١٤‏/٠١‏/٢٠٠٨

أزمنة الحرب


-أ -
صديقة لي ، تدرس في الولايات المتحدة ، أرسلت لي منذ عدة أيام صورة لملصق وضع علي ثلاجة شقتها المشتركة مع طلبة آخرين
الورقة هي قصاصة لتحث قارئها على ممارسة حِمية غذائية أو ريچيم ما ، المدهش فيها هو المدخل الذي تنهجه هذه القصاصة ، تقول:


" إجعل أميركا فخورة أعداؤنا يريدون رؤيتنا ضعفاء ، و عاداتنا الغذائية تجعلنا نبدوا كذلك ،الناس
تأكل المزيد من الوجبات السريعة و ما شابهها .
الأكل الترفيهي و بالذات عندما تتناول الطعام الخاطيء
، يخلخل الحياة الصحية،و لا يترك لنا شيئا واحدا نقدمه لوطننا ، كلما كنا أقوي كأفراد ، كنا أقوى كأمة.

أندرو ويل "


كما هو واضح ، الورقة موضوعة علي ثلاجة في مدينة أمريكية في يناير ٢٠٠٨ ، ورغم أنها ليست من زمن النازية ، أو حتى الحرب الباردة، إلا تتكلم بوضوح عن : أعدائنا.
جعلني هذا أفكر في الدعاية ، و الپروپاجاندا التي كانت تطلقها الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية ، بالذات في بدايات الأربعينات ، و أتأملها ، أجد أن لغة الخطاب تقريبا لم تتغير بعد مضي ستون عاما.

هذا إعلان من صحيفة نشر إبان الحرب عام ١٩٤٤

الولايات المتحدة تريدنا أقوياء ،
تناول الأطعمة الطبيعية كل يوم

أن تقوم بريچيم غذائي لاسباب وطنية هو أمر شديد الطرافة في رأيي ، و لكن الأمر أثارني ، و جعلني أفكر في نوع الدعاية للحرب التي كانت تقدمها الحكومة الأمريكية لبسطاء الناس من مواطنيها ، و بالذات ربات البيوت ، و كيف تتلاعب بعواطفهم ، و ربما بآفاقهم المحدودة ، تاركة ميراث من تراث دعائي أظن أنه لا بد من التوقف عنده ، و إعادة قراءة المواطن الاعتيادي الامريكي من خلاله ، و كيف وصل الحال بعد ستين عاما ، لاستخدام نفس المفردات تقريبا مرة أخرى.
كانت هناك حملة ضخمة لحمل ربات البيوت على توفير الدهون المستخدمة في الطهي ، و إرسالها للجيش ليصنع منها النتروجلسرين و القنابل ، أما عن كيف أقنعوهن بالمشاركة في مسألة دموية كهذه ، فالملصقات تتفرد بالقصة.


ملعقة واحدة من بواقي الدهن
تؤمن ١٥٤٢ دانة مدفع سلمي بقايا دهون مطبخك الان


آخ من ربات البيوت الأمريكيات
"إنهن يردن الأمر صعوبة علي ، و على جيشي"
بواقي الدهون مطلوبة علي وجه السرعة ، احضرن ما لديكن الآ
ن



الموجود أعلاه هنا ليس خطابا حقيقيا ، و إنما اعلان في جريدة عام ١٩٤٢

"أمي العزيزة ، إن البارود الذي استخدمه هنا مصنوع من الجلسرين ، و الزيوت و الدهون التي تتبقى من بعد عمليات قليك و تحميرك تصنع الجلسرين ، هل من الممكن أن تحوشيهم من أجلي يا أمي؟ مجرد ملعقة واحدة كل يوم سوف تفيد ، و سلميها للجزار حينما تكتمل عبوة ، إن استمرارك في التحمير هو خير وسيلة لمساعدتي ، افعلى ذلك اليوم ، يا أمي.
محبتي ، چو"

لا تستمعي لكلام السيد تشكلجروبر (اسم عائلة هتلر) ، و في الرسم ينصح
هتلر ربة المنزل برمي الدهن ، لكنها تنهره ، و تشرح فائدة الدهن للقاريء ،

لن استفيض في الترجمة لتفاهتها المتناهية.


هذه هي المفضلة لدي ، يقول " مطلوب سم فئران" ، و يشرح كيف يستغل
الدهن لصناعة البارود لقتل الفئران (اليابانيون هنا)

و لاننسى حملة الورق ، حيث طلب من الأمريكان عدم اهدار الورق ، لحجة غريبة جدا ، أنه يستخدم كحلقات للطوربيد ، و لقذائف الطائرات ، لا أعرف جدوي ان يدخر الامريكيون الورق ،خصوصا بالنسبة لحرب كلفت الولايات المتحدة أكثر من ١١٢ مليون دولار يوميا بحسبة الأربعينات ، و قدرت التكلفة الكلية بـ ٢٨٨ مليارا ، و لا اعلم سبب تعمدهم للضغط على الشعب لتوفير الورق الذي غلفت به القنابل التي القتها الطائرات على المدن حول العالم في حرب حالكة.

يقول الاعلان: حلقات القنابل تصنع من الورق ، هناك نقص شديد فيه.


قراء هذه المجلة وحدهم بإمكانهم توفير ورق يكفي لصناعة
٥٠٠ باوند من القنابل ، و صورة لفتاتان توفران الورق
سؤال ، هل للصورة أي بعد جنسي خفي؟ أم أنها فقط إحدى مشكلاتي النفسية؟



- ب -
هناك أيضا إعلان غريب جدا ، عن موضوع أغرب ، و هو السلاح ، فطالما أننا قد تطرقنا لمسألة أن قذف الناس بالقنابل (مهما كانت دوافع الحرب ) هو أمر يستخدم دعائيا بدم بارد ، فهناك هذا الملصق البديع .
يقول:
"إن التاريخ الأمريكي كله قد بني و استمر علي يد حملة سلاح مدربين ، أولئك الذين يصوبون و يضربون أسرع و أدق من أعدائهم ... اليوم و نحن في عام ١٩٤٣ فإن أقل من ٢٪ من المجندين يعرفون أي شيء عن السلاح!”
علامة التعجب من لديهم ، و ليست من عندي
هذا الاعلان

و يستطرق قائلا "شارك سلاحك مع جارك" و برنامج لتعليم المدنيين فوائد حمل السلاح . طبع برعاية هيئة السلاح القومية ، إن آر إيه ، التي واجهها مايكل مور في فيلمه الشهير في الألفينات.

- جـ –
التوعية القومية تشمل عادة حشد الناس و تجنيدهم لصالح آلة الحرب ، إما ماديا أو على الاقل ذهنيا و هي غاية أساسية لحملات كهذه ،أقصد أن القاريء قد لا يوفر دهن البيكون ، و قد لا يعيد صحف النيوزويك و مجلات الكوميك ، لكنه حينها سيشعر بداخله أنه قد خان شأنا عاما ، و أنه قصّر بشكل ما ، و بالتالي يتم تحويله لداعم صامت للحرب ، و سيتكلم عندما تتفاقم الأزمة ، و ربما سيحِمل وزرها بداخله، لأنه لم يكن من المشاركين.

و قد حدث أن قامت الحكومة بتعيين علامات تجارية و ماركات بعينها و اعتبرت أن هذه الماركات داعمة للجيش الامريكي ، و هناك قائمة لا تنتهي من الملصقات تدعوا الشعب لأن يشتري أكثر ، و ينفق أكثر ليدعم الجندي علي الجبهة. و القائمة طويلة ، و لا مجال لذكر العلامات التجارية (التي اصبحت من اسس الصناعة الأمريكية فيما بعد).

الملصق لمحل ملابس ، يقول : الجندي يقوم بواجبه ، قم أنت بواجبك
ادعم الهجوم ، اشتري أكثر من المعتاد!


الفتاة المزارعة تقول : "إنني أدخر لأذهب للجامعة ، و لأشتري لپيت الرصاصات!”



هنا الملصق يخاطب المهاجرين الذين ينزلون لنيويورك - بملابسهم الشعبية - يقول:
"الغذاء سينتصر الحرب

لقد أتيتم إلي هنا بحثا عن الحرية ، لذا فيجب عليكم المساعدة في الحفاظ عليها
القمح مطلوب لقوات الحلفاء ، لا تهدروا شيئا"


و الاتي هو أغرب إعلان ، و الرجاء التدقيق
صورة لجندي أمريكي ينام مسترخيا ، و أمامه فتاة افريقية عارية الصدر تقوم بتهويته.


" كل شراب من شرابات إنترووڤن ، هو شراب جيد ، قد يمكنك أن تشتري هدية أغلى لوالدك في عيد الأب ، و لكنك لن تستطيع شراء شيء قد يخدمه بشكل أفضل"
لا أفهم.

- ختام -
حسب علمي ، مصر كانت موقع محوري للحرب ، و لا يمكن سوى أن نعتبر العلمين من المعارك التي حددت نهايات الحرب الطويلة . في العلمين وقعت معركتين بالمناسبة و ليست واحدة ، و لكن الثانية هي الأكثر تأثيرا ، و هي التي منعت الألمان من غزو مصر ، و بالتالي التحكم في قناة السويس ، و من ثم التحكم في بترول الخليج.
معركة العلمين الثانية كان اجمالي الجنود ٣٣٦ ألف مقاتل في بقعة واحدة ، و مصر كانت على مشارف المعركة ، و قد يتم اجتياحها في أي لحظة من قبل الألمان و الفاشست و ربما حلفاء آخرين في أكتوبر ١٩٤٢

و لكن بنظرة سريعة للمجتمع القاهري ، فقد كان هناك ذعر بسيط نسبيا بين أثرياء اليهود خوفا من النازي ، و عموما كان هناك حالة قلق و ترقب شديدة ، و لكن أبدا لم يتم تكريس مصر للحرب . و استمرت السينمات تعرض أفلام محمد كريم ، و توجو مزراحي ، و نيازي مصطفى ، و احمد جلال، و أحمد بدرخان ، و كانت القاهرة في وضع أكاد اوصفه بالعادي ، و لم تتاجر الحكومة بشعبها ، أو بعواطفه ، و هو الشعب الغني وقتها– اقصد قياسا لاجمالي الناتج القومي - و المنتج و المصدر، القادر على صنع اقتصاد قوي.
مرت الحرب الضروس الجارية على عتبات الدار بسلام ، و بالكاد شعر أهل الدار بانزعاج.
لا أعلم لماذا لم أجد ملصقات و پروپاجاندا مشابهة ضمن مجلات قديمة من اتي دأبت على جمعها.

عموما ، حتى لا أكون قد عرضت الجانب الأمريكي فقط ، فهذه دعاية مضادة من ألمانيا ، تصور الجندي الأمريكي الذي يحاول السيطرة علي العالم ، و لكن....

اليوم لا أنظر لهذه الملصقات كنوستاچيا أبدا ، يبدو أن الحرب قد استمرت وقتا أكثر بكثير مما ينبغي.
أكثر بكثير.

٠٦‏/٠١‏/٢٠٠٨

فن الشارع



أطول لوحة جرافيتي معروفة ، تلك التي كتبها طالب صيني عام ١٩١٥ في منطقة الحمامات في مدرسته الضخمة ، و كانت لوحة من مئات الكلمات التي تنتقد المدرسة ، و المدرسين ، و أوضاع المقاطعة الصينية ، و عندما انتهى من كتابه هذا العمل على الحائط قام في لحظتها بتسليم نفسه للسلطات ، و حينها اقتيد في وسط المدرسة ، و هدد بالفصل أمام آلاف التلاميذ ، و تم تعنيفه بشدة و مجازاته.
اصبح هذا الشاب بعد سنوات هو مؤسس الصين الحديثة ، ماو تسي تونج

جميع الصور من أعمال بانكسي في الشوارع

الجرافيتي ، هو فن الشارع ، نوع من التشكيل الذي يعبر عن مفهوم ما ، و يراه المارة ذهابا و إيابا دون الحاجة لارتياد المعارض الفنية ، أو المراكز الثقافية. و في رأيي أن تفرده يأتي من زواله ، فهو نوع من الفن يحصل على استمراريته من استمرار كشط و شطب اعمال قديمة على الحوائط و إبدالها بجديد ، و يتحول الحائط لحوار محتدم ، من دون أي اتفاق مسبق.




بانكسي ، هو فنان جرافيتي من بريطانيا أيضا. حقق شهرة واسعة ، و بالكاد يمكن االحصول على صورة له ، أو لقاء تليفزيوني ، فقد عرف ببعده عن الكاميرا ، و رفضه اظهار شخصيته .
و وفقا لـ بي بي سي ، فقد قامت هيئة النقل البريطانية بمسح أحد أعمال بانكسي التي كان قد رسمها في مكان عام بحجة أنها تؤذي المارة ، و تشجع على الجريمة، الصورة كانت للمشهد المعروف من فيلم پلپ فكشن ، حينما يشهرا صامويل چاكسن ، و تراڤولتا مسدساهما ، و لكنه قد وضع موزة في يد كل منهما بدلا من المسدس ، و قدر النقاد قيمة اللوحة التي اشتهرت في بريطانيا بحوالي ٣٠٠ ألف جنيه استرليني ، و أفاد مدير هيئة المواصلات : " إن فريقنا لإزالة الجرافيتي مكون من منظفين محترفين ، و و ليس من نقاد محترفين"
أفاد حلاق له محل بجوار العمل المزال: " كان الناس يأتون من كل صوب لتصوير الجرافيتي ، إن من أزالها هو أحمق بالتأكيد"
قام فنان آخر بكتابة "عد مرة أخرى" كدعوة لبانكسي لإعادة رسمته ، لكنه رسم شيئا جديدا تماما.
بانكسي في اعتقادي هو واحد من أهم فناني الألفية الجديدة ، ليس فقط لأنه يقدم فنا للعامة في الشوارع ، أو لتقديمه لفن منزه عن أي غرض جماهيري أو ربحي ، و لكنه شديد الذكاء في اختيار مواضيعه ، و كالعادة ، أعماله تثير العقل بشكل مبهر.



يمكن التعرف على توجهات بانكسي السياسية ، و الفلسفية من نظرة سريعة لأعماله ، موقفه من الحرب ، من السلطة ، من الفنون ، و حتى من أعماله نفسها.
و قد طبقت شهرة بانكسي الآفاق ، حتى أصبح يمكت الحصول على خريطة لشوارع لندن تبين أماكن أعماله ، و التي كان لي الحظ في الوقوف أمام احداها.




الذي لم أكن أعرفه أن بانكسي قام بالرسم على الجدار الفاصل بين فلسطين و اسرائيل ، و بينما كان "يعمل" هناك قامت عدسات بي بي سي بتصويره لأول مرة ، لكنه رفض التحدث مع المراسلين كعادته ، و أعطاهم إفادته مكتوبه . أختصر منها:
"... إن ما أراه مثيرا في هذا الحائط ، هو استطاعتك أن تحويل بناء مخزي و مقحم مثل هذا ، إلى أطول معرض للحريات في العالم...” .
حينما سأله فلسطيني عما يعمل هنا ، أجاب : إنني أريد أن أجعل هذا الحائط جميلا ، أجاب الفلسطيني ، لا أريده جميلا ، إنني لا أريده أساسا ، عد لبلادك.


فيديو BBC

هذه بعض من أعماله في فلسطين ، في الحقيقة يبدو أن البعد السياسي أو رغبة بانكسي في التعبير عن وضع لا يريحه قد قتلت جزءا من تمرد لوحاته المألوف ، و لكنها لا زالت أعمالا ذكية و جيدة الصنع.
هنا العمل بجوار أحد المعابر ، يتكدس الفلسطينيون بجوار الحل الذي وضعه بانكسي على الحائط




أظن الزائر للندن قد يدهشه الفن الذي يلاقيه يوميا في الشارع ، ذلك الذي يرتبط بحياتنا اليومية ، أكثر من المعمار و الفنون الأقدم ، بانكسي ،خير مثال لذلك


استمع إلى أغنية "شوارع لندن" أو اقرأ عن "جرافيتي القاهرة" أو لا تفعل....

٢١‏/١٢‏/٢٠٠٧

عن الصورة

جميع الاعمال ملكية خاصة لـ: مات ستورت
Matt Stuart ©


لا أفهم إصرار الأصدقاء على مشاركتي من حين لآخر روابط لمواقع تحوي اعمالا فوتوغرافية ما ، الحقيقة كثيرا ما أشعر بأنني ضقت ذرعا بكل هذا الهوس الفوتوغرافي المستوحى من منتجات ناشيونال چيوجرافيك ، أو وورد برس فوتو.
لا أستطيع منع نفسي من الرثاء لكثير من المصورين الذين يتم التعاطي معهم كأعلام ، فلا أري فيهم سوى نظرة استشراقية شديدة التسطيح عادة ، و مسألة وجوه الاطفال الأفارقة السعداء/أو البؤساء أصبحت تثير حنقي بغض النظر عن موقفي من كثير من قضايا الأم الأفريقية.

الحقيقة وضعت هذه المقدمة التافهة قبل ذكري لأحد المصورين الذين خلبوا عقلي منذ مدة ، و أظن أنه إن كان للفوتوغرافيا (تلك الهواية التي اعتزلتها آسفا لضيق الوقت) دورا ما ، فهذا الدور يتجلى في أعمال مات ستيورت .

فقديما عند مراهقتي ، و بداية تعرفي علي العدسة فتنت بالمنحى الإيروتيكي للتصوير ، و قضيت أشهرا في متابعة العديد من الفنانين الذين اهتموا بجسد المرأة ، و لكن مع الوقت ، كانت صور الحرب و الأحداث المعاصرة تستحوذني أكثر ، لتخميني البدائي أنها أكثر أهمية ، و أقرب لحاجتنا كبشر.





و لكن مات ستيورت مذهل بكل معنى الكلمة ، بسببه أعدت تقييم نظرتي لهذا الفن ، و لا أبالغ أنني أعدت تقييم رؤيتي للفن بشكل عام - و إن كنت لم أهتدي لشيء كالعادة - .
يقول معنونا نفسه في الموقع :
Matt Stuart SHOOTS PEOPLE
و هذا هو صميم ما يبهرني ، ستورت لا يعتمد علي الاسس الجمالية العادية ، و ربما لا يعيرها التفاتا ، و أقل اساسيات صياغة الكادر لا يأخذ بها ، و سلاحه الوحيد هو إعمال العقل...




تستثيرني صور ستورت لدرجة خلابة ، تجعلني "أفكر" ، لا أتحسر علي الحرب ، و لا علي الوضع في كشمير ، و إنما أشاهد الانسان بشكل مجرد و تلقائي.
أن اجد نفسي مشاركا بشكل ما في وضع رجل عجوز في قلب العاصمة البريطانية ، أو فتاة في معرض في أيرلندة ، فهذا هو منتهى ما يسمو له أي مصور ، فالمكان و الزمان هما حدثان شديدا الهامشية أمام ما تنطق به الصور.





قيل كثيرا أن كثيرا من أعمال ستورت مفبركة ، و أنها قد تم تمثيلها لتلتقط كهذا ، و لكن الأمر لا يعنيني كثيرا ، فالحالة قد تواصلت بينه و بيني بلا أي عقبات .
و يقول ستورت في موقعه عن نفسه:
"لا أعرف أيهما بدأ أولا ، كوني فضوليا أم كوني مهتما بـ" فوتوغرافيا الشارع" ، و لكن هوسي بالبشر و كيف يعيشون حيواتهم هو سبب استمتاعي بمهنتي هذه.
لا أستطيع الاختباء خلف تقنيات الإضاءة و التصوير الحديثة ، فأنا أعتمد على كاميرا صغيرة ، و الصبر ، و الكثير من التفاؤل ، و لكن ما احصل عليه في مقابل ذلك هو الفرصة لخلق إحدي تلك الصور الصادقة التي تجعل الناس يدركون في التو أنها وليدة لحظة فريدة ، و التى اتمنى أنها قد تستعار لاحقا كجزء عميق من ذاكرتهم."
الأكثر إبهارا أيضا هي أعماله التي اعتمدت علي دمج الانسان في عمل فني ، مستحدثا تأثير آخر ، لا استطيع الحديث عن ذلك ، بإمكاننا الرؤية.




جميع الاعمال ملكية خاصة لـ: مات ستورت
Matt Stuart ©
موقع آخر لـ ستورت


لا أعلم إن كنت أبالغ في تحمسي للرجل ، و لكنه بالتأكيد شديد الخصوصية ، و قد ضرب ببديهيات فوتوغرافية عرض الحائط ، و ترك شيئا مكانها ، لا أعرف كيف أسميه.






١٢‏/١٢‏/٢٠٠٧

وقائع ما حدث لبيصو

-1-
قبل هذه اللحظة بالذات* ، لم يكن هناك من يعكر صفو صباحاته المتفاوتة الصخب ، فطالما جلس هناك متوحدا مع جريدة حمقاء ظلت أسطرها تلوكه على مدى ليال صيفية بينما ظل يتصبب عرقا حارا يذكره بأيام الحرب الفائتة.
لم يكن بيصو ليعرف أن هذه اللحظة آتية ، سرح بخياله بعيدا محاولا تجنب الموقف ، متذكرا قوافل الفاتحين الأوائل و هي تمخر عباب الصحراء ، مارة بأثر مصنع الأسمنت القديم حيث اعتاد أن يشاهد مصارعة الديوك لسنوات طوال ، قبل أن يتم منعها بعد الثورة الأخيرة.
في صباحاته الفائته ، كثيرا ما أرّقَه صوت اشعال جده للغليون ، ذلك الجد الذي جلس بأعين زائغة يستحضر آخر وقفاته مع رفيقه الكلونيل أشرف ، و هما يقودان آخر فيالق الليراليين أثناء حصار القوميين لهم ، ذلك الحصار الذي تناقلته الصحف و شاشات التلفاز لشهور.
وقف الكولونيل أشرف - بشعره مجعد ، و بشرته الخلاسية ، و زي فارس قطالوني - و نظر للحصار بثبات، ثم أمر الفيلق بأن يفنحوا باب القلعة ، و ينحروا جحافل القوميين.
ظل الجد يتمتم بكلمات الكولونيل ، لوقت طويل... حتى سكت.
فكان الجميع يعلم أن الفيلق قد فني عن آخره باستثناء الجد الذي ظل سر نجاته مجهول . و ظلت أشباح المتوفين تروم أسوار القلعة ظاهرة للسائحين على مدى سنوات ، تطالب بالنصر الموعود.
كان بيصو يحب الجد ، يحب عصيدة الذرة التي كانا يأكلانها قبيل القيلولات اللزجة في صيف مدينته الساحلية ، و يحب ركوب الدراجات في قلب امستردام حيث قضى أيام تدريبه الأولي. ، لكنه لم يكن ليظن أنه سيجد نفسه واقف في هذا المكان الفاصل ، و رياح كانون الأول تهب في وجهه ، و صوت أمواج البحر يتكسر من أمامه .. و كان يعلم جيدا أن الشتاء يقترب ، و إلحاح الجرس البرونزي في كنيسة الميدان مستمر ، فتذكر أنه لم يعد من أحد ليكاتبه.
اخرج بيصو منديله المضمخ بعطر الخزامي الذي ابتاعه من متاجر السوريين ، نفضه في الهواء فتسرب عبيره بسلاسة ، مسح عينيه من عرق و غبار ، و بينما ينزل المنديل ، كانت شيماء واقفة ترمقه.
اقتربت منه ، ارتعشت أنامله ، فقد كانت دوما شيماء تبدو عارية رغم ارتدائها لحذاء و حزام فضي من جلد الاجوانا ، و حلة عمل صوفية كفيلة لإخفاد مفاتن عاهرة من أربعينات شارع كلوت بك ، إلا أنها لم تخفي جسد شيماء المتفجر. ذلك الجسد الذي كان يصدر أصواتا أحيانا أثناء فعل الحب.
كان يعلم أنه لا داع لأن يدعوها لقدح من نبيذ ، فكل ما كان في جيبه لم يتعد العشرين بيزو ، تَحَصّل عليهما من بيع آلته الكاتبة القديمة التي كسبها في مصارعة ديوك من رجل أرمنلي. و كان يعلم أيضا أنه ليس في مقدوره أن يطارحها الغرام كالأيام الخوالي ، لأن شيماء قد ارتدت الحجاب منذ حول و يزيد ، شعر بيصو برداءة الموقف.
-"سأذهب الآن" قالت
- "ليس في الأمر فرق لي" رد بيصو متحاشيا إياها.

-2-

لا يعلم كم من الوقت قد مر في وقفته هذا ، و لكنه قد شاهد رجلا يحمل آلة كورنو قديمة زنبركية ، و شاهد قطار الشرق يأتي محملا بأناس غرباء لم يعرفهم من قبل ، يرتدون زيا شعبيا مزركشا ، و يتحدثون بلسان قديم .
كان يعلم أن الوقت قد حان ، فإنه ليس بقدوره الاتيان بهذا الأمر الشيطاني في ظلام دامس ، و طالما الشمس لا زالت تقرع رأسه برتابة عامل سكة حديد آسيوي، فهي علامة.
ابتسم ، فقد ظن أنه سيدوم به العمر طويلا ، ليصبح كاتبا متقاعدا لينام على هاموك طري ، و يغطي رأسه بقبعة . و يشارك أحفاده عصيدة الذرة أيضا. و لكنه قد مل ملاعبة القدر ، و سيعانده اليوم للمرة الأخيرة.
مرت عليه قافلة الغجر ، بكلابهم ، و ملاكميهم ، و كراڤاناتهم الملونة ، و لعبة النيشان ، أراد بيصو أن يلعب لليوم الأخير ، لكنه قرر توفير البيزوات العشرين ، فهو لا يعلم إن كان الموتى يستخدمون النقود المعدنية في عالمهم الضبابي هناك ، و لكنه آثر ألا يغامر ، لأنه عرف للموتى أخطاء كثيرة.
فقد اعتاد أن يرى روح الكولونيل أشرف ، التي طالما ظلت تحلق في سقف منزلهم و هو بعد صغير ، و كثيرا ما سمعه يصرخ مطالبا بالقصاص من قاتله ذلك الطبيب الساحلي دمث الطباع ، علما بأن الطبيب لم يوقع سوى على شهادة الوفاة ، بعد أن تم اعدام الكولونيل وفقا لمحاكمة شعبية غوغائية ، لكنها عادلة.
و بعد الجنازة الرسمية - بحضور الرؤساء و الأساقفة و قديسين منسيين - أتى الطبيب إلى منزلهم عدة مرات لتوضيح موقفه للجد ، ذلك الذي تفهم موقف الطبيب كزميل حرب قديم ، و لكن ظلت روح الكولونيل غاضبة في سقف الغرفة ، في الوقت الذي كان الجد و الطبيب يحتسيان الغواراپو ، و يلعبان الشطرنج ، و الطبيب يمسح عويناته من ان لآخر. متأكدا من حقيقة ما يرى.
لم يشأ بيصو المغامرة ، اعتصر البيزوات في جيب بنطاله الكتاني ، و اقترب خطوة أخرى للبحر.

-3-

"ارهابي..إرهابي " تمتم عالم اللغويات في ضيق ، و هو يقرأ نعي الجد كعدو للثورة ، عدل من وضع عويناته ، و سطر بضعة كلمات بلغة لم يعد ليتحدثها سواه ، إضافة بضعة قبائل في غياهب صحراء ما. و مبرمجين متوحدين في هوكايدو.
مشى الهوينى بجسده الواهن نحو الهاتف ، أراد مهاتفة بيصو ، و لكن بيصو كان لا يزال يجتر آخر ما يذكر.
حانقا غضبانا ، حاول بيصو إزاحة كل هذا الزحام من عقله ، ليتقدم لهلاكه بعقل صاف كقلنسوة راهب بروتستانتي ، أزاح مغنيين الراي ، و فتيات الإعلانات ، ورائحة الشواء في العيد ،و كتابات الشبان أنصاف الموهوبين في باب الجريدة الاسبوعي ، بل و حتي ما حفظه من أنجيل العذراء و طالما رتله صغيرا.
قال: الآن أنا صافي المزاج.
تقدم بثبات للموج ، و علي مرمى بصره شاهد حوتا يخترق خط الزوال منطلقا بشكل عمودي نحو السحاب كقذيفة مدفع فرنسي أو مملوكي لا فرق.
شعر بشيء من الألفة ، أغلق نوافذ عقله ، و عينيه ، تحسس نقوده ، و قفز في عرض المحيط.
راودته الكلمات التي طالما اعجبته ، و لم يجد لها مكان بين كتاباته ، الآن فقط تصلح أن تقال، فأخرج فما يبقبق بالماء و نطق ببطء:
"اسفكسيا الغرق ... اسفكسيا الغرق"
و غاب في ظلام دامس.


(تمت)



ليس عاطف الطيب



*هوامش
ـــــــــــــــــــ
# النص السابق كتبته :
to numb my mind
علي حد تعبير شخص ما
# النص متخيل برمته ، و لا يتعرض لأي شخصية اعتبارية أو سيبرية أو سينمائية
# النص من صميم أسلوب المؤلف ، و ليس له جذور لأي أنواع من السرد و القص اللاتيني بالذات
# نعتذر للأخوة الذين لم ترد أسماءهم ، و نعدهم بالتدقيق في الطبعة الثانية







٠٥‏/١٢‏/٢٠٠٧

كلها أشياء

بعض مما يدور.. سمعته و صورته و تصورته:

- النص أ -

سمعت إحداهن تقول لصديقتها: "مش صعب إنك تبوسي و انتي ما بتعرفيش تبوسي ، اللي صعب بجد إنك تعملي ما بتعرفيش ، و انتي بتعرفي"

- النص ب -

ممثلة كبيرة من الأربعينات: يعني الدور اللي انت عارضه عليا ده ، أنا فيه باحّرك الأحداث؟
مخرج صغير من الألفينات: أيوه .
ممثلة كبيرة من الأربعينات:لا...لا...لا... ... أنا مش عايزة ابقي باحرك الأحداث ، أنا عايزة أكون "أنا الأحداث"...!


- النص جـ -

غلاف شريط لاصق : شيكارتون


"تنبيه ، هذا المنتج تم تصنيعه وفقا للمواصفات القياسية الأمريكية
، و لا يتم فحصه طبقا للمواصفات القياسية المصرية ، حيث أنها غير ملزمة"


- النص د -

من رديء الطالع أن أتصفح كتاب الزبائن في مقهى سيلانترو ، فأجد صفحة كتبتها فتاة أعرفها من أشهر هناك ، تقول:


"Hello All, I''m (her full name) , I'm better than any one"

- النص هـ -


إدارة : راشوان
كيف يمكن أن يعمل خطاطاً من لا يفقه حروف الهجاء؟

=====
فاصل غنائي ، من فرقي المفضلة
eels - Grace Kelly Blues

powered by ODEO


- النص هـ ٢ -

تحيا مصر



المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO