أخبرني صديق لي يوما بأنني مهووس بالخصوصية ، و لا أدر علام بنى حكمه هذا ، بل و لا أعرف معناها بالكامل ، و لكنني أكيد أن خصوصيتي تعني الكثير لي ، بدءا من مكان عملي ، لمساحتي في الشارع ، لشباك مطبخي ، مرورا بمكالماتي الهاتفية حتى نصل لجهاز الكمبيوتر الشخصي ، الذي هو ذروة أسراري و حكاياتي.
و منذ كنت ابن ١٤ عاما ، أذكر يوما أن راكبا في الميكروباص كان يقرأ معي كتابا كان في يدي ، و أذكر مرة أخرى سألني أحدهم – مقاطعا قراءتي - هو اللي معاك دي كصة (قصة يقصد) و لا مذاكرة؟
و لا أعرف لماذا لا يهتم الكثير من المصريين بخصوصياتهم ، بل و كثير من بسطاء الناس يتعامل مع كلمة خصوصية و كأنها معادل للجماعة في البيت ، أو علاقته الحميمة بامرأته ، في حين أن من يلمس كتفي في الاتوبيس فقد انتهك خصوصيتي ، و يراقبني و أنا جالس وحدي في المقهى من باب التسلية ، فقد انتهك خصوصيتي ، و من يسألني في المطعم الراقي – حدث بالفعل - : هو انت بتعمل تنية البنطلون بتاعك فين؟ أصلي أعرف حد بيعملها أحسن !! فقد انتهك خصوصيتي.
و لا زلت أذكر علاء السادس عشر عندما دون بروعة عن : مساحة الخصوصية وخصوصية المساحة ، و بعد عام لازالت مساحات الخصوصية تبتسر من حين لآخر.
كنت أظن دوما أن الشبكة هي آخر معاقل الحريات و الخصوصية ، لكن يتضح العكس ، و منذ أحداث اعتقال الصيني شي تاو الذي قامت شركة ياهوو بتسليم معلومات عنه للصين ، حول بريد الكتروني قد بعث به ، و استخدم ضده في المحاكمة ، مما أدى لسجنه لمدة ١٠ سنوات ، و ها نحن في ذكرى حملة القمع في ساحة تيانانمين التي اعتقل تاو على خلفية ذكراها من عامين .
و يبدو أن سلطة الحكومة الصينية كانت أكبر من أن تصارعها ياهوو ، خاصة أن الصين هي ثاني أكبر سوق للانترنت في العام ، و لن تتحمل ياهوو ضربة من حكومة الصين، و التي لن تكون أقل من المنع بين المستخدمين الصينيين.
ووفقا لقانون الارهاب الجديد في الولايات المتحدة ، يبدو أن عملية مراقبة البريد الالكتروني هو أمر وارد ، و لقد كنت أحادث صديقة لي ألمانية ، و قالت لي أنها امتنعت عن ارسال بريد الكتروني لأصدقائها عن أمور حميمة أو حياتية ، لأنها تخشى المراقبة. و تشعر بحرج إذا قرأ شخص غريب عنها.
عالم الافلام و الروايات السوداوية له مؤشرات الآن Lives Of The Others، V- For Vendetta , 451 Fahrenheit , 1984
حينما تمتلك المؤسسات و الحكومات حيوات الناس ، بدافع حمايتهم ، و تصبح الرقابة منهجا ، و علي الجميع أن يعيش كذلك.
و لكني قررت ألا أترك نفسي للوساوس ، و أن أستمر في حياتي الطبيعية على الشبكة ، كمدون ، و صاحب بريد الكتروني ، و صاحب حسابات في برامج الدردشة بلا اكتراث ، فليس لدي أي حرج إن علم أحد أخبار علاقاتي العاطفية ، أو آرائي الجنسية ، و لكن الذي يؤسفني الآن حقا ، هو الخدمات الجديدة التي نسعى جميعا لدعمها ، و ملئها ببياناتنا ، و كأننا نقوم بعمل قاعدة بيانات لسكان الكوكب ، و أعني مواقع و خدمات المجتمعات ، مثل Facebook , hi5 , Myspace
فلا أعلم لماذا يخبرك موقع hi5 عن من قاموا بقراءة بياناتك مؤخرا من الأعضاء ، و أذكر أزمة كبيرة معقدة حدثت بين فتى و فتاة بسبب اكتشافها أنه علم عنها أن لها صديق جديد من بعده عن طريق تصفح hi5 , و هو مفتوح للجميع ، يمكن لأي كان أن يعلم من صادقت ، و أين سافرت ، و ماذا أسمع ، بدون أن أضيف بنفسي هذه المعلومات ، فقط من خلال التتبع. و مشاهدة الصور ، و ربط الأشخاص.
و لكنني سأقتصر هنا على facebook الهوس الجديد ، - و أنا عضو فيه بالمناسبة - فهذا الموقع يستفزني تماما ما يسميه " نيوس فيد " و هي (خدمة) عبارة عن تقديم آخر ما قمت به كمستخدم ، و هي موصلة بكل أصدقائي ، فالجميع يعلم من صادقت اليوم ، و ماذا قلت ، و أين وضعت صور رحلتي للاسماعيلية ، بل و أنني ذهبت للاسماعيلية من الأساس.
و قد حدث أن صديقا لي راسلته ببريد الكتروني لسؤاله شيء ما ، لم يرد لأسبوع ، و عندما رد علي ، اعتذر عن تأخيره بأنه لم يكن لديه وصلة انترنت لفتح الإيميل ، لكنني أعلم أنه كاذب ، لأنه كانت له نشاطات خلال هذا الاسبوع على فيسبوك .
المغزى أن من حق الرجل هذا أن يكذب ، و هو أمر نقوم به جميعا ، لكن فيسبوك فضح الرجل ، و جعله عاريا من خلق أكاذيبه – التي هي جزء من تركيب البشر - .
عودة للخصوصية ، عند عمل حساب في فيسبوك ، نقوم بالموافقة على لائحة مكتوبة ، هذه اللائحة تحتوي على السطر التالي:
“We may use information about you that we collect from other sources, including but not limited to newspapers and Internet sources such as blogs, instant messaging services and other users of Facebook, to supplement your profile."
بمعنى أن فيسبوك قد يقوم بالبحث عن معلومات عن المستخدم غير محدودة تشمل البحث في الشبكة و الصحف و المدونات ، لعمل إضافات ، و تحسينات لواجهة المستخدم (البروفيل) ، و لا أعلم ما معنى هذا.. لكننا جميعا وافقنا عليه.
و للخدمة الآن معارضين كثر، و منظمات لإلغائها. حتى ظهر مسمى Cyberstalking ، أو online harassment أو online abuse ، بمعنى التحرش عبر الشبكة.
بحث بالانجليزية مطول عن فيس بوك و تهديده للحريات هنا ، لم أقرأه بعد ، لكني تصفحته ، و هو يركز على المدن الجامعية بأمريكا ، ووسائل متابعة الجامعة للطلبة من خلال فيسبوك ، إلى أن أدى الأمر لفصل أحدهم
و صاحب المؤسسة مارك زكربرج (٢٤ سنة ، يدرس في هارفرد) كان قد قام بالدخول على خادم الجامعة العريقة ، و موقعها . أثناء دراسته، و قام بجمع صور للطلبة بدون علمهم ، و لغرض ربحي (الكلام من ويكيبيديا) ، و لكن لم يتم اتخاذ إجراء ضده.
و عام ٢٠٠٤ قام بانشاء فيسبوك لطلبة هارفرد كبداية ، و خلال أسبوعين كان نصف طلبة النزل الجامعي أعضاء فيه ، و قام بتوسيع نطاقه لبقية الجامعات الأمريكية ، و استشرى حتى أصبح ظاهرة شبكية ، بل و هناك أيضا خطة لتشغيل برنامج وايرهج لتبادل الملفات ، و الصور و خلافه.
نعم ، فيسبوك سيصبح خلال العام داخل أجهزتنا مثل برامج التبادل ، بحجة التقريب بين الأصدقاء و الشراكة.
و حينما سؤل زكربرج عن التحرش و استخدام موقعة للتنقيب المعلوماتي من قبل المؤسسات الحكومية كمكتب التحقيقات الفيدرالية قال: “ نعم ، إن التحرش ليس بالأمر اللطيف ، لكن معرفة أخبار أصدقائنا هو اللطيف" و نفى أي عمليات بحث عن معلومات تمت عن طريق مكتب التحقيقات الفيدرالية. ووعد بالتدقيق في مسألة الخصوصية.
كنت أتكلم يوما مع صديق مدون حول الأمر ، قال أن مسألة الخصوصية انتهت مع ظهور الجيل الثالث من المحمول ، و ذكر أنه مع الفيديو كول ، شباب و فتيات أصبحوا يغيرون نهج حياتهم وفقا لفرضيات العالم الجديد. و الرقابة الاسرية.
أعتقد أنه على حق، ولكن ، قبل المحمول ، ماذا كنا نفعل؟
قبل فيسبوك ( الذي أصبح محور حياة أنا كثيرين الآن) كيف كانت الشبكة ، و كيف كانت علاقاتهم بأقرانهم؟
ماذا يستفيد فيسبوك؟ ماذايبيع؟ لا أجد إعلان واحد في صفحتي، فما فائدة مؤسسة ربحية بهذه الضخامة في كاليفورنيا؟
قال صديق لي: “ انت موَسْوِس ، الفيسبوك لطيف ، و بيساعد على الحفلات و التنظيمات ، و الحاجات دي، و بيسهل كثير"
تذكرت حفلة Woodstock عام 1969 , متضمنة أهم أقطاب موسيقى الروك ، و ناشطي السلام و مناهضي الحرب ، و ماقارب ٥٠٠ ألف متفرج لمدة ثلاثة أيام في العراء و المطر ، و كان منظمها يديرها من مقطورة خشبية في وسط الزراعات ، بملابسه الهيبية ، و موتوسيكل صغير ، و بدون محمول أو انترنت. و لا فيسبوك
لا أنادي بالرجعية و التقهقر ، و لكن لا أحب أن أعتمد كثيرا على خدمات يهوس الناس بها بلا بسرعة رهيبة ، لا أحب أن أتابع أنشطة المركز القافي الأسباني عبر الفيسبوك ، بل عير موقعهم علي الشبكة ، أو بالذهاب هناك و قضاء أمسية موسيقية في الحديقة.
و بمناسبة موسيقي الحديقة و كخاتمة ، فريق FREE الذي نسيه التاريخ ، غنى في وودستوك في الستينات ، مجانا ، و بلا أي مقابل ، و لا زلت أرى أنه من أفضل الفرق التي غنت هذه الموسيقى قاطبة.
FREE – حرية
يغنون : Mourning Sad Morning
وواحد من أفضل صولوها الفلوت في تاريخ موسيٍقى الروك