٠١‏/١٠‏/٢٠٠٨

نوستالچيا الجســر




كان الكوبري طويلا جدا ، حارا ، مكتظا بكل شرائح الأمة، و كنت اقطعه في اليوم مرتين.
حوالي ساعتين يوميا فوق الكوبري ، خلال اربعة أعوام . وحيدا ، لا شريك لي سوى سيارة قديمة متهالكة ، بلون طوبي باهت.
أحببت فتاة . و قدت منتشيا بها ، بطول هذا الكوبري ، و داخل ذات السيارة.
بكيت نفس الفتاة نهارا و ليلا ، وحيدا مستصغرا ، في نفس سيارتي المثابرة.
احببت أخرى ، و بكتني هي يوما إلى جواري ، في ذات الطريق ، و ذات السيارة.
ثم التقيت بأناس عشقتهم ، وودعتهم منها ، و ربما كانت آخر ذكرى لي في عقولهم ، ذكراي متحركا ببطء بسيارتي عالية الصوت في عباب المدينة.
شاهدت قصصا عدة و أنا اقود ، كتبت عن بعضها هنا ، و تجاوزت عن الكثير لاعتبارات ما.
تلقيت أخبارا عن مستقبلي ، و عن ماض دفنته ، في مقعد القيادة الحار عادة .
فقدت أحلاما إلى الأبد ، و بنيت أحلاما أخرى ، و أنا ممسك بهذا المقود الاسود الثقيل.
و على طريقة ميلودرامية اعتنقتها لفترة ، بدلت من توجهاتي ، و اعتنقت أفكارا بعينها ، و القيت بأخرى بعيدا بينما اقود فوق كوبري اكتوبر المزدحم ذاته.
هجرت شرق القاهرة ، و عشت في داخل المدينة ، قل التصاقي بالعربة ، ثم فضلت المسير أو ركوب المواصلات لأغراض بيئية بحتة.
تناقص اهتمامي بالعربة ، التي كثر عليها التراب في حيي الجديد العتيق.

و الآن ، وجدت انني متنازل عن سيارتي لشخص عزيز، تارك ماض كامل بداخلها ، تارك قدرتي على تذكر أحداث شكلت حياتي خلال خمسة أعوام ، سأقتني سيارة أخرى ، أقل ضررا بالمدينة ، و أكثر رفاهة و برودة ، معدنية بلا ذاكرة ، و برائحة مصطنعة مجلوبة من محطة بنزين تتشابه فيها الروائح ، و اشكال السيارات.

لماذا ترتبط الاشياء بتواريخها؟ و لماذا تتحول الأحداث إلى أنين شعري بعد سنوات؟

الصورتان من فليكر : ١ و ٢

لا أعرف لماذا أتذكر الأن يوم كنت في السيارة ذاتها ، مع صديق عراقي أوصله لبيته القاهري القسري
بدون سب سألني: هل تؤمن بالحياة ، أم بالشعر؟
قلت: أؤمن البحياة..
فالتفت لينظر نحو الشارع القاهري المزدحم ، و على وجهه أثر خذلان بسيط.


٢٠‏/٠٩‏/٢٠٠٨

تواريخ

أتعجب في تواريخ معينة ، كيف كان حالي حينما استقبلت هذا التاريخ كحدث..
و كيف هو حالي الآن.
و حال الآخرين.




فلتبقى السنوات طيبة
ولو لفترة ...

١٢‏/٠٩‏/٢٠٠٨

غير صالح للعرض


لم يكن بوسعي تجاهل فيلم كهذا ، و رغم أنني أحاول قدر الإمكان تجنب الكتابة عن الأفلام ، لأسباب عدة ، إلا أنني أشعر بواجب ما تجاه هذا الفيلم العراقي.
فيلم "غير صالح للعرض" - "Underexposure" .
بظروف مرتجلة ، وجدتني ضمن بعض من الأصدقاء ، و مع أحدنا نسخة وحيدة من الفيلم على دي ڤي دي ، ربما هي الوحيدة بمصر ، لا أعرف . و لكن قمنا بتدوير الفيلم ، و مشاهدة السبعين دقيقة الأخاذة بلا حراك.


لا أريد أن أروي شيئا عن الفيلم ، فهو لا يروى ، و حالتة السحرية لا تختزلها كلماتي هنا ، و لكن يمكن اختزال تاريخ عمل هذا الفيلم النادر.
الفيلم قام بعمله ٧ شباب من هواة السينما بعيد سقوط نظام البعث ، كان مخرجه "عدي رشيد" قد عمِل علَى تسجيليٍ في عهد صدام ، و حينما قامت الحرب تم قصف معمل التحميض ، ففقد عدي فيلمه في رماد الحرائق البغدادية.
بعد سقوط النظام ، قرر مع اصدقائه عمل فيلم جديد روائي هذه المرة ، و حينها حاولوا العثور على خام التصوير ٣٥مل ، و لكن بعد بحث كان كل ما عثروا عليه هو الأشرطة الخام مكدسة في المعمل منذ ما جاوز العشرين عاما ، و كان يستحيل استخدامها.
قام عدي مع مدير تصويره "زياد تركي" بمراسلة شركة كوداك ، التي أفادت باستحالة استخدام هذا الخام القديم ، فقاما بعمل تجربة طولها ٥ دقائق ، و نجحت ، حينها ردت كوداك أنها ستقوم يتحميض و طبع الفيلم كله على حسابها طالما كان باستطاعتهم القيام بمغامرة كهذه ، حينها بدأ العمل.
كان الفريق مكون من ٧ من الهواة تقريبا ، مدير التصوير - أكبرهم سنا ، وصاحب أبدع لقطات شاهدتها منذ سنوات - لم يمارس التصوير السينمائي من قبل ، و كان مصورا فوتوغرافيا في زمن البعث، و استعان بكتب مصرية مبدئية حول التصوير السينمائي ليقوم بذلك ، و المخرج لم يكمل تعليمه السينمائي ، و المؤلف يكتب للمرة الأولى ، المؤسف أن إثنين من هذا الفريق لم يعودا بيننا الآن ، كل منهم قضي في ويلات الحرب.



مؤلف الفيلم يقوم بدور رئيس فيه


من كواليس الفيلم


قام الفريق بتصوير الفيلم كاملا ، و ليس لديهم أية فكرة إن كانت أي علبة من علب الخام ستخرج صورة ، أو أيها سيكون تالفا تماما ، و الأغرب أن هذا الفيلم تمت كتابته أثناء تصويره ، فتتغير القصص و تتحرك تبعا لما يصور ، أو صور سابقا.
وهذه نفسها هي قصة الفيلم ، قصة شباب صورون فيلما مرتجلا مغامرين بكل ما يملكون من مال ، و روح. فالوضع في بغداد شديد الخطورة بالذات على سينمائيين يطوفون بالكاميرات.
يقول جزء من الحوار - كما أذكره - :

المصور: هاذا خام صارلو ٢٠ سنة مخزن ، يعني مبدئيا إنسى الألوان ، كونتراست ماكو.
المخرج: و انت بتشوف كونتراست بالشارع؟ كل شي Under

لا أعرف لماذا اتفق تماما من هنا في القاهرة.

الفيلم أعتبره من أكثر الأفلام التي شاهدتها في حياتي صدقا و بلاغة ، صناعه لا يخافون أن يقولون عمّا يخافون ، صراحتهم تجاه ما يفعلون و ما يعرفون تجد طريقها لقلب المشاهد و تأسره منذ اللقطات الأولى.

قابلت أحد صناع الفيلم في إحدى السفرات ، أخبرني أنه عند تحميض الفيم في المانيا وفقا لوعد شركة كوداك ، سمع بالصدفة عن المشروع المخرج الألماني طوم تيكڤر ، مخرج الفيلم الأشهر Run Lola Run ، تحمس للتجربة ، و قرر السماح لهم بالقيام بأعمال المونتاچ و الصوت في شركته الصغيرة ببرلين ، و قد حدث ، و الأغرب أن في أحد مرات مراجعة الفيلم في المعمل قام بمشاهدة لقطات منه الموسيقار جابرييل يارد - الحاصل على الأوسكار عن فيلم المريض الإنجليزي - و قال أنه مستعد لعمل موسيقى الفيلم بشكل تطوعي ، و سيقوم بتسجيلها على حسابه الخاص ، و سمعت أن المخرج أرجع الموسيقى ثلاثة مرات ليارد لأنه لم يرضى بها ، قال له يارد مداعبا: سأعيد تأليف الموسيقى لك كيفما شئت ، و لكن ضع في اعتبارك أن كل مرة تسجيل تكلفني ٢٠ آلف يورو للأوركسترا!
الفيلم بالكاد موجودة معلومات عنه علي الشبكة ، و لا توجد أي مقدمات دعائية أو ڤيديو مبتسر منه ، باستثناء تتابع قام به شخص ما لصور من الفيلم ، و الحقيقة يبدو أنه بعد ثلاث سنوات من الإنتاج لازالوا يواجهون صعوبة ما في التوزيع. لذا لازال من الصعب العثور علي نسخ من الفيلم.


كنت أشاهد الفيلم مع "هـ" المخرجة المصرية التي طالما أحببت ما تقوم به ، بعد أن انتهي الفيلم - الذي كانت تعرفه عن ظهر قلب - قالت:
- شوف عاملين فيلم حلو ازاي و بإمكانات عاملة ايه؟ إحنا بجد لازم نتكسف.
و أظنها كعادتها على حق كامل.

٠١‏/٠٩‏/٢٠٠٨

وصلات...


ممتع أن تجد في مصر مثل هؤلاء الناس..
ممتع أن تعرف أنه لازال بيننا من يأتون بأفكار بهذه النضارة ، و الاستقلالية ، و المحلية في آن.
ممتع أنهم شباب ، و ممتع أنني قابلت البعض منهم.

نشرت مجلة كونكشن ذات الصيت عددها الخاص عن شباب الفنانين المصريين - رقميين التوجه معظمهم - منذ عدة أشهر ، لا أعرف لماذا لم أكتب عنها في حينه ، و لكن عموما مدونتي لا تمثل شيئا بالنسبة لحجم مجلة كونكشن الالكترونية.
بدون كلام كثير ، أضع هنا مقطتفات من أعمال الفنانين الشباب ، حقوق الأعمال كلها تعود لهم و للمجلة.


عابد عبد الرحمن حمدي
عابد عبد الرحمن حمدي



ـــــــــــ
أحمد حفناوي

أحمد حفناوي

أحمد حفناوي


ــــــــــــــ

File Club Studio


File Club studio

ـــــــــــــــــــــ



چورچ عزمي


چورچ عزمي / من معرضه: كوكب القاهرة

چورچ عزمي / من معرضه: كوكب القاهرة


ـــــــــــــــــــــــــ

حسين شعبان (موقع )

حسين شعبان

ـــــــــــــــــــــ

إبراهيم إسلام

ـــــــــــــــــــــــــــــ

كريم لطفي

كريم
لطفي

كريم
لطفي

ـــــــــــــــــــــ

مريم حمدي

مريم حمدي

ـــــــــــــــــــــ

محمد فؤاد

محمد فؤاد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد نبيل

محمد نبيل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

شريف سامي

شريف سامي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يحيى اسماعيل


يحيى اسماعيل

ــــــــــــــــــــــــــ

طارق حفني

طارق حفني


ــــــــــــــــــ

لا أحب أن أضيف تعليقات على هذه الأعمال ، فقط أقول أن هناك المزيد في نسخة مجلة كونكشن - حوالي ٣٠٠ صفحة - يمكن تحميلها من هنا ، لكن يتوجب فتح حساب مجاني .

في ايام قائظة الحر مثل هذه ، لا أعرف لماذا احب أن أشعر ان في مصر بعض من نسيم شديد الهدوء.



٢٢‏/٠٨‏/٢٠٠٨

أرفض/حدوث/هذا

كعادة الصحف لملأ الصفحات ، أُخصص مساحة لكلمات مرت علي في الفترة الأخيرة ، مذيلة بتعليق حول حدوثها.



-أ-

"إمشي يابتني عادي خالص ، احنا في الشارع ، ماحدش حيقدر يعملنا حاجة"

إحدى فتاتان تعبران ميدان التحرير ، بملابس مكشوفة .
بينما يسير وراءهن صف من ١٧ شابا - أحصيت عددهم -.


- ب -

- عرفت حركة "أمل" اختصار لإيه : "أفواج المقاومة اللبنانية"
- و أنا عرفت " أحه" اختصار لايه : "أرفض حدوث هذا"

حوار مع فتاة لا اعرفها في بيت احد الاصدقاء


-جـ-

" هكذا بني الاسلام يا اخوان علي ايدي السلف الصالح ، و لن يستمر إلا على ايدي أناس مثلهم ، ليس لديهم نزعة مادية ، و لا نزعة وطنية..."

من خطبة إمام المسجد المقابل لداري.


- د -

"لوحاتك
وقعت دماغي في دماغي
جوه الألوان
وروحي بتتنطط في جسمي
جسمي اللي نايم في اللوحة الرابعة
المتعلقة على الجدران
لوحتك اللي موقعة الزمان
ونايمة فوق الزمان
طلعني يافنان
"


جزء من قصيدة كتبها مجهول في مديح فاروق حسني ، ذكرها الناقد أمير العمري في مدونته ..
جائزة لمن يعرف قائل الأبيات ، كما أنادي بترشيحه لجائزة بيزو ٢٠٠٨

- هـ -

- انتي حاطة الإيميل بس في الـ "سي ڤي" بتاعك؟ أمال فين الفيس بوك أكاونت؟

سؤال سأله مدير إحدى المؤسسات لفتاة أثناء مقابلة شخصية لإحدى الوظائف .
قال بشكل جدي انه يفضل ان يجد كتاب الوجه في السيرة الذاتية.

- و -

- قل لي يا أحمد ، انت مؤمن بربنا؟
- مش ده سؤال شخصي شويه؟
- لأ طبعا

من حوار سيبري مع أحد العابرين هنا
أولئك الضاغطين على زر الدردشة

- ز-

"الموت ينضم الى بقية القتلة ويصيب الشاعر محمود درويش في قلبه"

أراد صحفي أن يعلن نبأ وفاة درويش بطريقة شعرية ، فتفتق ذهنه عن هذه الصيغة.


- حـ -
لا أشاهد الأخبار ، أقرؤها فقط ، على الأقل ستؤثر في بشكل أبسط

من دردشة مع هلال شومان


١٨‏/٠٨‏/٢٠٠٨

أخطبوطي....



نسخة أخري على يوتيوب

السابق هو مشروع تخرج طوله دقيقتين لستة طلبة من أحد معاهد السينما الفرنسية.
منتج بتكلفة قليلة ، و علي حسابهم الشخصي..

أهديه إلي كل دارسي السينما في مصر ، و طلبة ورش الجزويت بالقاهرة و المنيا و الاسكندرية ، و طلبة أكاديمية الميهي ، و كلية إعلام السادس من أكتوبر ، و طلبة آي إم إس ، و الفيلم لاب ، و اولاد الناس الدارسي في اكاديمية نيويورك في دبي ، و طلبة الفيلم مينور بالجامعة الأمريكية ، و لا ننسى طلبة المعهد العالي للسينما ، و علي الأخص قسم الرسوم المتحركة.

و أهدي لهم جميعا أغنية زياد رحباني : أسعد الله مساءكم.





١٦‏/٠٨‏/٢٠٠٨

جزئي قالوا....

غريب هو أمر الخسوف...
جميعنا نراه في نفس الوقت ، في عشرات البلاد ، و ملايين الناس.
و كأنني أفيق ، لأتذكر أنها أرض واحدة ، و هو كوكب واحد. رغم صعوبة ابتلاع الفكرة.
و مرعب كيف ارتبط بكل هذا الكم من الفقد في الأسابيع الأخيرة .. كأساطير الأولين.. و لكن لا مفر.
كنت خطّطت لأن أشْهَدهُ مع أناس أحبهم ، في بقاع أخرى ، و على حافة بحار نادرا ما أراها. و لكن لم أوفق ، و شاهدته وحدي في حَيي القاهري.

أضع لقطات صورتها هنا بكاميرتي ، كنوع من الشراكة.

مرحلتين مختلفتين بتعريض مختلف

أوضح خسوف تالي سيكون في الحادي و الثلاثين من ديسمبر عام ٢٠٠٩ ... ربما تختلف القصة في حينها.


١٠‏/٠٨‏/٢٠٠٨

وأنا حضرتُ ... لأُكملَكْ





حقيقة أن:
"أثر الفراشة لا يُرى ، أثر الفراشة لا يزول"

٠٣‏/٠٨‏/٢٠٠٨

بطاطين



ستظل الروايات المصورة في نظري هي أقرب الفنون إلى الكمال ، و أكثرها تأثيرا في نفسي بسرعة و ثبات. و لما كنت قد توقفت تماما عن القراءة منذ ما قارب العامين ، إلا انني عدت أقرأ بخطى وئيدة ، و لكن طوال انقطاعي استثنيت بشكل تام الروايات المصورة معتبرا اياها دربا آخر من الكتابة ، و الفنون.

بعد الانفجار الأخير للرجل الوطواط ، و الفيلم الخرافي النجاح "Dark Knight" ، عاد الحديث عن الروايات المصورة على قمة اية جلسة بين اصدقائي ، و مقارنات الأفلام و أبطالها بالروايات المصورة الأصلية.
و الحقيقة أظن ان كرستوفر نولان ، مخرج الوطواط الأخير قام بأمر يحسب له ، فقد أعاد الرجل الوطواط للحياة الأرضية ، و اختزل منه الكثير من صفاته الأسطورية ، و حوّل من مدينته الخالدة جوثام ، إلى مدينة أمريكية معاصرة ، و اسقط الكثير من فلسفات و اتجاهات ما بعد ١١ سبتمبر على احداث الفيلم ، و شخصياته.

غلاف كتاب الرجل الوطواط الأشهر

و الحقيقة ، آخرين قد قاموا بعمل أفلام جيدة مبنية على سلاسل مصورة او روايات كارتونية ، مثل V for Vendetta ، و Sin City ، و Ghost world و Persepolis ..
و اختلف كل فيلم في تناول الرواية - كلٌ كيفما يحلو له - فمنهم من آثر نسخ الألوان و التفاصيل البصرية للرواية ، و منهم من فضّل استقطاع الشخصيات و بعثها في فيلمه داخل بيئة أكثر واقعية.

مقارنة من فيلم و رواية (Ghost World)

مقارنة من فيلم و مجموعة : "Sin City"

و لكن ما دفعني للكتابة ليست الأفلام علي الإطلاق ، بل هي رواية أخرى.. Blankets (أغطية) لـ كريج تومسُن .

الرواية قرأت عنها كثيرا ،و وضعتها مجلة تايم ضمن أهم ١٠٠ كتاب على الإطلاق ، و انتهزت الفرصة لشرائها بما تجاوز العشرين دولارا ، و إن كانت متاحة للقراءة على الانترنت ، و لكنني لم أشأ ان أمارس هواية القرصنة على عمل كهذا.

و لا أبالغ ان قلت أن الوقت الذي قضيته مع قصة كريج ، تلك التي تقترب من ال٦٠٠ صفحة ، يعد من افضل و أمتع الأوقات التي قضيتها مع أي عمل فني في السنوات الأخيرة ، فالرواية البسيطة تحكي سيرة المؤلف و الرسام الذاتية ، خلال نشئته في اسرة أمريكية فقيرة ، في ولاية ثلجية، و تحت رعاية أم مهووسة دينيا ، و كيف سارت حياته بين صراعات عدة ليتمكن من الرسم.


مقاطع من الرواية

و رغم أن الرواية تدور في أجواء أمريكية بحتة ، و مدن تغشاها الثلوج ، و عوالم كنسية قاسية ، إلا أن الرواية تجاوزت كل أبعادها المحلية ، و تلمس القلوب بسلاسة غريبة ، و رغم استخدام اللونين الابيض و الاسود فقط ، إلا ان التكوينات البصرية المدهشة ، والزوايا المختلفة للحكي ، وذكاء التلاعب بالأزمنة في السرد، و التذكر و اعادة التذكر ، اعطى للرواية تلوناً رائع.

مقاطع أخرى من " أغطية"


هذه الرواية حدث و أن منعت من المكتبات العامة في ولاية ميسوري الأمريكية ، انطلاقا من ان الرواية بورنوغرافية الطابع ، و الحقيقة هو أمر مناف تماما لمحتوى الرواية ، و أظن ان السبب الرئيسي للمنع هو أن الرواية تكرس لاختيار الحب و البحث عن حقائق عدة ضائعة متجنبة تأثير الدين و الكنيسة في حياة بسطاء الناس، بل نابذة هذا التواجد الديني في احيان أخرى ،لذا أرى الرواية جريئة بعض الشيء من هذه الناحية.


للمسيح دور كبير في حياة الطفل


أظن قصة حب "كريج" (اسم بطل الرواية ، وواضعها) هي أكثر قصص الحب التي قرأتها حنينا و عذوبة ، لا أدري هل ذلك لقرب أحداثها لقصص مررت بها بشكل ما ، أم لانها فقط حكاية تلقائية مسترسلة بما لا يدع مجالا للقاريء بعدم التماهي فيها ..
ربما هي مشاعري الخاصة .. لا أعلم ، و لكنني كنت أقع في حب "راينا" الفتاة مع البطل خطوة بخطوة.

كريج و راينا

تعتريني قناعة ما بأن هناك قصور رهيب في الانتاج الفني في مصر بشكل عام ، فاعرف - مثلا - كثيرا من المخرجين السينمائيين الكبار ، شديدوا الوعي و الإدراك ، و لا تنقصهم حساسية عاطفية عالية ، و لكنهم في النهاية ينتجون افلاما - قد نحبها - و لكنها تفتقد بعدا بصريا ما. و لا استثنى الأدب و الروايات من ذلك.
و أعيد هذا الأمر لنشأتنا البصرية ، فلا خلاف على ان حيواتنا في مدن رمادية صاخبة - لا تلونها سوى لافتات روتانا و إعلانات السمن البلدي - قد أفقدنا كثيرا من حسِنا البصري ، و لا عجب أن نشاهد أفلاما مصرية عبقرية ، و لكن ينقصها الكثير من جماليات الصورة ، و مفردات التفكير البصري و القدرات التشكيلية بشكل ما.
طبعا هذا ليس حكما مطلقا و الاستثناءات كثيرة .




الروايات المصورة هي حالة فريدة من تماهي الأفكار و الآراء الاجتماعية و التشكيلية و السياسية في تكوينات لونية و بصرية شديدة الاستثناء، و كل منهم تحمل طابعها الخاص ، و كل منهم أخذت من خصوصيتها الفنية وسيلة مُثلى لتجاوز الحدود و الثقافات.
المضحك أن مؤلف مخضرم لروايات الإثارة مثل آلان مور ( مؤلف: Watchmen , V for Vendetta ، From Hell ) ينزعج تماما من تسمية : Graphic Novel التي شاعت في كل البلدان ، و يفضل الاسم الكلاسيكي Comic Book.
بالمناسبة هناك فيلم تسجيلي عن ألان مور - لمحبيه - بعنوان : The Mind Escape Of Alan Moore , متاح على هذا التورنت ، يتحدث فيه بالتفصيل عن رؤيته لعوالم قصصه الخاصة.

ورغم أنني لست من مهووسي ألان مور ، إلا أنه أثار أمورا شيقة جدا في حديثة في هذا الفيلم التسجيلي ، اقتبس منه بتصرف حديثه عن العنف:
" يدفعون لنا لنكتب حلقات مصورة مليئة العنف و رجال يقتلون بعضهم البعض ، و أعتقد أن السبب الرئيسي لقيام الحروب في البلدان هي أن الناس لا تمارس الجنس بشكل كاف ، فبدلا من تنفيس طاقاتهم في فعل جميل كالمضاجعة ، يلجؤون لقتل بعضهم البعض... إن نظرت ستجد أن أغلب الحروب تحدث الآن في بلدان لا يمارس فيها الناس الجنس بشكل كافي."
و يقول حول ديانته التي اعتنقها "الديانة السحرية" :
"يعترض الناس علي السحر ، و السحر هو أن تردد كلمات معينة تجعلك قادرا علي التأثير في الناس و ربما تنويمهم ، و لكن أليس هذا ما يفعله الإعلام؟ إن التلفزيون يُبث للملايين ، و تُبث فيه كلمات ما في نفس الوقت ، و يجعل مشاهديه جميعا يفكرون في نفس الفكرة في ذات الوقت ، و ربما يأتون بتصرفات و سلوك عام من تلقاء ذلك ، أليس هذا هو السحر؟"


أعتقد أنني أنصح بالرواية بشدة لمن أراد خوض هذا العالم ، الرواية مطبوعة في حوزتي لمن أراد من الأصدقاء ، و بإنجليزية شديدة البساطة بالمناسبة ، و لا تستعصي على العديدين ، كما أن النسخة المقرصنة موجودة أيضا بكفاءة عالية للتحميل المباشر من مواقع على ثلاثة أجزاء ( واحد، إثنين ، و ثلاثة ).

بحوزتي روايات مصورة أخرى ، سئُوالي الحديث عنها إن وجدت ما يستدعي الاهتمام مثل هذا العمل . ذلك الذي جعلني اهبط لعملي الروتيني في اليوم التالي للقراءة ، بشعور مغاير تماما عن كل يوم .

المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO