الرؤية و التعاطي اليومي مع هذا الواقع .
و الحقيقة ، حينما يلقي مدرس بالطالب من الدور الثاني ، فإنني لا أظن في هذا العام - في المدرسة محل الحادث - سيصبح لتحصيل العلم أيه قيمة في نفوس الطلبة ، باستثناء تعاطيهم مع المدرسة كحلقة أخري في مسلسل الخوف اليومي ، سواء من الاسرة ، أو من الشارع ، أو من السلطة ، و القائمة تطول.


يقول پول سيمن ، مغني المفضل :

When I think back , On all the crap I learned in high school.
It’s a wonder I can think at all.
And though my lack of education Hasn’t hurt me none.
I can read the writing on the wall








الحقيقة أتفق تماما..




٢١‏/٠٢‏/٢٠٠٩

أربعة من خمسة


كنت قد كتبت منذ مدة عن "أخطبوطي" الفيلم المتحرك القصير ، كنت قد مدحت فيه علي ما يبدو مما أثار حفيظة البعض.
مرت الأشهر ، و هاهو الفيلم - الذي لا يعدو أن يكون مشروع تخرج جامعي - و قد أصبح ضمن الأفلام الخمسة القصيرة المرشحة للأوسكار في هذا العام.
الأفلام الخمسة رائعة ، و صادف أن كل فيلم منهم من دولة ، و كل فيلم بتقنية تحريك و رسم مختلفة تماما.
عثرت على أربعة من الخمسة على الشبكة ، أضعها هنا كنوع من الإبهاج ، و التعريف ، خاصة أن دور العرض في القاهرة لم ترينا أكثر من خمسة أفلام من إجمالي تجاوز الستين فيلما تشارك هذا العام.
أعتذر عن كفاءة بعض الأفلام ، لكن بعضها مقرصن كما نعلم جميعا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الياباني
Tsumiki no ie
هو الوحيد الذي لم أجد له أثر علي الشبكة ، باستثناء صور منه ، او مقتطفات قصيرة





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ










ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفرنسي
Oktapodi





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الانجليزي
This Way Up






ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأمريكي
Presto





أطلب من جار القمر ، أن يحاول العثور علي أفلام قسم الروائي القصير و التسجيلي القصير بالمسابقة ، بصفته منقبا معروفا في غياهب الشبكة.
و للمرة الثانية الأفلام مهداة لطلبة معهد السينما ، و خاصة قسم الرسوم.






.

٠١‏/٠٢‏/٢٠٠٩

حول الانتصار

حينما كنت صغيرا ، كثيرا ما شاهدت صورة لخالي بزي عسكري في بيت الجدة ، كانت صورة صغيرة ، موضوعة في مكان واضح ، و كنت أعرف أن خالي قد استشهد في حرب اليمن.
لم يشغلني الأمر كثيرا في صغري ، و لكن انتابني فضول في مرحلة ما ، و أذكر انني سألت أمي ذات يوم :
-ماما ، هو مين اللي انتصر في حرب اليمن دي
قالت أمي بيقين قاطع ، و عين لامعة : مصر طبعا.

تنتابني هذه الذكرى و أنا ابحث في المعاجم حول معنى كلمة "انتصار" ، و هي كلمة لا بد من الوقوف عندها كثيرا في هذه الأيام تحديدا

"( انتصر ) - على خصمه استظهر ومنه انتقم"
المعجم الوسيط



و كنت جالسا مع بعض الصديقات ، و أخذن في الحديث مطولا حول أحداث غزة ، و حول "انتصار المقاومة"
بحسبة بسيطة ، قلت أنني لا أجد فيما حدث نصرا لحماس ، أو للفلسطينيين ، و أن ما حدث كان خسارة فادحة لشعب يعاني منذ سنوات ، ووقع ضحية طبخة سياسية مكشوفة بشكل فج و أن استمرار اسرائيل في ضرب حماس ، ممتد إلى مالا نهاية ، و تتغير اشكال المعركة اطرادا نحو الكبر، و إذا فقد المقاومون قدرتهم على فهم معنى بسيط جدا كـ " الانتصار" فلا أظنهم بقادرين على الإتيان به أبدا.

"وانْتَصَر الرجل إذا امتَنَع من ظالِمِه. قال الأَزهري: يكون الانْتصَارَ من الظالم الانْتِصاف والانْتِقام، وانْتَصَر منه: انْتَقَم. قال الله تعالى مُخْبِراً عن نُوح، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ودعائِه إِياه بأَن يَنْصُره على قومه: فانْتَصِرْ ففتحنا، كأَنه قال لِرَبِّه: انتقم منهم كما قال: رَبِّ لا تَذَرْ على الأَرض من الكافرين دَيَّاراً."



الزلزال الذي ضرب القدس في العشرينات ، الدمار واضح على كنيسة القيامة
و يظهر اثنان من ضباط الإحتلال الإنجليزي - المصدر


اتفهم تماما ، أننا بعواطفنا العربية الجياشة ، نرى حرجا كبيرا في اعتبار المئات قد ماتوا سُدى ، و بدمائنا الشرقية الحارة ننكر فكرة الهزيمة نكرانا بينا ، خاصة أن المقاومة "إسلامية" و لديها من المدد الإلهي ما يغنيها تحليلات المحللين ، و سفسطات المدونين من أمثالي.
عثرت على خطبة هنية الشهيرة بعد أحداث غزة ، و الحقيقة تابعت منطق الرجل و كلي أمل و تعاطف ، و رغبة مرتبكة في الدعم ، قال هنية: " إن ما يحدث في غزة الآن ، هو آية من آيات الله".
قمت برفع الصوت قليلا ، ربما..
قال: "إننا نعرف أن هذه الهجمة البربرية وهذا الغدر الصهيوني، ما هو إلا لأننا آمنا بالله رباً وبالنبي قائداً وبالإسلام ديناً وبالقرآن دستوراً، وبالجهاد سبيلاً."
قمت بخفض الصوت.
الحقيقة لم يكن ذلك ما اتوق لسماعه أبدا ، الرجل علي يقين كامل بنصر من الله ، و بأن الحرب حربا للإسلام ، و بحجة الإسلام ، و نصرة للإسلام . و الحقيقة تندر أي صيغ وطنية في حديثة قياسا بالأدعية ، و الآيات القرآنية .هذا فضلا عن اليقين التام بالنصر الإلهي - مرة أخرى -.
قال: "
نحن هنا لن نلجأ في هذه اللحظات إلا لله ونستجير به ونستعين بقوته وحوله، وعظمته وجبروته، ونحتمي بحماه ونركن إليه، لا إله إلا هو القهار ذو القوة المتين .." ، و ينحي هذا المنحى في غالب خطابه.
ثم كان كلام السيد نصر الله قائلا : "من لم يعترف بنصر المقاومة في لبنان ، لن يعترف بنصر المقاومة في فلسطين"
اتفق مع السيد لأول مرة ، فالسيد ذكي ، و يعرف أن منطقية تفكير البعض لن تقودهم إلى فهم أي نصر حدث في لبنان ، و طبعا لن يرون أي نصر حدث في غزة ، و أنا منهم.
اري ما حدث في غزة كالآتي:

١- اسرائيل ترفع سقف هجومها على أعدائها او من لا يروقون لها في كل مرة ، و كل حرب (لبنان/غزة) هم يختبرون الرأي العام العالمي ، و يجدون انهم يخرجون بمذابحهم كالشعرة من العجين. و بالتالي فالمرة القادمة أكثر قمعا و مرارة.

٢- نجح هنية و معيته في جعل انفسهم رموزا وقتية للكرامة و العروبة ، و أفئدة المسلمين هوت إليهم ، و لكن كسب تعاطف شعوب غير فاعلة - خاصة استنادا على الدين - هو أمر سهل في هذه الأزمنة ، و مع دعم رهيب من الفضائيات ، تصبح المهمة منتهية في يومين . ربما هذا ما عناه بالنصر ، أن حركته أصبحت الممثل الحقيقي للقضية الفلسطينية في أعين العرب ، و لكن لم ينتصر على عدوه. إنه انتصر على سلطة ابي مازن.

٣- النصر - في رأيي - هو أن يكسب احد الطرفين مكسبا كبر أو صغر لصالح أرضه/ جيشه ،/او حتى مبدئه ، و لكن لا أرى ذلك قد تحقق هنا علي أي شكل.

٤- حماس استغلت صور الشهداء ، لتكسب تعاطف الشعب العربي معها ، و لم تتحرك خطوة لدعم قضيتها دوليا ، و هكذا استمرت حرب اسرائيل تغذي مستنقع ازمتهم الداخلية.

٥- فلسطين حماس ، التي تتجلى في خطابه ، ليست هي فلسطين التي اتمناها ، أو ابتغيها جارة ، فلسطين التي تحكي عنها حماس هي ضد كل ما تمنيته أن يكون ، و وقفت لأجله في أي موقف ، و هذا لا يعني مطلقا أنني أبغض ما قامت به اسرائيل كل البغض ، و لا يعني مطلقا أنني احتسب من ماتو شهداء ، و إن كنت لا أعلم لأي قضية تحديدا.

٦- مسألة أن "
الفلسطينوين نجحوا في وقف العدوان والعدو فشل في تحقيق أي من أهدافه" و أن "الفلسطينوين في لحظة انتصار استراتيجي لنواصل الطريق لتحرير الأقصى والقدس" على حد تعبيره ، أراها مُذلة و مُهينة بعكس ما اقتضى لها أن تكون ، و كأن العدو إن لم يحقق كل اهدافه ، نكون قد انتصرنا ، و كأنه اصلا يعرف تحديدا كيف كانت اهداف العدو في هذه المرحلة ، و كأنه إن دخل قاتل على البيت ، و حاول قتل الاسرة ، و اختبأ الأب تحت الفراش ، و خرج ليجد اسرته قد نحرت ، فسيعتبر أنه انتصر.... أنا اعتبره محظوظا .


فلسطيني يقف على اطلال مدينة تاريخية
١٩٢٠
المصدر


أحيانا ، يشق على انفسنا رؤية الأحداث بعين ألهبتها صور الأشلاء ، و أوصال الأطفال ، و صفوف الجثث في الأكياس البلاستيكية ، و لكن إن كنا فعلا نبغي إيقاف هذه المأساة - التي تتكرر دوما - علينا باتخاذ منهجيه أخرى في التفكير ، و نهج وسيلة أخرى لاطلاق الأحكام ، أو أضعف الإيمان ، تسمية الأشياء بأسمائها.

نهاية ، تظل كلمات هنية : "
يا شعبنا المرابط، يا غزة العزة يا أيها المجاهدون الأطهار أنتم تصنعون اليوم، تاريخاً ...إننا نعاهد الله ونعاهدكم ونعاهد أمتنا وكل أحرار العالم بأن نبقى في مواقعنا حتى ولو قصفونا أو قتلونا أو فرقونا أشلاء {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون}، فهنيئاً لكم أيها الشهداء فهنيئاً لكم أيها الجرحى هنيئاً لكم يا خنساوات فلسطين يا رجال فلسطين، واستعينوا بالله واصبروا وتوكلوا على الله وتضرعوا إليه، ولن يخذلكم أو يضيعكم أو يكبتكم، ووالله الذي لا إله إلا هو ليكبتن عدوكم ويخزي المتآمرين عليكم......"

و أظل أتساءل في قرارة نفسي، أحيانا ، رغم كل ما عرفته لاحقا ، عن سبب موت الخال.



٠٦‏/٠١‏/٢٠٠٩

قِصــــة..


حدث في أحد الأيام أن كان هناك فيلا عملاقا يعيش بجوار إحدى القرى ، و كان فيلا قاتلا عنيفا ، كثيرا ما هاجم سكان القرية الودعاء.
حاول القرويون مرارا قتله أو إبعاده و إقصائه ، لكنهم فشلوا فشلا ذريعا ، بل و غالبا ما خافوا حتى من ترك منازلهم لعله يلاقيهم في الطريق و يفتك بهم أو يدمر بيوتهم .
حتى كان يوم اجتمع فيه حكماء القرية ، و تحدثوا طويلا في أمر الفيل ، و ما له و ما عليه ، سكت كبير الحكماء طويلا ثم بدأ في الحديث ، و حينها التزم الجميع الصمت و أطرقوا الآذان.
"من يستطيع تدمير الفيل ، له جائزة ضخمة" ، قال.
ضج الجمع باللمز و الهمز ، و لكن ما لبثوا إلا أن تأججت عزيمتهم فتجمع حينها أشهر صيادي القرية لقتله طلبا للجائزة ، و شرعوا في اقتفائه ،إلا انهم اخفقوا جميعا. لأسباب لا محل لها هنا.
و حدث - أيضا - أن كان هناك ضبع يعيش قرب القرية سمع خبر الجائزة ، فتنامَت إلي عقله فكرة ، فعدى نحو كبير الحكماء بالقرية و طلب في تأدب : "أؤمر لي أهالي قريتك أن يشقوا طريقا بين الأعشاب و الأحراش بطول ٢٠ ميلا ، هذا ما أحتاجه لضمان خطتي للقضاء على الفيل".
صمت كبير الحكماء لوقت اختلفوا حوله ، ثم أنشأ يقول: " لك ما طلبت أيها الضبع ، سنشق لك الطريق ، و إن نجحت فإنني لمعطينك طعاما مديدا ، و حشية وثيرة لتنام عليها ، و بيتا منيفا بدلا من سكناك الأحراش ، فضلا عن مكافأة أخرى قيمة من عملتنا المحلية"
و هكذا شق القريون للضبع طريقا معبدة بطول عشرين ميلا و عرض ربع ميل ، تبدأ من القرية و تنتهي في عمق الغاب.
حينما اكتمل العمل ، و رضي الضبع عن اداء القرويين ، قال: " أحسنتم" ، ثم شرع في تنفيذ مخططه .
جرى نحو الفيل في الغابة و دار حوار:
الضبع: يا فيل.
الفيل: نعم.
الضبع: إنني عازم على مسابقتك ، و هزيمتك.
الفيل: لن تستطيع (ضاحكا)
الضبع: بلى ، استطيع.
الفيل: هراء، ثم ماذا لك من هزيمتي؟
الضبع: لأثبت أنك غير قادر على العدْو سريعا.
الفيل: ياللسذاجة (ثم شتمه)

انتهى الحديث أن اتفق الغريمان على التسابق في اليوم التالي ، في الطريق الممهدة الجديدة ، من الغابة باتجاه القرية.
ثم انطلق الضبع سريعا نحو جماعته من الضباع ، و عرض عليهم الآتي : أن يساعدوه على هزيمة الفيل في السباق ، و بما أن أهل القرية يخافون الفيل، فإن أول ما سيفعلونه عند رؤيتهم للسباق و الفيل يعدو نحو ديارهم ، أن يهربو تاركين القرية ببيوتها ، و طعامها ، و طيورها ، هنا يتسنى للضباع سرقة ما لذ و طاب من دورهم.
قال أحد الضباع: هاه ... يالك من احمق ، و كيف لك بمجاراة الفيل و هو اسرع و اضخم منك؟
رد الضبع: لأن كل منكم أخوتي سيختبيء في الأحراش بطول الطريق المعبدة ، و بعد كل ميل سيتم استبدال الضبع الذي يركض، بواحد جديد يخرج خفية من جانب الطريق ، و بالتالي سيتعب الفيل قبل أي منا ، و سيستمر في العدو طوال العشرين ميلا. بينما نحن نشطاء نتجدد.

فيل أفريقي يركض - الصورة من فليكر

أما من ناحية أخرى ، فقد كان الفيل يشعر بمرارة و غصة في حلقة ، قضى ليلة سيئة ، و كان يلوم على نفسه كيف أصبح الضباع يساوون أنفسهم به ، و كيف هان به الحال لهذه الدرجة ، و قال في سره أن وجوده و شرفه كـــفيل أصبح على المحك ، و أن لا مكان للهزيمة أو التراضي.

في اليوم المشهود ، كان الفيل و الضبع في أول الطريق بينما تلوح القرية في الأفق ، و انطلقا في جري مستمر. و كما كانت الخطة ، عند كل ميل كان يختفي الضبع المتسابق قافزا بسرعة في الأحراش ليحل محله ضبع آخر نشيط على الطريق. و هكذا استمر الفيل في الجري مدفوعا بجنون عظمة تاريخي ، و رغبة مميته في النصر.دون أن يلاحظ المتغيرات ، و المتغيرون.
و على اعتاب القرية ، كان الفيل قد هدّهُ التعب فسقط صريعا ، و هو يرى القرية أمامه كآخر مشاهد حياته الصاخبة.
حينها تجمهر الضباع و قد تأكدو من النصر، و توجهوا فورا للقرية طلباً لنفائس أهلها و بيوتهم.
و لكن ما أن وصلوا للقرية إلاّ ووجدوها خاوية على عروشها ، فقد هجرها أهلها أثناء السباق باحثين عن أراض أخرى أكثر أمنا ، حاملين - مع يأسهم - كل ما لهم من طعام و شراب و حيوان و نفائس ، و لم يعد فيها سوى السُدى.
تجمع الضباع حول الفيل الملقى أرضا، كان قد مات ، و لم يستفيدوا من الجائزة ، و لا من نفائس القرويين ، و لم يجدوا حتى من يشاركهم سعادة نصر سريع.

غادرت الضباع في صمت حلبة السباق ، مكملين حياتهم التي عهدوها. بدون يقين واضح حول أي الأطراف انتصر.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصة من موروثات الغرب الأفريقي ، ليس لها أي علاقة بأي وضع سياسي راهن ، و تذكرتها هنا بكثير جدا من التصرف.

٢٣‏/١٢‏/٢٠٠٨

واحد عادي


يعرف أي ذكر في أي مجتمع أرضي ، أن مساعدة صديقة أو زوجة أو قريبة في التبضع هي عملية مؤلمة جدا ، و تزداد سلبية تأثيرها وفقا لنوع التبضع الأنثوي ، و الحقيقة ، و لسوء حظي فقد وجدت نفسي أساعد إحداهن في أكثر العمليات إيلاما للنفس ، و هي شراء الماكياچ.
و تجنيبا لذاتي من مشاكل التنفس أو ارتفاع ضغط الدم ، تركت الفتاة ترعى مع إحدى العاملات ، منكبتان على اختيار اشياء باسماء فرنسية ذات فحيح , و تركتهما متسللا لأجزاء اخرى في المحل الضخم - الذي يعتبر تحفة في الإهدار الكهربي و الإضاءة الساطعة - مشاهدا الوانا و أشكالا من مستحضرات التجميل ، و صورا للفتاة النموذجية و هي تستخدم عطرا ما ، أو للشاب المثالي - الذي يفترضون أنني أفترض التحول إليه - و هو يستخدم عطرا ذكوريا آخرا ربما ساعده على تنميق لحيته. و جعل شعره أكثر إعجازا.
و بينما أنا علي هذه الحال ، شاهدت امرأة منقبة تتشح سوادا ، تقف أمام قسم أصابع الشفاه ، و كانت أمامها موظفة تبدو مرتبكة بعض الشيء . طبعا لم أفوت الفرصة ، و تسللت و يداي في جيبي حتى اقتربت من المشهد ، حينها لاحظت أن مع السيدة المنقبة طفلة صغيرة تقف إلى جانبها. و ايّما كانت دهشتي عندما وجدت الأم المنقبة تختبر الألوان على شفتي ابنتها الصغيرة.
كانت الأم - و الطفلة - خليجيتان من لهجتهما ، و كانت الام تجرب كل لون على ابنتها ، ثم تمسحه سريعا لتجرب الآخر.
ثار فضول العاملة ، فسألت السيدة:

- مش من الأفضل تجربي اللون على شفايف حضرتك أحسن
- لا ..لا ... شفايفي نفس لون شفايف بنتي ، بجرب فيها.

سكتت الموظفة. و كاننت الطفلة في ضيق تام من كثرة تلوينها و مسحها.
لم تلبث لحظات أن تمر ، إلا و كانت أكثر من موظفة تساعد السيدة لمجرد تبينهم أنها عربية - في تقديري - ، بل و أثنى بعضهن على فكرة احضارها لابنتها لهذا الغرض ، حتى أن الموظفة التي كانت تساعد صديقتي ، تركتها لحالها ، و ذهبت لتملق العربية لبعض الوقت.

نموذجان من الملصقات الدعائية المعتادة في بدايات القرن العشرين بفرنسا
تندرج تحت مدرسة (آرت نوڤو) ، العملان للرائع الفونص موخا
(يمكن تكبير الأعمال بالضغط)


ذكرني هذا بحوار حدث في أحد أقسام الشرطة بين إثنين من الأمناء
الأول: إيه اللي حصل في محضر الخناقة بتاع امبارح؟
الثاني: لا ، خلاص اصطلحوا
الأول: هي كانت بين مين و مين؟
الثاني: بين واحد سعودي ، وواحد عادي

الآن عرفت تصنيفي أخيرا.
واحد عادي



١٥‏/١٢‏/٢٠٠٨

ثلاثة لقاءات سريعة ، لا تصنع حباً

هكذا تحدث الأشياء.
بلا مبرر ، أو سبب واضح .
أفني ساعات نهاري مستحضرا أسبابا و محللا لنتائج التفاصيل اليومية الدائرة ، انظر للأحداث بشكل عقلاني ، أعيد دوما تركيبها في عقلي كعادة مكتسبة بلا وعي.
ثم تمر فتاة.
تقول كلمة أو اثنتين ، و تختفي بين زحام الحضور.
هكذا تحدث الأشياء ، و هكذا نقع في الحب ، بلا أية منطقية ، و بلا أية اسباب.

Do I need your permission to turn the other cheek?
If you can read my mind, why must I speak?

Bob Dylan



كل قصص الحب التي خبرتها، لم يكن أبدا من الممكن تفسير كيف بدأت ، و بعضها لا يمكن تفسير نهاياته ، و برغم ذلك ، حينما أفكر في العام الذي يمضي كل شتاء ، اول ما استحضره هو وقوعي في الحب و ما تلاه.
قد تتداعى بعد ذلك أفكار و رؤى الحرب و العمل و الأصدقاء الجدد و الكتب ، ووضعي المالي و الأسري و عالم كامل. و لكن جميعهم بعد تذكر فتاة أو أكثر .
استغرب كيف أن بعض من عرفتهن إن كنت قد حاولت تحليل ماجرى بيننا لما كان لنا ان نستمر ، و لما كان ممكنا لكل هذه السعادة أن تحدث.
و لا لكل هذا الحزن أيضا.

تأتي الفتاة لزمن ، يقصر أو يطول حسب تركيبة عبثية ، أؤكد أنه لا للقدر و لا لأفعالنا دخل سير الأحداث .
و لكنها تحدث كفصل في رواية سيئة ، ميلودرامية في الغالب ، قد اتعفف عن قراءتها .
ربما فعل عبثي كالحب - ذلك الذي يستوجب طاقة أكبر من المبذولة في أي فعل انساني عرفته - لم أعرف قوة قادرة على تسييره ، باستثناء روحه العابثة؟ لا أدري.

تمضي الفتاة ، و تأتي أيام ، اسابيع ، شهور من الوحدة ، قد أسميها في غمرة الزهو : حرية ، و لكنها حرية مستوحدة.
و تبقى حالة من الاستكشاف ، من سبر أغوار آخر جديد ، فتاة أخرى ، تمر و تقول كلمتين ، لتغيب وسط الحضور.
قد يتساءل الرائي عنها في صمته او بين المقربين.
بالنسبة لي هي ليس رغبة في المعرفة ، و لا فضول المكتشف ، و إنما رغبة في تذوق الشعور الفريد مرة أخرى.و لا أعني الحب ، و إنما معرفة عالم آخر جديد ، تأتي به فتاة لا أعرفها حاملة إياه على قدمين.

I see a lot of people as I make the rounds
And I hear her name here and there as I go from town to town
And I've never gotten used to it, I've just learned to turn it off
Either I'm too sensitive or else I'm gettin' soft

Bob Dylan



الجنس ، صوت قرقعة حوائط بالليل ، اصوات شخص يمشي بالشقة العلوية ، صوت انفاسنا على الفراش.
أحيانا فراشا صيفيا مبللا بعرق سرعان ما يجف ، و أحيانا تصفر رياح الشتاء من النافذة القريبة ، فتتدثر هي سريعا.
المواسم لا تشكل فرقا كبيرا ، و لا الأعمار
إنما هم الأشخاص ، أولئك القادمون و الغادون في حيواتنا الخاصة ، و أشد تفاصيلنا سرية ، يستمرون فينا بعد رحيلهم ، و مجيء آخرين ، وربما - ببعض الحظ - نستمر فيهم.
ربما لهذا ارتبط الجنس باستمرار البشر؟
و ربما لهذا ارتبط الحب بالرحيل؟

I been double-crossed now for the very last time and now I'm finally free,
I kissed goodbye the howling beast on the borderline which separated you from me.
You'll never know the hurt I suffered nor the pain I rise above,
And I'll never know the same about you, your holiness or your kind of love
Bob Dylan




كتبت ما فات بلا منطق ، و لا أي تنميق ، لانها هكذا تحدث الاشياء ، او ربما هكذا تتداعى في عقلي كلما خلوت.
ربما امتنانا لكل اللاتي عرفتهن يوما.
و ربما امتنانا لتلك الفتاة التي قابلتها لثلاث مرات .
اكتبه لأنني لا استطيع أن اروي للرفقاء و الأقربين ، فلا أعرف إن يفهمون ، أو لأنني لا أعرف كيف.
و في الغالب لن اعرف كيف أجيب إن سُئِلت : ثلاثة لقاءات سريعة فقط؟
فقط...


١١‏/١٢‏/٢٠٠٨

بَرّه يُغني ، و العالم...

لم أضحك ، و لم أحزن.
فقط أصبت بنوع من الذهول . صمت قصير اعتراني بعد المشاهدة ، ثم أعدت المقطع من الأول و شاهدته مجددا.
ها هو ذا:



من يتابع كل حرف تنطقه ، سيعلم جيدا كيف وصل الشارع إلى هذا الحال.
من برنامج بسيط جدا ، و مسألة شديدة السلاسة كأغاني فريق البيتلز ، صنع البرنامج منها أكذوبة لتمر على المشاهد المسكين . و كنت أنا هذا المشاهد الطفل في حينها.
الحقيقة ، من يتابع جملة بجملة ، سيجد بذور قصص و ألفاظ و تلافيف إعلامية تستخدم في يومنا هذا على اسس أكبر كثيرا. و سيجد كيف تم نشوء فكرة " في العالم" كمعاكس للفظة " في مصر" ، و منه خرجت لفظة " بَرّه" الشهيرة ، كمصطلح يعني "العالم" ، تعبيرا عن عوالم لا نعرف ما يدور فيها ، و لن نعرف.
هنيئا لنا أننا في زمن لا نحتاج فيه ان "ندور في السوق" على أغاني البيتلز ، لأنه بضغطة زر ، يمكن مشاهدة افضل افلام البيتلز كاملا. و أفلام أخرى جيدة أيضا.
و لكن ، لا فكاك من تساؤل.
كيف تغاضينا حينها على ذلك؟ و كيف انطلى علينا؟
حقيقة لا أعرف.


٠٢‏/١٢‏/٢٠٠٨

ديسمبر مرة أخرى

درجت على أن أتذكر ديسمبر بنوع من الأسى الخفي. بالنسبة إلى قد ارتبط دوما بالنهايات ، و ليست فقط نهاية العام الميلادي كما درج .
ديسمبر هذا العام أتى مختلفا. فطوال الشهر الماضي كان الماشي في ليل القاهرة يرى نجمتين شديدتي البريق ، تكادان تتعامدان في وضع يوازي خط زوال الشمس جهة الشمال.
هاتان النجمتان من أسطع أجرام السماء ، فهما كوكبي الزهرة ، و المشتري و قد اجتمعا في هذا الوضع النادر.

مع عشية غُرة ديسمبر ، أتى القمر هلالا ، حيث صادف بدء شهر قمري جديد ، و اقترب القمر من الكوكبين في السماء خالقين ابتسامة سماوية.
فهكذا اجتمع تقويمان ، اجتمعت ثلاثة اجرام ، اجتمع عيدان ، و اجتمع الناس على موائدهم لعيد الشكر.
هذه الظاهرة شاهدها اغلب سكان الأرض ، و إن اختلف البعض في كون القمر سيكوّن مع النجمتان وجها سعيدا أم حزينا.
للأسف كنت اعمل في غرفة مغلقة أثناء ليلتنا هذه ، حاولت الخروج للشرفة ، فاستعصت علي رؤية السماء من بين ظلال المباني، و تذكرت قصيدة صلاح جاهين.
لاحقا الليلة هاتفني اصدقاء ، مؤكدين أنها ابتسامة.

هكذا شهدوها في ، كاتمندو

ربما تهبنا هذه البسمة السماوية عاما قادما أفضل ، ربما تهبنا قدرة علي الابتسام في أيام تزداد إيحالا.
و ربما تمنحني شخصيا القدرة على النظر لديسمبراتي السابقة ، متذكرا هذه المرة شيئا مغايرا.
أو ربما هي محض مصادفة فلكية.

و نظرا لميولي الاكتئابية التي لا تتبدل، و كعادة مكتسبة ، أترك دامين رايس ، يغني أغنية سبتمبرية حزينة بعض الشيء ، لخلق توازن ما.



Damien Rice - I remember

٢٩‏/١١‏/٢٠٠٨

كيف لم ألاحظ؟

كانت هذه الناصية في الشارع الرئيسي هي منفذي علي العالم ، كنت لازلت مراهقا اكتشِف القاهرة لأول مرة ، فكنت أسير من بيت الأسرة لدقائق ، فأصل إلى ناصية الشارع العمومي ، أتجمع حيث الآخرين ننتظر إحدى المواصلات لشحن الجميع لقلب القاهرة. لهناك حيث مبان أقدم، و أشياء أكثر للتطفل ، و أناس آخرين للمشاهدة.
كنت دوما أستند على سور ڤيلا بنية اللون ، صغيرة لها حديقة مكشوفة لنا نحن المارة ، كانت قديمة بالنسبة للحي ، و بها بركة صغيرة تمتليء بالأسماك الملونة.
كنت بينما يتأخر الأوتوبيس أجلس على هذا السور القصير اشاهد الأسماك ربما لساعة من دون أن أكترث للوقت ، بعض المارة كانوا يلقون بفتات خبز من آن لآخر مطعمين الأسماك ، أعتقد أنني قمت بذلك مرة على استحياء ، القيت شريحة من كيس بطاطا ، لا أذكر بالضبط الآن.

سنوات مرت ، أصبحت لي سيارة ، و قل ارتيادي للمواصلات العامة ، ثم هجرت الحي نسبيا باستثناء زيارات عائلية من وقت لآخر ، و نسيت الشارع برمته.
منذ أيام مررت على بيت الأسرة ، و عدت بالمواصلات العامة من نفس المكان ، و بينما أنا واقف أنتظر تذكرت الاسماك ، فالتفت لأجد انني واقف أمام مبنى زجاجي كبير.
الحقيقة أن الڤيلا تم هدمها ، و انشاء مبنى إداري ما ، بزجاج أزرق و أخضر ، و هي قصة ممطوطة و مكررة.

ليس ما يشغلني هنا أن الڤيلا الجميلة هدمت ، و لا أتساءل أين ذهبت الأسماك ، لأنها كلها أصبحت أسئلة مترفة في ظل عالم شديد القسوة نمر به يوميا. و لكن ما يشغلني ، و يقلقني هو أنني خلال السنوات كلها لم ألحظ المبنى الجديد.
حتى و أنا واقف أمامه ، لم ألاحظه.
حتى بعد أن أصبح متعدد الطوابق ، لامع ، بموظفي أمن و كاميرات ، لم ألحظ أبدا.

لا أستغرب لماذا بيعت الڤيلا.
و لا أستغرب قدرتنا الرهيبة على التخلي عن الجمال .
لكن أستغرب أنني لم ألاحظ طارئا مثل ذلك ، و لهذا دلالة لا تسرني مطلقا. بل مقلقة إلى حد كبير.


١٤‏/١١‏/٢٠٠٨

كُنــا رجالة

بينما أقترب حثيثا من سن الثلاثين ، أجدها فرصة سانحة للتأمل ، و النظر إلى هذا العصر الذي أتيت فيه ، و كل تلك الأشياء التي مررت بها ، و مر بها جيلي بأكمله.
حاولت أن أجمع أهم الأحداث التي أظنها شكلت صورتي و صورة رفاقي ، و بالتبعية أوصلت الشارع إلى ما هو عليه الآن ، فكرت و تجاذبت الحديث مع الأحباء مليّا* ، فوصلت لأننا قد شهدنا:

- دخول التليفون المحمول
- دخول الدش والقنوات الفضائية
- قيام و انهيار حميد الشاعري
- انهيار فوازير رمضان
- دخول مصر كاس العالم
- ظهور أغنية دي دي
- صعود و انهيار البيچر
- وفاة ادوارد سعيد/درويش/محفوظ/وهاب/شاهين/سعاد/ زكي/الريس متقال
- ظهور و انهيار القصة الكابوريا
- قيام الاخوان المسلمين
- انهيار حفلات اضواء المدينة
- ظهور السيارة الهيونداي
- قيام و انهيار الأتاري
- ظهور الكوتشي اللي بينور
- ظهور المولات
- قضية فتاة العتبة
- قيام و انهيار وائل نور
- ظهور الزابادو كمشروب رسمي لطالب الجامعة
- انفصال بوسي و نور الشريف
- استقالات فاروق حسني
- انهيار العمليات الفدائية و ظهور العمليات الاستشهادية
- اختفاء محمد نجم
- زلزال ٩٢
- قيام و انهيار ظاهرة مطربي المهرجانات
- اختفاء الدكتور مصطفى محمود
- انهيار الحركات الطلابية
- بناء قاعة المؤتمرات
- قيام و انهيار نادي الشمس
- انتشار محلات السوشي
- قيام و انهيار الجرافاتات المشجرة
- ظهور الحجاب كزي رسمي لفتاة الجامعة
- قيام و انهيار سلاحف الننچا
- ظهور تامر حسني
- قيام وانهيار زكية زكريا
- ظهور السينما النظيفة
- انتهاء حرب لبنان
- ظهور و انهيار مطربي الموسم الواحد ( احمد جوهر/خالد علي/ نامق)
- اعتزال الفنانات
- غزو الكويت
- ظهور المشغلات الموسيقية المحمولة
- انهيار الحدائق العامة (الأورمان و المريلاند)
- ظهور تاكسي العاصمة
- طرد نصر حامد أبوزيد
- ظهور اللمبي
- تعديل الدستور
- اختفاء تقاطعات الطرق و استبدالها بملفات
- ظهور المدونات
- تحول الفاست فود لظاهرة شعبية
- قيام و انهيار مسلسل The Bold and The Beautiful
- نهاية شريهان
- قيام و انهيار محلول معالجة الجفاف
- نقل تمثال رمسيس
- ظهور السينمات متعددة الشاشات
- ظاهرة لولاكي/السلعوة/إغماء الطالبات الجماعي/السحابة السوداء/القطارات/التحرش
- قيام و انهيار اليوم المفتوح
- ظهور البرمجيات المفتوحة
- نقل الجامعة الأمريكية
- انتهاء زمن الڤيديو كاسيت
- اعتزال مديحة كامل
- اختفاء مشروبي : كراش و تيم
- انفصال فرقة ستوديو ٨٠ ، محمد صبحي و لينين الرملي
- بناء الفور سيزنز
- قيام و انهيار رباعي نوح
- استشهاد ياسر عرفات
- ظهور و انهيار القنوات المحلية
- ظهور السينما/المسرح/ فرق الموسيقى المستقلة
- قيام و انهيار رجل المستحيل
- قيام و انهيار عمرو خالد
- نهاية عرض الافلام الهندية بالسينمات
- ظهور خالد يوسف
- انتشار اللجان في الشوارع بعد ١٢
- اختفاء بقلظ
- ظهور مراقيا ثم مارينا. ثم قرية ماربيلا
- ظهور خدمات التوصيل، ثم الرقم الموحد
- عودة احمد رمزي و عمر الشريف
- ظهور قناة الجزيرة
- قيام و انهيار مطربة الاطفال نسرين
- ظهور ثقافة الفوز لدى الأهلاوية
- ظهور و انهيار عمو فؤاد و جدو عبده
- هدم كوبري ابو العلا
-اختفاء عايدة الأيوبي
- ظهور الأغاني المصورة
- ظهور الأكل الصحي و الاغذية الأورجانيك
- قيام و انهيار طارق علام و من بعده جورج قرداحي
- بناء شرم الشيخ
- الفنانة صباح

اظن أن من تسول له نفسه أن يكرر أن هذا الجيل أتى في أزمنة بلا قضية ، عليه أن يفكر مليّا.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تم تجميع القائمة بمشاركة رئيسية من الرائع عمرو ،القابع في بلاد الشمال ، المحب لدفء الوطن.

٢٧‏/١٠‏/٢٠٠٨

ِوحدة

هكذا سِرت وحيدا تماما ، في شارع متطرف نوعاً في وسط المدينة. كان الجو لا يزال رطبا بعض الشيء من أمطار البارحة ، و ضوء الأعمدة القديمة منعكس على الأسفلت المبلل ، كان الشارع ذهبياً خالصاً ، و كانت الساعة تقترب من الرابعة فجرا.
لا أحد في الشارع عَداي ، وقد تمر سيارة في العمق تقطع أفق الشارع الطويل.
و لكن كانت هناك موسيقى مستمرة ، منبعثة من آخر الطريق عالية تصدح ، لم تكن مزعجة أعترف ، هي شيء من مديح ربما .
سِرتُ .. فالموسيقى لا توحي إلا بتتبعها. و كان طريقي على أية حال.
وصلت لمحل كبير منير ، كان فرنا للخبيز ، و كان عماله يستمعون لياسين التهامي ، و يصفقون بإيقاع متكسر بينما يرتبون صَوانٍ سوداء ساخنة .
في المكان رائحة خبز طازج ، يخرج بخارها ليحلق في سماء الشارع و بناياته الأوروبية المتربة . التي تراصت على شرفاتها لوحات اطباء و محاسبون ، و لوحات كتبت بفرنسية أزمنة غابرة .
دخلتُ المحل ، سلمْت على الناس ، قلت أنني أحب التهامي ، فسلم علي آخر و سألني من أين أكون ، قلت "من القاهرة" بخجل لا اعرف مصدره.
هم من المنيا... تذكرت كم احب المنيا.
قلت في نفسي ، انني لابد ان اقضي نهارا على نيل المنيا الواسع قريبا .
اخذت بعض خبز يفوح بخارا ، نقدتهم ، و خرجت من المكان .. و في أذني ياسين التهامي لا يزال يكرر سؤاله لمعشوقه :

"أخذتم فؤادي وهو بعضي .... فما الذي يضركم إن كان عندكم الكُل؟"




وحدي قفلت نحو السيارة ، كانت بعيدة ، فكرت أنني ليتني لم آت بها ، أفضّل أن أترجل حتى بيتي ، و لكنني أسير الآن ، و الجو صاف . و التهم خبزا ذو طعم سكري بعض الشيء.
و بينما أنا على هذه الحال ، سمعت صوتا من ركن مظلم : بسسست .. بسسستت ..
و إذا بشاب قصير ، يرتدي السواد ، و له شارب منتوف ، قال : بطاقتك يا كابتن بعد اذنك.
دار حوار لا أذكره ، و لا أريد ، و تركته يرعى بسلام ، كما تركني هو لأعود في سلام ، و رجعت لسيارتي منطلقا بأقصى ما استطيع نحو البيت.
دخلت ، شاعر بوحدة نادر ما أشعر بها.
شعرت انني وحيد بكوكب موشك على الزوال. لا يفيدني الآن عشاق ، أو أصدقاء ، أو أحباب ، و لا أعرف لماذا.
و رغم أن ياسين كان لازال صداه في رأسي ، فقد دلفت لغرفتي ، نحو لاعب الاسطوانات ، و سمعت أكثر الأغاني وحدة مما أعرف.
ربما إن سمعتها أشعر بأنني لست وحيدا كما أتصور - قلت في نفسي - .
أخذ David Bowie يسري في المنزل . فكرت أنها أغنية مناسبة لنهايات الأشياء.



و إن كنت لا أعرف أية أشياء بالضبط .


"Am I sitting in a tin can
Far above the world
Planet Earth is blue
And there's nothing I can do
Though I'm past one hundred thousand miles
I'm feeling very still"

١٤‏/١٠‏/٢٠٠٨

مايونيز على المدينة

بنجاح ، أعترف أنني قاطعت التلفزيون بشكل كلي ، لا أفتحه مطلقا ، ولا علاقة لي بمسلسلاته و إعلاناته إلا فيما أراه لدى الأصدقاء او على المقاهي . و لكن لم أنجح - الحقيقة لم أحاول ابدا - في مقاطعة الراديو.
و لكني افكر في الأمر جديا الآن ، فقد حدث بينما أنا ضائع بسيارتي في حي الوراق ، أن سمعت إعلانا في الراديو بين الأغاني ، يقول الإعلان: " رنة تليفونك حلوه ، بس غريبة شوية! ، ليه؟ ما تحط رنات ألبوم محمد محي الجديد ، اتصل برقم ٠٩٠٠ ، إلخ".
بالصدفة كان معي في السيارة فتاة عملت في وظيفة " كرييتڤ" - هكذا يسمونها - في شركة إعلانات دولية لفترة ، و الـ "كرييتڤ" هو من يعمل في وكالة الدعاية - يسمونها "إيچنسي" - و يقوم بخلق أفكار للإعلانات ، و كتابة كلمات الأغاني فيها - يسمونها "چنجلز" - و يخلق صورة عامة للحملة و الوانها و مفرداتها - يسمونها "إميدچ".

قالت الفتاة: الكرييتڤ اللي عمل الإعلان ده ، بِيتارجِت (بيستهدف) شريحة الشباب اللي عاوزين يعملوا رنة طاقّة أو مختلفة.
قلت: و مالو؟
قالت: مالو ايه؟ كده أكل عيشهم حيقف كشركة رنات. هما عاوزين الناس تعمل رنات من الأغاني اللي بيعملوها.

فكرت مرة ثانية ، الحقيقة محتوى الاعلان مخيف فعلا ، فالمغزي الواضح هو " لا تقم بوضع رنة مختلفة ، لا تكن مختلفا ، استخدم محمد محي".

أصبحت أزداد انزعاجا في القاهرة في الآونة الأخيرة بينما اسير في الشارع القاهري لسبب رئيسي ، و هو أن المدينة أصبحت تحارب بشدة اي اختلاف فردي قد يطرأ ، هناك تواطؤ تام من المجتمع على "تقديس النمط" كما يتكرر ، و على منع أي محاولة للتفرد و لو علي سبيل الرنة.

لي صديق هولندي ، اعتاد قضاء وقت في مصر بشكل دوري لأسبابه الشخصية ، سألني ذات مرة إن كنت اعرف ما هو أكثر ما يكرهه في مصر؟
قلت: تحرشات الناس في الشارع بك كأجنبي؟
قال: هذه مقرفة ، لكن ما اكرهه فعلا هو" كوك دور".
"كوك دور" ، هو محل وجبات سريعة متعدد الأفرع ، لا آكل منه لأنني أعاف اللحم بانواعه .
قال لي: "كوك دور" يعبر عن مصر ، هم يقدمون عشرات السندوتشات ، لحم و دجاج و أسماك ، و كلها مغروقة في التوابل ، و المايونيز و الكاتشب معا، وعادة الجبن ، و الخيار المخلل ، و بالكاد تشعر بما تأكلة ، المهم انه ذو طعم قوي ، و هذا الطعم يكاد يكون هو طعم أغلب الأكلات. و يسود فوق نوع محتوى الساندويتش الاصلي الذي من المفترض انه شخصيته.
كنا نسير في وسط المدينة ، "طبق المعادلة على الشباب" قال: "الشباب يرتدون تيشرتات بترتر يلمع ، اينما تنظر ستجد شابا يرتدي منه."
".. و الفتيات يرتدين حجابا مبهرجا ، ملونا ، صاخبا ، انظر حولك. وأحذية فضية" - لم انظر ، فقد كنت اعرف -.
تذكرت صديقي هذا ، في العيد الماضي ، في مشهد بديع حينما كانت كل فتيات ميدان التحرير الهاديء صبيحة العيد ، يرتدين لونين: الأخضر الفسفوري ، و الأصفر الفاقع.
سألت نفسي : كيف أحببن جميعا ان يتشابهن مع الأخريات ، كيف هذا الهوس الرهيب بالانخراط في موضة سريعة ، اوقف عقولهن عن التساؤل حول إن كانت حقا تريد ان تكون كالأخريات؟ أو هل لها خيار فعلا؟
بالمناسبة ، عندما قلت كل فتيات الميدان ، فلم أبالغ ، أعني بالحرف الواحد :كل فتيات الميدان.
جولدن ڤرچينيا ، تبغ ادخنه كلما تعكر مزاجي ، و لا أتخيل هذين اللونين
مجتمعين في أي صورة ، عدى هذه العبوة.
لو فكرت في الفنون الشعبية ، و لا اقصد بالشعبية السيرة الهلالية ،أو شعبان عبد الرحيم، و لكن أعني الفنون التي يستهلكها الشعب يوميا كالأغاني ، و أفلام الصيف ، فسنجد أن هناك رغبة عارمة في التصدي لأي نوع من التفرد أو الاستقلال ، ربما هو خوف من المغامرة و الركون للمألوف ، لكن لا أنكر ان هناك أيضا نوعا من القمع من السلطة - مؤسسات حكومية و شركات عملاقة - لوأد أي تفكير خارج الصندوق خوفا من أن يقوض ممالكهم المستمرة و القائمة على إبقاء الحال على ماهو عليه.



هناك شركات بعينها- لا تتعدى اصابع اليد- تتحكم في سلوك جمهور المنطقة اكثر من حكوماته.

و في هذا الصدد و أذكر صديقا لي ، هو ملحن مبتديء ، لحن أغنية لحنا جذابا ، و فكر أن هذا اللحن مناسب لصوت مغني لامع جدا ، عانى صديقي هذا كثيرا حتى فاز بموعد مع النجم الاسطوري ، و أسمعه الاغنية.
اعتذر المطرب بلباقة و قال: " الأغنية اعترف انها حلوة ، بس جديدة قوي ، مش شبه أي حاجة سامعها.." و كانت هذه حجته - صادقا - لرد صديقي خائبا.
يعمل صديقي هذا الآن مدرسا في دولة الكويت. و الحقيقة هي نفس وظيفة والده من قبله.
و الحق ان الفتى بذل جهدا دؤوبا ليصنع لنفسه تاريخا مغايرا ، في بلاد تقدس التكرار.
و تكرار التكرار.

٠١‏/١٠‏/٢٠٠٨

نوستالچيا الجســر




كان الكوبري طويلا جدا ، حارا ، مكتظا بكل شرائح الأمة، و كنت اقطعه في اليوم مرتين.
حوالي ساعتين يوميا فوق الكوبري ، خلال اربعة أعوام . وحيدا ، لا شريك لي سوى سيارة قديمة متهالكة ، بلون طوبي باهت.
أحببت فتاة . و قدت منتشيا بها ، بطول هذا الكوبري ، و داخل ذات السيارة.
بكيت نفس الفتاة نهارا و ليلا ، وحيدا مستصغرا ، في نفس سيارتي المثابرة.
احببت أخرى ، و بكتني هي يوما إلى جواري ، في ذات الطريق ، و ذات السيارة.
ثم التقيت بأناس عشقتهم ، وودعتهم منها ، و ربما كانت آخر ذكرى لي في عقولهم ، ذكراي متحركا ببطء بسيارتي عالية الصوت في عباب المدينة.
شاهدت قصصا عدة و أنا اقود ، كتبت عن بعضها هنا ، و تجاوزت عن الكثير لاعتبارات ما.
تلقيت أخبارا عن مستقبلي ، و عن ماض دفنته ، في مقعد القيادة الحار عادة .
فقدت أحلاما إلى الأبد ، و بنيت أحلاما أخرى ، و أنا ممسك بهذا المقود الاسود الثقيل.
و على طريقة ميلودرامية اعتنقتها لفترة ، بدلت من توجهاتي ، و اعتنقت أفكارا بعينها ، و القيت بأخرى بعيدا بينما اقود فوق كوبري اكتوبر المزدحم ذاته.
هجرت شرق القاهرة ، و عشت في داخل المدينة ، قل التصاقي بالعربة ، ثم فضلت المسير أو ركوب المواصلات لأغراض بيئية بحتة.
تناقص اهتمامي بالعربة ، التي كثر عليها التراب في حيي الجديد العتيق.

و الآن ، وجدت انني متنازل عن سيارتي لشخص عزيز، تارك ماض كامل بداخلها ، تارك قدرتي على تذكر أحداث شكلت حياتي خلال خمسة أعوام ، سأقتني سيارة أخرى ، أقل ضررا بالمدينة ، و أكثر رفاهة و برودة ، معدنية بلا ذاكرة ، و برائحة مصطنعة مجلوبة من محطة بنزين تتشابه فيها الروائح ، و اشكال السيارات.

لماذا ترتبط الاشياء بتواريخها؟ و لماذا تتحول الأحداث إلى أنين شعري بعد سنوات؟

الصورتان من فليكر : ١ و ٢

لا أعرف لماذا أتذكر الأن يوم كنت في السيارة ذاتها ، مع صديق عراقي أوصله لبيته القاهري القسري
بدون سب سألني: هل تؤمن بالحياة ، أم بالشعر؟
قلت: أؤمن البحياة..
فالتفت لينظر نحو الشارع القاهري المزدحم ، و على وجهه أثر خذلان بسيط.


٢٠‏/٠٩‏/٢٠٠٨

تواريخ

أتعجب في تواريخ معينة ، كيف كان حالي حينما استقبلت هذا التاريخ كحدث..
و كيف هو حالي الآن.
و حال الآخرين.




فلتبقى السنوات طيبة
ولو لفترة ...
المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO