28‏/07‏/2007

الدليل العشوائي ، للشاب السينمائي



ما بين أيديكم ، عزيزي و عزيزتي الشابة ، هو خلاصة تجارب عشتها أو عاشها غيري من صناع الأفلام ، و هي دليل موجز لما يجب على كل صانع فيلم عمله ليخرج فيلمه للنور ، و لا نرجوا منها سوى الاجر و الثواب من عند الله ، و حسن الخاتمة.

أ. الإجراءات

لكي تضع كاميرا و تقوم بالتصوير في الشارع ، عليك بالحصول علي "تسريح" بالتصوير ، و لا داع للكلام الفارغ من نوعية أنه لا يوجد في القانون و الدستور ما يمنع التصوير في الشارع ، لأن الحكومة تعرف أكثر ، و ستجد رجال الشرطة و قد تقاطروا عليك من كل فج عميق ، و جوف سحيق ليمنعوك من التصوير أيا كان موقعك ، لذا فالأسهل من قضاء ليلتك في الكراكون ، أن تحصل علي ورقة بسيطة ، بسيطة ، هي تصريح التصوير ، و إليك الخطوات (وفقا لآخر المستجدات حتى كتابة هذه السطور ، و أي تغيير يطرأ بعد ذلك ، فهو خارج مسؤوليتي )

١- أكتب السيناريو بشكل مهذب ، لا داع لأية ألفاظ نابية ، أو دخول في السياسة ، و إطبعه إلى ١٠ نسخ ،
(سيكلفونك بالتغليف حوالي ٢٠٠جنيه ، مدة الإجراء يوم واحد) .
٢- اطلع بالنسختين إلى إدارة حقوق المؤلف ، قم بكتابة مختصر من صفحة واحدة – و لا تقل لي أن السيناريو لا يُختَصر و كلام الفنانين ده ، إختصره و انت ساكت - و من ثم ستمليه للفتاة المنقبة هناك لتكتبه على الكمبيوتر ، و لا تخشى من أن جميع الواقفين سيستمعون لفكرتك ، و أنك ستستمع لأفكارهم ، فهذه هي روح المشاركة ، و على جهاز الكمبيوتر المهدى من المعونة الأمريكية ، و الذي يحوي قرآنا بصوت جميع مشايخ السعودية ، ستتم إدخال بياناتك و حفظ حقوقك بطريقة غاية في الذكاء: أن يتم عمل ختم و و إمضاء على جميع صفحات السيناريو (فوق النص المكتوب) ، و بذلك تكون معك نسخة مختومة ، و تحفظ حقك و تمنعك من التلاعب.
إدفع ٢٠٠ جنيه ، و ٢ جنيه دمغة بالمناسبة. (مدة الإجراء يوم واحد)

٣- توجه لنقابة المهن السينمائية ، و هؤلاء لهم دور شديد الغرابة ، فهم يقومون بحماية قدامى السينمائيين من الأجيال الصاعدة الجديدة)،يحمون هؤلاء الذين خدموا السينما و الصناعة لسنوات ، و الآن ليس لهم مصدر دخل في موجة السينما الجديدة ، مقصد نبيل طبعا ، لكن في مقابل ذلك ، تقوم النقابة بمنع كل من تسول له نفسه من الشباب للعمل في هذا المجال ، و سلب أمواله و طاقته ، ليصبح عبرة لمن اعتبر.
لذلك ، على النقابة أن تعطيك "تسريح" بالعمل (صدقني هكذا تُنطق هناك) ، و تقوم بملأ ورقة تكتب فيها أن سبب حصولك على التصريح أن : “لا توجد كفاءات مشابهة بين النقابيين"! ، و توقع علي هذه الورقة .
(التكلفة من ١٠٠٠ إلي ٣٠٠٠ جنيه ، و من ثلاثة أيام لأسبوعين- حسب الاجازات و معارفك)

٤- تاخذ الورقتين ، و تتوجه إلى إحدى شركات الانتاج الفني ، لتحصل على ورقة منهم تفيد أنك تقوم بالفيلم تحت اشرافهم ،(لأن الرقابة لن ترضى منحك التصريح كفرد عادي ، أو يصعب ، فلا بد أن يقدم السيناريو باسم شركة عضو في غرفة السينما) ، لأن المواطن العادي ليس له حيثية ، لابد أن يكون "تبع حاجة”.
(مجانا إن صعبت عليهم في الشركة ، تكلف يوم واحد)

٥- الآن ، توجه إلى الشهر العقاري التابع له بطاقتك و قم بالتنازل عن فيلمك للشركة المذكورة أعلاه ، و لا تسألني لماذا تطلب الرقابة تنازل للشركة من المؤلف ، فهو أمر شخصي ، و كل حر في نصه يبيعة أم يصنع منه مراكب ورقية ، أو ورق نشاف للبطاطس ، لا بد أن تتنازل و تكتب بكم من الجنيهات قد قمت ببيعه. المهم تتنازل في الشهر . تترك نسخة و ملخص.
(يوم واحد طويل ، و ٢٢ جنيه)

٦ – تحصل على كل الورق في دوسيه ، مع توجه منصورا للرقابة ، تملأ بيانات ، و تترك النص من ٣ نسخ .
(شهر)

٧- تستلم نصك مختوما من الرقابة ، و مكتوب عليه ملاحظات الرقيبة ، و التي ستتضمن:

أ. البعد عن مشاهد التدخين ، و المخدرات
ب. إظهار الدور الإيجابي للشرطة و أجهزة الدولة
جـ. البعد عما يمس الأمن القومي
د. البعد عما يمس القضايا الشائكة و ثوابت المجتمع.

تشكر المدام ، و تنطلق بالسيناريو للداخلية.

٧- تترك ٣ نسخ من السيناريو و موافقة الرقابة ، مع توصيف دقيق للشوارع التي ترغب في التصوير بها ، اسم الشارع بالحرف حتى إن كان جانبيا ، فضلا عن أسماء الحاضرين التصوير و بياناتهم.
(أسبوعين ، ١٠٠٠ جنيه)

تحصل على موافقة الداخلية ، و يصبح الآن من حقك التصوير في الشوارع الموافق عليها فقط ، لمدة أسبوع كامل ، و إن احتجت تمديد آخر ، توجه للداخلية مرة أخرى ، و ادفع الرسوم.

و الآن انتهى الجزء الصعب في منتهى اليسر ، و أنت جاهز للتصوير...

ب. الأدوات:

فرغم أن العالم - خارج بلادنا المنصورة - قد طور علومه و أبحاثه ، و بفضل جهودهم الذؤوبة - هم و الحمد لله -، أصبح بمقدور أي انسان أن يحصل علي كاميرا ڤيديو عالية الجودة بسعر شديد الضئالة ، و نادرا ما أقابل صديق أو صديقة أوروبية لا تمتلك كاميرا ميني دي ڤي ، أو حتى إتشدي ڤي لمن هم أكثر قدرة ، و عادة سعر شرائها في إطار نصف متوسط الأجر الشهري للفرد لديهم.
أما عندنا ، فبسبب الجمارك المهولة ، فلا يمكن أبدا الوصول لها بهذا السعر ، بل و لا حتى ضعفه ، أحيانا ثلاثة أضعاف الرقم ، و الأنكى ، أنه لا يمكن أصلا الحصول على الاصدارات الحديثة ، سوى من دبي أو ما شابهها ، لأن الوكيل المصري يمارس احتكارا ما.
و لذا عليك استعارة كاميرا من صديق أو صديقة ، و البدء في التصوير.
و ستجد العديدين جاهزين للمساعدة ، ممثلين ، مساعدين إخراج (يفضل مساعدات) ، و ستدور الأمور عمليا بسلاسة ، قلص من نفقاتك قدر الامكان ، لأنك انفقت غالبية ميزانيتك علي الحكومة أعلاه.

بعد التصوير ، عليك بالمونتاچ كما جرى العرف ، و نفس القضية ، وحدة المونتاج رهيبة الإمكانيات ، تكلف الآن أقل من الالف دولار ، قد تقوم بعمل آلاف الافلام بها ، و لكنها تتكلف أضعاف ذلك في مصر. بسبب الجمارك ، و و الضرائب ، و لذا عليك بصديق يمتلك واحدة ، و سيوافق بقلب رحب ، و حاول أن تنجز العملية بسرعة ، و تنهي الفيلم.

النهاية

أصبح لديك فيلما لتعرضه في المراكز الثقافية و الساقية و الحمد لله.

نعم الموضوع صعب ، لكن ما العمل؟ أهناك اقتراحات أخرى؟؟


الفريد

الخلاصة:

الازمات الكبرى التي تواجه المخرج الشاب هي من البيروقراطية ، و الحكومة ، و غالبية الميزانية تنفق على جهات من الأحرى بها مساعدة الفنانين بدلا من استخدامهم وسيلة للتكسب .
قال لي مراسل حربي بريطاني : يمكنك ان تصور في القاهرة بلا تصاريح ، مستخدما ميكروباصا مغلقا ، و تغليفه بستائر ، و التصوير من داخله.... طبعا شيء شديد السخرية ، أن أتعلم من مراسل حربي وسيلة للتصوير في بلادي ، و هي حتى لن تجوز ، و الكشف عنها أمر قد يعرض صاحبة لخطر شديد.
في النهاية أعترف أن ظروفي أفضل من كثيرين ، و أن غالبية ما بالأعلى لم أمر به ، و لكنني أعرف الوضع عن كثب لاضطلاعي بأعمال عديدة ، و قصص سرمدية عن صناعة الأفلام.
و ربما في المرة القادمة ، سأكتب عن المسرح المستقل ، فوضعهم أشد سخفا بكثير
أقول قولي هذا و استغفر الله لي و لهم.
و تحيا مصر. ـ


26‏/07‏/2007

تَسَاؤلات



تراودني – كإغواء اسطوري لعقلي – أسئلة عدة ، أغلبها هراء محض ، و البقية لها جلالة انعدام الاجوبة ، لذا أضعها هنا ، بدون أي رغبة في المعرفة أو الكشف ..

١ – في القاهرة يغلقون كباري و أنفاق بعدما ينتصف الليل ، فيأخذ الركاب الطرق العادية ابتغاءاً لوجهاتهم ، مما يجعلتي أتحيّر من أمر : ما الذي يحدث بأعلى الكوبري المغلق بينما نمر من تحته ، و ماذا يدور في قلب النفق ؟ هل هناك عالم مواز لعالمنا هناك ؟

٢ – أي الشعورين هو المحفز الأكبر لارتكاب أفعال لم نكن لنأتي بها؟ أعني أي من الشعورين يجعلنا نتصرف بغرابة عن أنفسنا و ما عهدناه؟.... شعور الحب؟ أم شعور الكراهية؟

٣- المهندس شوقي جاري ، أسمعه خمس مرات في اليوم يفتح الباب ، يغلقه ، ثم اسمع صوته يؤذن في الجامع القريب ، أعلم من صوته و مشيته كيف هو مزاجه الآن ، بل و متى يصاب بالانفلونزا ، و متى يشفى منها.. لم أرَه في حياتي أبدا ، أتساءل : طالما لا أعرف شخصا من حولي أتابعه و أسمعه ٥ مرات في اليوم ، أ يعتبر م..شوقي هو أقرب الناس إلي؟

٤- أيهما أفضل/ أسوأ : الوطني أم الاخوان؟

٥- هل يمكن لأي انسان أن يقع في غرام من لم يقرأ/ تقرأ سطرا من درويش؟ و من لا يعرف/تعرف زياد رحباني؟ و إن حدث فما التفسير العلمي لذلك؟

٦ – لماذا خرجت علينا فجأة موضة محمد خان؟ أنا أحب الرجل ، و لكنه يكاد يكون هوسا.. بل أرسل لي شخص دعوة لاشترك في "مجموعة محبّي محمد خان” ... أين ذهب أسامة فوزي ، أو زكي عبد الوهاب ، أو كمال الشيخ، و شادي ، أو حتى داود؟

٧- لماذا فجأة أصبحت بالكاد أعرف أي شخص ليس مضطلعا أو يريد البدء على الأقل في صناعة الأفلام؟ هل أصبح المسرح موضة قديمة؟

٨- لماذا أتعاطف مع من عرفت من الرجال الشواذ أكثر كثيرا من تعاطفي مع من عرفت من سحاقيات ، بل و لا أنكر أنني بالكاد أكترث لهن أو أعتبر أن لهن قضية من الأساس؟

٩- لماذا أجمعت أنا مع كل من أعرف من شباب ، على أن الفتيات رفيعات الثقافة يتحدثن الانجليزية في لحظات الفراش الحميمة - حتى إن كن لا يتحدثنها في حياتهن بكثرة - خاصة عند إبداء مطلب ما أو رغبة جسدية ، أهو نوع من تقمص الآخر البعيد ؟ أم شذرات من مخزون پورنوجرافي قديم في عقولهن؟



١٠ – لماذا لايلقى "صيف الحب" ٢٠٠٧ ، الاهتمام الكافي؟ ألن نحتفل بالأربعينية؟ طالما كثيرين يتوقون لروح الستينات لهذه الدرجة؟ أم أنها أشياء لا تتكرر؟

١١- هل سنمل التدوين؟ أعرف خمسة على الأقل بدأوا في الملل...

١٢ – هل حقا ما سمعته من أن النظرة الطبقية تعمل في الاتجاهين؟ بمعنى هل كما يعاني الفقراء من نظرة الأغنياء المترفعة لهم ، هل يعاني الأغنياء من نظرة الفقراء إليهم؟ أيا كان توصيف هذه النظرة؟

١٣-لماذا كلما قلت لرجال الأمن في عملي "مساء الخير"أو" تصبحوا على خير" ، كان الرد: و عليكم السلام و رحمة الله يا باشا ؟

١٤ – لماذا أول ما تلمحه عين المواطن عند نزوله مطار القاهرة ، هو عسكري الأمن؟ ألهذا دلالة؟

١٥ - كل أصدقائي يتزوجون ، و أنا أكره الفكرة ، و لا أظنني سأحصر مستقبلي مع فتاة واحدة ، مهما كان عشقي ، فماذا يجعل مني رأيي هذا؟ أنانيا؟ مارقا؟ أم مجرد محب للسلام؟

١٦ – أ يعقل أن يكون إجمالي دورة المال لأفلام الصيف ٤٠٠ مليون جنيه؟ و قد سمعت من صديق لي في فضائية ما أنهم يكسبون نصف مليون دولار شهريا لديهم من الرسائل علي الشاشة؟ لماذا نحن فقراء إذا؟؟

١٧ – كيف من الممكن أن تتزن نفسية مواطن قاهري ، طالما من الممكن أن يبذل وقتا في طريقه لعمله يقارب الساعتين ، و قد يكون ربع ساعة في أوقات أخرى بلا أية قاعدة؟ هل يكن أن نطالبه بتثبيت مستوى إنتاجيته كموطف وفق ظرف "نفسي" كهذا؟

١٨- هل سرقة الحكومة حلال أم حرام؟

١٩ – هل تفيد الأشياء التي طالما يهوس بها المرء بينه و بين نفسه ؟ كلحن ما ؟ بيت شعر ؟ هوس بمدينة أو حقبة؟ أغنية قديمة؟ علامات البهجة تلك ... هل تفيد في أي حال؟


21‏/07‏/2007

نوستالجيا المدرسة

قبل القراءة ، لا بد من مشاهدة و لو جزء من هذا:ـ


لا أعرف شيئا اجتمع عليه كل صبيان مدرستي ، سوى العشق اللا نهائي لهذه الفتاة ، و من كان في الثمانينات في أي مرحلة دراسية في مصر(ابتدائية أو إعدادية) ، يعلم تماما ما أعنيه ، فقد كانت "فتاة خيال" أغلب من عرفت ، و كان التلفزيون المصري بكل قنواته (ثلاث وقتها) يبث الأغنية بلا انقطاع.
و أذكر صورة لأكثر شِِلَل المدرسة قسوة - أولئك المعروفين بمشاجراتهم الدموية و نكاتهم البذيئة - و هم يجلسون بالساعات ، متنهدين ، يتحدثون عن الفتاة التي تغني بولا بولا.
بالنسبة لي ، كانت جميلة إلى درجة انني لم أظن يوما أنها حقيقة ، و لم أتطرق للتفكير في كنه الفتاة نفسها حتى ، و لكنني كنت فقط ، أشاهدها تغني بابتسامتها الأخاذة ، في صمت.
عندما سلمني صديقي (ج) النحات النوستالجي ، مهووس الثمانينات ، أغاني على الكمبيوتر ، من نوادر عصور الطفولة البائدة ، عادت صورة الفتاة إلي ، رغم أنه أهداني موسيقات عديدة أخرى ، مثل مقدمة غراندايزر ، أبريق الشاي ، أغنية لفطوطة ، و لكن ظلت بولا بولا ، - ببحة صوت الفتاة ، و صورتها باسنان غير مصفوفة ، و ارتباك مبهج – هي أول ما توقفت عنده ، و تساءلت : ماذا حدث لها.. و عرفت الآتي:



الفتاة (كان) اسمها : نادين ظريِفة ، و ذلك الحفل الذي غنت فيه ، لم يكن حفل مدرسة كما قال لي أبي حينها سامحه الله ، و إنما كان مهرجان سنوي (و لا زال) تحت عنوان" مهرجان زيتشينو دورو التاسع والعشرين" بتاريخ 22-11-1986 وفي مدينة بولونيا الإيطالية حصلت الطفلة و هي بنت- 6 سنوات - على ميدالية جيورناجينو الذهبية عندما اعتلت خشبة مسرح أنتونيانو دي فراتي مينوري وأدت هذه الأغنية ( ڤولا ڤولا پارومبيلّا)، بمعنى : "طيري يا حمامة السلام" بمصاحبة كورس مؤلف من 35 طفل، والأغنية العربية بالأصل لماجدة الرومي باسم "طيري طيري يا عصفورة.” كلمات: جوزيف أبي ضاهر ، ألحان: إحسان المنذر ، و ترجمها من العربية للإيطالية: ساندرو تومينيلّي .
الجدير بالذكر أن المهرجان ترعاه اليونيسيف (و هذه إحدى مزايا اليونيسيف للذين يبحثون) .
فيديو آخر لها و هي طفلة هنا.


و بعد ذلك ، اسُتخدِمت نادين ظريفة كأيقونة للطفل العربي الباحث عن السلام ، و جابت البقاع مع اليونيسيف ، في فعاليات و مشاركات لعامين بعد الجائزة ، بل أنها حتى شاركت في أنشطة لجمع المال لضحايا الحرب من عائلات لبنان ، بل و في أحد المرات نجحت في تحصيل دعم كاف لبناء ملعب في بيروت.

مع حلول عام 1989 زادت وطأة الحرب في لبنان ، مما دفع أهلها للهجرة لكندا ، و هناك هجرت الغناء وعزف البيانو ، لتبدأ في التفاني لرياضة السباحة، حتى أصبحت أفضل سباحة في كندا عن عمر 13 عاما، ثم شاركت في الالومبياد العربية ، و حصلت على 5 برونزيات في السباحة باسم لبنان. ـ



و في سن لاحق ، قررت أن تعمل في سر شغفها الأكبر: البرمجيات ، و استمرت تعمل كمبرمجة للكمبيوتر لمدة ست سنوات ، إلى أن قررت العودة للموسيقى ، فبدأت العمل على الألبوم الأول ، و كان بالانجليزية ، و سرعان ما قررت العمل على تغييره لألبوم عربي في مصر.

الآن هي شابة يافعة على الطريقة اللبنانية ، و أعادت تصوير أغنية بولابولا بشكل بالغ السوء مع مخرج هاو أمريكي ، و لكنه يبدو أنه قد درس الكليبات العربية الحديثة جيدا ، فأخرج هذا الهراء.
فالأغنية تبدأ بشباب من كل الأعراق يجلسون يدخنون الشيشة ، و يتساءلون عن الطفلة التي غنت بولا بولا ، و سرعان ما تظهر لهم بالشكل الجديد...
السيدات و السادة إليكم .. (على طريقة بيسو) الفتاة التي طالما فتنتنا ، نادين ، و قد أصبحت نادينا ، تغني و ترقص ، و تمسك الشيشة ..
شاهدوا الأسطورة وهي تتحطم....
(يمنع لأصحاب القلوب الضعيفة ، أو للراغبين في الإبقاء على صور الطفولة) .

شاهد الڤيديو : هنا

و إمعانا في التعذيب ، يمكن مشاهدة موقع (نادينا) الجديد ، أو حتى صفحتها الخاصة على "ماي سبيس" ، و مراسلتها (هي تقرأها) ، و تحميل خلفيات اسطح المكتب لها بملابس ساخنة من هنا.

أتعجب...
لماذا كتب على كل الأيقونات التي أحببتها في حياتي أن تنهار؟ ألا تبقى الأشياء على حالها؟
ألا تبقى الأشياء؟

16‏/07‏/2007

حوار

حدث هذا من يومين ، حينما كانتا صديقتان شابتان ، متوجهتان ليلا للبيت ، و كانت إحداهن تقود السيارة و الأخرى بجوارها تتسامران في شؤون عادية ، إلى أن ظهرت خلفهما سيارة تكاد تكون تلاحقهن ، ظلت تطلق النفير و معطية إشارات ضوئية ، و لكن لم تعرها صديقتي اهتماما لاعتيادها علي هذا النوع من المعاكسات ، و لكن إذا بالسيارة تأتي إلى جوارهن فيكتشفن أن بها ضابط شرطة برتبة كبيرة جدا ، و خمسيني السن ، و ظل يشير لهن بالتوقف .
إحتارتا فيما تفعلان ثم عزمتا على ألاّ تتوقفان ، و أكملا المسير و كأنه ليس موجودا ، و لكنه عاد يحازيهن بسيارته قائلا: الرخص .. الرخص (مشيرا بكفه الإشارة المعروفة عند السؤال عن الرخصة) ، هنا قررتا التوقف ، فتوقفت سيارته خلفهما ، ثم ترجل إلى أن أتاهم عند الشباك .. و كان هذا الحوار:

الضابط: اتفضلي .. ده الكارت بتاعي ، ابقي كلميني ..
الفتاة ١ : نعم؟
الضابط: أصل أنا مُعجب.
الفتاة ١: إنت بتتكلم جد؟
الضابط: إيه بس .. فيها إيه؟
الفتاة ٢:(و هي الأكثر عصبية فيهن) فيها إيه ؟؟؟! انت فاكر نفسك إيه؟ هو احنا تحت أمرك توقفنا كده؟
الضابط: إنتي محموقة ليه؟ انتي زعلانة عشان عاكستها و ما عاكستكيش؟
الفتاة ٢: و انت تعاكسنا ليه أصلا؟ هو انتوا فاكرين البلد بتاعتكوا؟ (تأخذ الكارت من يد "١" و تلقيه في وجهه)
الضابط: يا سلام؟؟؟ أمال وقفتوا ليه؟
الفتاة ١: و قفنا عشان انت بتقول الرخص!
الضابط: لا... لا... ما فيش واحدة تقف لواحد بعربية ملاكي في الشارع إلا لما تكون عاوزة منه حاجة ، بلاش الحركات دي.
الفتاة ١: عيب على سنك و ع البدلة اللي انت لابسها ، ده انتوا المفروض تحمونا...
انطلقت "١" بسيارتها و تركته في الطريق.

نهاية القصة حدثا...
لكنها لازالت تضايق الفتاتان بشكل سخيف ، في الحقيقة ، هذا يجعلني أفكر في السؤال التقليدي : (هو انتوا فاكرين البلد بتاعتكوا؟) أنا إن كنت في مكانه لكنت قلت : (أيوه البلد بتاعتنا). بكل اقتدار و ثبات.
فهي حقيقة ، و الكل يعلم أن لضابط كهذا صلاحيات تتعدى الخيال ، و قدرات تفوق أرض الواقع إلى عالم أليس في بلاد العجائب ، و نفوذ يتجاوز أقطار السموت و الأرض ... و لكن،
عادة يقول المشايخ: “إعملوا لآخرتكم" ، و أنا أقول للشرطة: “إعملوا للكام سنة الجايين" ، لأنه سيأتي يوم سيتبدل فيه كل هذا ، شئتم أم أبيتم ، و إن كانت ظروف مجتمع ينهار - و حالة فقر ، و جهل ، و فساد نهشت جسد وطن غير العالم يوما – قد جعلتكم في الوضع السرمدي هذا ، فهذا ليس القانون ، و ليس هناك سبب واحد لاستمراره.

أذكر فنانا تشكيليا شابا ، شاءت ظروف سوداء لأن يتم القبض عليه اشتباها في الصعيد ، و بينما كان يتم ترحيله في قطار الترحيلات ، كان هناك من ضمن المرحلين عضو جماعة اسلامية ما ، قام الضابط بصفع الإسلامي و إهانته ، فنظر له بتوعد و لم يقول سوى: “ براحتك... ماهي دي أيامك ... لكن معلش... “ثم شدد على كل حرف" .. معلش يا باشا.. حنبدِّل"
لم يرد الضابط ، و لكن صديقي التشكيلي يؤكد أنه لمح الذعر في وجهه لاحتمال حدوث ذلك.
لا أتمنى لمصر أن يتولاها عضو الجماعة الإسلامي هذا، أو أي جماعة إسلامية ، لا أتمنى لها سوى أن تبدأ تجربة جديدة بمناخ جديد بعيد عن شعارات الدين أو الثورة الجوفاء ، و لكن أيا كان ما سيحدث ، فإن الشرطة خلقوا لهم أعداء في كل الطوائف ، من الإخوان ، للأقباط ، للجماعات ، لليساريين ، لطلبة جامعات ، لنساء ناشطات ، لبدو ، لأقليات قومية أو دينية ، بل و لرجال سلطة ، لإعلاميين ، و سواقين ميكروباص...و لا زلنا نرى كل يوم.

فقط: إعملوا للأيام القادمة...
أتمنى . ـ

ڤي فور ينديتا - لآلان مور - الفصل الخامس

14‏/07‏/2007

مِن هناك... بالأعلى

حينما دق صديقي جرس الباب ، فتحت ، فقد كنت أتوقع مجيئه ، و لكنني لم أكن أعلم أن معه أحدا ، عرف صديقته نجلاء بي، كانت فتاة ممشوقة القوام ، حالك سواد شعرها ، متحررة الملبس ، و جميلة في اعتباري .

فتيات آڤينيون ، لـ بيكاسو

جلسنا في الدار ،و بدأت أطهو بعض طعام لثلاثتنا ، و لمن ربما يمر اليوم أيضا من أصدقاء ، و بدأت ببعض المشروبات على سبيل الضيافة ، و كان صديقي هذا لم أره من مدة طويلة منذ سفره للولايات المتحدة ، فأخذنا نتكلم بلا انقطاع - منتقلين ما بين حجرة المعيشة ، و المطبخ ، و الشرفة - عن كل شيء ، عننا كأشخاص مبدئيا ،ثم عن البلاد و أحوالها ، و أذكر أن نجلاء بالكاد كانت تتكلم ، أو تشارك ، و لو حتي في الطهو معي ، فقط كانت تراقبنا بأعين فضولية حتى بدأت أقلق ، سألتني إن كان هناك أي موسيقى لنسمعها ، أشرت لجهاز الاسطوانات و قلت لها أن تختار ما تشاء. عادت متضايقة تسألني لم لا يوجد عمرو دياب ، أو نانسي؟ تعجبت ، فقد كان لصديقي هذا ذوق شديد الخصوصية في الموسيقى نادرا ما كنت أنا حتى أهلا له . فعجبت من رفيقته التي ظلت تلح في السؤال عن موسيقى عابرة كهذه .

لم يبالي بها صديقي الذي أكمل كلامه عن مشروع عمل احتك فيه بالاخوان المسلمين ، و هي لا زالت في واد ثان ،فذهبت أنا و شغلت فيروز، فهدأت هي قليلا. و أخذت تشرب البيرة (لا زلنا نهارا كنا) في هدوء أقرب للتوحد.

كنت قد قرأت مقال ما في صحيفة و أعجبني ، ناقشت صديقي في صدده ، و قرأنا سطورا منه.. نظرت لي و قالت : ممكن تفهمني هو قصده إيه بالمقال ده؟
أخذت ابسط لها ما قرأناه ، و لكنها ما زالت لا تدرك شيئا.
عما قليل مر بعض أحباء ، و أصدقاء ، و كانت الفتاة بالكاد تدخل في أي حوار ، ولكنها كانت تسأل الناس أسئلة شخصية غريبة ، فأثارت حفيظة البعض، فسألت صديقي هذا : هي مين دي ؟
قال: يا احمد ، تفتكر أنا حاجيبلك البيت واحدة رخيصة؟ لأ طبعا!
قلت: مش قصدي ، بس يعني أنا حاسسها مش واخدة ع الناس ، و بتلخبط شوية..
قال: سيبها! بس ما تخليهاش تشرب تاني – بحدته ووثوقه المعتاد مما يقول -.

مر اليوم ، و لا أنكر أنها كانت مثالا لتندر الاصدقاء و الصديقات ، لأسلوبها غير المعتاد في التعبير ، و جهلها المدقع لأي أمر في العالم. و لا أنكر أيضا أن الفتيات قلن عنها نكتة أو اثنتين من خلف ظهرها. خصوصا بعدما بدأت في الابتعاد عن عالم الوعي قليلا.

في اليوم التالي قابلت صديقي على القهوة ، و أول ما قاله: طبعا عاوز تعرف مين نجلاء!
و حكى لي قصة شديدة الميلودرامية: “ نعم يا أحمد ، كما توقعت في سرك ، الفتاة عاهرة ، تعمل في الدعارة لكسب قوت يومها ، كنت قد تعرفت عليها منذ سنوات ثلاث في هذا الإطار ، كنا نتضاجع مقابل المال. “
- ثم ..... ؟ ، سألته.

قال أنهما بعد هذا التاريخ انقطعت بهما السبل لوقت ما ، ثم عادا يلتقيان خارج إطار الفراش ، ليحتسيا قهوة أو ما شابه ، و هكذا تعرف عليها خارج منظومة استخدامها جسديا ، و أصبحا شبه أصدقاء و توقف الجنس تماما.

الفتاة أباها عامل على المعاش من شبرا الخيمة ، و له من البنات خمس ، و هي سادستهم و إن لم تكن الكبرى ، وولد واحد أصغر. و كل معاش الأب يتجاوز المائتي جنيه بالكاد، و بالطبع يعيشون في فقر مدقع .
بدأت في البغاء منذ ٥ سنوات ، و هو عمل مربح جدا حسبما علمت لفتاة جميلة ، و تعرف كيف تتأنق، و امتنعت عن الجامعة، و لكنها قامت بالانفاق علي الخمس فتيات ليكملن تعليمهن الجامعي ، و الآن لم يتبق سوى الولد الذي سيتخرج العام القادم.
و حدث أن أغرمت بشخص ما و تزوجته سريعا ، و حينها قررت هجر حياة البغاء ، و لكنها بعد عام اكتشفت أنه يراودها لتعود و تعمل في البغاء بعدما انقطع مصدر دخله ، فطلبت الطلاق ، فقد امتهنت ذلك من قبل بإرادتها ، و ليس قسرا.
و الآن هي مطلقة ، تريد أن تعيد تسجيل نفسها في الجامعة ، و هجرت المهنة منذ سنة تقريبا.

سألته مشاكسا (و فضولا أيضا) عن كيف كانت في الفراش؟ قال أنه لم يشاهد مثيل لها. و سرح قليلا...
و لكنه سرعان ما ألقى بماء بارد على حينما قال ( و هذه هي فحوى التدوينة بالمناسبة) : البنت كانت بتصرخ من السعادة و احنا مروحين ، مش مصدقة إنها قابلت ناس كويسين كدة( الكلام من لسانها) و انها ما بتلاقيش ناس تسمعها و تتكلم معاها و تفَهّمها حاجات كده من غير غرض تاني.

أصبت حينها في مقتل ، فالفتاة لم ننفك نتضاحك بشأنها – و إن كنت أقلهم – و خاصة بعد رحيلهما.
اتصلت تليفونيا بصديقة كانت حاضرة ، أخبرتها ما عرفت عن الفتاة و أنها قالت عنا ما قالت وكيف سعدت بلقيانا، فشعرت هي أيضا بخجل شديد، و قالت أنني يجب علي إعلام نجلاء" إننا مش كويسين كده زي ما هي فاكرة خالص" .

مرت أسابع و طلبت من صديقي أن يدعو نجلاء و يأتيا لبيتي في عزومة غداء عادية ، و قررت التعرف أكثر علي الفتاة ، و علمت أنها تحب شخص ما، و لكنه شاب محافظ فيما يبدو ، و أنها "حصلت ظروف خلتها مش بنت" – هكذا قالت – و أن لها تاريخ لن يعجبه بشكل أكيد ، و لا تعرف كيف تواجهه بذلك قبل الزواج. فهي لا تريد خداعه بشأن ماضيها.
و تحدثنا عن أشياء تافهة كثيرة ، و مسامرات حياتية يومية معتادة . و لكنني لم أستسغ جهلها المدقع بأي شيء له أية صلة بالكتابة أو الفن ، فهي حتى لا تقرأ الصحف فيما يبدو ، و زاد الطين بلة حينما وقفت أمام لوحة معلقة مهداة لي من صديق تشكيلي ، فسألتني أسوأ سؤال ممكن: “ هي اللوحة دي بتعبر عن إيه؟"
و طبعا حاولت أن أشرح ، فاكتشفت أنني أنا نفسي لا أعرف!
سألتها : نجلا .. إنتي ما يتقريش؟ عمرك ما خدتي كتاب و قريتيه؟
و لأول مرة ترد بنوع من الحدة: كتب ايه بس يا عم؟! احنا في بيتنا مافيش وقت للكلام ده ، لو أنا موجودة في البيت لازم أساعد في مليون حاجة ، و حتى كمان لو كان فيه وقت، فمافيش مكان أقرا فيه... ما فيش حتة ليا في البيت ، تقوللي أقرا؟ و أقرا عشان إيه أصلا؟ حيحصللي إيه يعني.....؟

لم أرُد لوهلة.
لم أشعر من قبل بأنني في عالم فوقي خاص بي قبل هذه اللحظة ...
لم أشعر كم كنت بعيد عن الأرض.
و لا أملك سوى شكر نجلاء على إظهار سوءاتنا بهذه السرعة.
و ليس في يدي سوى حقيقة ما أنا عليه ، و رغبتي في تغييري...
بل و رغبتي في نزع اللوحة التي اشتركت أنا و نجلاء في عدم فهمها. ـ



ـ"فن، حياة، و أشياء أخرى "
لـ بريت وايتلي


01‏/07‏/2007

تان تان


بائع الصحف الكلاسيكي الذي أفضله ، كنت قد مررت من أمامه صدفة عند أحداث القضاة في ٢٥ مايو ، ووجدته معلق لمئات من ملصقات "يحيا العدل" تلك الخضراء بالنجوم الصفراء ، علمت مؤخرا فقط أنها كانت لشايفنكم الناشطة وقتها . و لكنني لم أكن مضطلعا بالأحداث بشدة ، و لكنني أحببت تعليق الملصق على السيارة ، فسألته واحدا ، فأخذ يقلب المكان رأسا على عقب ، و استمر رغم الحر الشديد ، و رغم أنها المرة الأولى التي يراني ، في البحث و التنقيب ، و لكنه نظر إلي بيأس معلنا نفاذ ما عنده منه ، و أخذ يعتذر بشدة.
راقني الرجل ، و أصبحت كلما كنت في حيه أشتري منه الصحف و الكتب الجديدة ، إلي أن مررت يوما ، و بينما أطالع المجلات اقترب مني بعدد من تان تان ، و قال و البسمة تعلو وجهه : “شوف يا استاذ؟ طبعوها تاني"..
أمسكت منه عدد" تان تان في معبد الشمس" ، قلبت صفحاته ، كان جديدا مصقولا ، و رقم الإيداع يعود لعام ١٩٩٥ الطبعة السادسة. لدار المعارف.
قلت : ده مش جديد ولا حاجة ، دي يا إما إعادة طبع ، يا إما كانوا مخزنينهم من زمان.
قال: لا يا استاذ ، دول بعتوا لي المجموعة كلها ، بص؟ "سر الخرتيت "، "الكرات البللورية" ... كل حاجة! و كمان دول ...!!
نظرت مشدوها ، فكانت في يديه كل أعداد استريكس و اوبليكس ، بالعربية ، و جديدة لامعة...
تعجبت من الرجل ، كان يعرف كل الأعداد ، عن ظهر قلب ، بل و أخذ يعطيني نبذة عن كل قصة منهن. و عجبت لبائع صحف على ناصية شارع قاهري ضيق ، هو في نفس الوقت متعاطف و داع لمؤازرة القضاة ، و من معجبي تان تان و استريكس.


تان تان ، رغم كل ما يؤخذ عليه أحيانا ، فهو عمل فذ في رأيي ، مليئ بالتفاصيل الممتعة ، و الشخصيات التي كلما عرفتها أكثر ، كلما اغرمت بها. و حينها قررت شراء أعداد كانت تنقصني في صغري ، و رغم السعر المرتفع (٨ جنيهات) فقد اشتريت كما لا بأس به.
و أول ما فعلته هو التصفح السريع بحثا عن "كابتن هادوك" قبطان أعالي البحار ، فكل قاريء لتان تان يعلم أن "هادوك " كان سكيرا عتيدا ، و يشرب نوعا مفضلا من الويسكي. و لا يمانع في النبيذ .
و لعلمي أن الموجة الدينية الحالية التي أكلت البلاد قد لا تستسيغ طبع و نشر شخص كهذا – مهما كانت شخصية "هادوك" نبيلة و طيبة – فقد ساورني القلق على مصير الرجل ، و لكنني اكتشفت أنه يشرب الويسكي لا زال ، و لا زال يسب " ألف ألف لعنة!" ...


تشوب الروايات شبهة عنصرية ما ، نعم و بعض من أرستقراطية أيضا ، لا أنكر ذلك ، و عادة سكان البلاد الاخرى فيها لهم طباع دونية ، و عادة ما يظهرون كخدم أو لصوص ، أو ما شابه. فضلا عن اتهام الروايات بمعاداة المرأة ، فلا توجد شخصية أساسية واحدة موكلة إلى امرأة ، و إن ظهرت مرأة فيحدث في أقل سياق ممكن ، و تستثني الشخصية الأساسية الوحيدة في إحدى الروايات : بيانكا كاستافيور ، مغنية الأوبرا ، و هي شخصية مزعجة إلى أبعد حد.


و كانت لقصة "بيانكا كاستافيور" دورا كبيرا في ترسيخ صورة تقليدية ضبابية عن الغجر في مخيلتي كطفل. و عن ميلهم للسرقة و الاحتيال ، و حياتهم المخيفة ، وقد احتجت إلى سنوات لأغير من ذلك ، و انقلبت للعكس ، لشخص مهووس بالغجر ، في مصر بالذات ، و تراثهم. و رغم ذلك أذكر لتان تان أنه علمني معنى كلمة غجر (و إن كان منقوصا) و أنا بعد إبن ١٠ سنوات.

الدلاي لاما ممسكا بعدد (تان تان في التبت) ـ

و لكن يمكن دوما النظر لتساؤل تعالي هيرجيه على الآخر (لاتيني -هندي – غجري ) في بعض المواقف كنوع من الضرورة الدرامية ، و في النهاية لا يمكن مطالبة أي فنان بأن ينهج نهجا أخلاقيا أو إرشاديا في أعماله ، و لا مانع من قراءة هيرجيه حتى و إن كان فاشيا فعلا كما يقال ، و إن كنت لا أوصل الأمر لذلك.

لا أستطيع القراءة بالفرنسية ، رغم أنني أصبحت أفهمها بعض الشيء ، إلا أنني أفضل أن أقرأها بلغتي الأم العربية ، خير من الانجليزية الوسيطة ، و لم تواتني أية شبهات في الترجمة ، أو أي شبهة ترقيب أو تنظيف أخلاقي للعمل ، كما أصبح يحدث في ميكي ، من تسرب عبارات سماوية مثل : “ السلام عليكم" ، و " إن شاء الله".
لا أقرأ ميكي كثيرا الآن للأسف ، و لكنها منذ تحولت للشركة الجديدة ، و المحتوى المترجَم لا يروقني ، و قد لاحظت اتجاها غير مطمئن في لغة الكتابة في عدد أو اثنين وقعا في يدي ، و أرجو أن يكون الأمر عارضاً.
في تان تان قد يتم استبدال لفظة نبيذ بالـ "مشروب" ، و لكن عند الضرورة الدرامية فللنبيذ اسمه ، و للويسكي اسمه ، و لا غبار على ذلك ، فالطفل أو المراهق الذي يقرأ ، ذلك الذي دوما ما نرى أن علينا "حمايته" و " تربيته" فلا مانع من أن يعلم أن هادوك الثري الرهيب ، الذي يعيش في قصر "مارلي" ، يعاقر الخمر . علي الرغم من أن تان تان نفسه لا يشرب.




في قصص ملحمية كهذه ، لا أعلم لماذا عادة ما يكون البطل أقل الشخصيات جذبا لي ، فتان تان بالنسبة لي متذاك ثقيل الظل ، فرنسي/ بلجيكي بشكل معصب ، لا يخطيء ، و لا يخاف .. و الحق هذه الصفات تقلل من أسهمه كثيرا، قياسا إلى من أقرأ الحلقات لأراهم : بدآ من "تيك و تاك" نهاية إلى "نستور" الخادم المطيع ، مرورا بـ " برجل" ، "ميلو" ، "فاجنر" و آخرين.



نفس الأمر بالنسبة لميكي ، فذاك الميكي ، ناهيك عن كونه فأرا ، الذي هو أمر سخيف في حد ذاته ، فهو شديد الألمعية ، و اداؤه أقرب للحاسب الالي ، و بالكاد ترى فيه عيبا واحدا ، بعكس الشخصيات الأخرى في عالم ديزني ، فبطوط يمتلك سحره كله من عصبيته ، و كسله الدائم ، و حبه المستحيل لزيزي ، و بندق مشاكله المتكرره تجعله أكثر نبلا و جمالا ، أما العبقري دهب ، فلا حديث عنه ، و أظن أن شخصية دهب مقتبسة من شخصية "سكرودج" البخيل في رواية ديكنز القصيرة " ترنيمة عيد الميلاد" أو " من وحي العيد" كما تسمى أحيانا.

و مسألة الشخصية الاساسية و الشخصيات الفرعية التي تكاد تكون أكثر جمالا و أثارة لا تنطبق علي الكارتون و القصص المصورة فقط ، بل تتعداه لملاحم أخرى - و لا أتحذلق ، و لكن فقط خطر في بالي - ففي الأدب القديم " أوديسيوس" ليس من يغريني لقراءة ملحمته ، بل عشرات الشخصيات و القصص الهامشية الاخرى ، و مسألة رحلته ما هي إلا إطار واسع لسرد حكاياتهم في رأيي .
و يتجاوز الامر للميثولوجيا الشعبية ، فأبو زيد الهلالي ، و الزناتي ، ليسا أكثر من خط ليجمع قصصا أخرى ، كقمصان ، و الجازية ، و آخرين. و هم الأقرب لي ، و الذين أتذكر بهم القصة.

بل و حتى ملحمتي المفضلة في الطفولة "حرب النجوم" فـ "لوك سكاي ووكر" سخيف ، و بارد ، و متوقع دائما ، و لكن قد هُوس شباب العالم لعشرات السنين برفاقه : “آر– تو" ، "تشوباكا " ، " جابا" .. و عشرات بل مئات آخرين.

أعنى أن القصص تلك مثل حياتنا العادية اليومية : عادة بطل القصة و قائدها الكبير الالمعي المسمى على الأغلفة و الصفحات الأولى ، هو بالكاد يؤثر ، و لكن من حوله هم فحوى الأمر ، فعند افتراضي أن تان تان قد يزول يوما ، و قد يأت بدلا منه آخر ، حينها سيبقى رفقاؤه هم قلب الحكاية و السبب الرئيسي لاستمرارها ، قد يسيطر لوك على المجرة جاعلا إياها جمهورية ، و قد يحرر أستريكس بلاد الغال من الرومان و يحكمها بشرابه السحري ، و لكن يظلا - مثل أسماء أخرى - هم أبعد الناس عن قلب الحكاية ، و عن قلوب الناس كذلك...
و لعلي أهذي مرة أخرى.


إضغط هنا لتحميل روايات "تان تان" بالعربية في صيغة (بي . دي .إف)
إضغط هنا لتحميل روايات" أستريكس و أوبلكس" بالانجليزية في صيغة (بي . دي .إف)
اضغط هنا لتقرأ الأهرام! ـ
المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO