15‏/02‏/2006

عن الفرحة ومآسٍ أخرى

أخيرا هدأت المدينة. اكتسحت الأمطار سكانها إلى منازلهم و اصطفت المنازل بدورها في المشهد الرمادي الرزين. الآن أستطيع اجترار الأيام الماضية وادعاء أن شيئا لم يحدث.
الآن أستطيع أن أعبر الشارع الفارغ دون أن تستوقفني مشاعرهم الوطنية مستنكرة "ماذا، ألا تحمل علما وتلوح به أو تغني للوطن أو تضحك حتى الإغماء؟ ماذا، ألا تقفز في الهواء وتشعل النيران وتسد نهر الشارع مع إخوانك في القضية؟ ماذا؟ ما معنى: لم تشاهد المباراة من الأصل؟؟"

يوم شتوي مشرق معتدل ، كأنما أعدته خصيصا لجنة تنظيم كأس الأمم الإفريقية... أستيقظ بصعوبة بعد ليلة أرق لتسليم عملي في الطرف الآخر من المدينة ... أحاول استجماع أفكاري وتأتيني شذرات من حوارات البارحة ... غرقت العبارة ... راح في الحادث 1000 مواطن... عملية فساد متعددة الجنسيات ...لم نستطع مقاومة إغراء أن نشارك هذه المرة أيضا ... القبض على قبطان سفينة أخرى لم يغامر بحياته وحياة ركابه لمحاولة إنقاذهم ... أقرباؤنا استقلوها من خمس سنوات واشتكوا من سوء حالتها... أشرب الشاي بتعجل وأجهز أوراقي ... سيمر صديق ليقلني في طريقه ...

وصلت بعد الميعاد بساعة ونصف، إذ استغرق مرور شارع صلاح سالم ما تستغرقه عادة المسافة من القاهرة إلى الإسماعيلية. "أخ، إزاي نسيت، ده احنا النهاردة بنلعب..." واتصل بأخته للاطمئنان على وصولها للمدرجات سالمة، فأجابته أنها في المنزل. "تخيل، معاها تذكرة، ووقفت قدام الباب من الساعة اتناشر، ومادخلوهاش!"...شكرته ونزلت.

أنهيت المهمة وفي طريق العودة استقللت تاكسيا... آخر الشوط الثاني في الراديو... تعلمت أنني عندما أفيق على جملة "جون غريب غريب غريب" أو "غلطة قاتلة" يكون العدو قد أحرز هدفا في مرمانا، ووجب علي إطلاق صرخات الألم كأنما انتهك شرفي أو فقدت منزلي أو علمت للتو أن عمتي فاطنة لاقت ربها وحيدة بمنزلها بالصعيد الجواني. المسألة أن الأمر انتهى بـ"جون جميل جميل جميل" لصالحنا، وبدأت الهستيريا. كنت على وشك مطالبة السائق بالكف عن إصدار اللحن المقيت من بوق سيارته عندما فوجئت بجحافل التتار تغزو نهر الشارع والزغاريد تنطلق من المنازل والفتيات يخرجن من العربات مهللات والناس تكلم بعضها في انتشاء والقبعات الملونة والوجوه المصبوغة والغناء... استعدت مشهد كرنفالات أمريكا اللاتينية وخروج الناس إلى الشارع في تحية للحياة وتحد لكل ما لم يأت بعد وفرحة رغم الكوارث وصعوبة الظروف.أفقت من رؤاي على صوت السائق يسب ويلعن. شباب المستقبل يسد عرض الشارع ويجبر السيارات على التوقف ومشاركته نشوته والهتاف باسم الوطن. أنظر للوجوه حولي وأتذكر حواراتي مع أفراد العائلة وسائقي التاكسي وزملاء الدراسة والعمل في محاولة لمعرفة "من يريد البقاء ومازالت البلد تعني له شيئا" وكانت الإجابة: شخص واحد. جدي الضرير. يصلني رنين الهاتف بصعوبة وسط الضجيج: "تخيل يا أخي؟ كل دول غرقوا والبلد مش في حالة حداد؟ ده برة لما يموت 20 مواطن في كارثة زي دي ينكسوا الأعلام في سفاراتهم في الخارج! أنا مش فاهم حاجة خالص!!" اعتذر لصديقي الذي عاد من الخارج منذ سنوات لكن لا يفهم بعد، ووعدته بالاتصال من مكان هادئ. مرت عشرون دقيقة دون أن نتحرك مترا للأمام. في خطوة يائسة، ذهب سائق السيارة المجاورة للمتجمهرين ليخبرهم بوجود سيدة على وشك الولادة في مؤخرة صف العربات، لكن أحدهم أجابه بالبصقة الطويلة وتلويحة اليد الشهيرة التي تعني باللغة الدارجة "في داهية!". بعد مرور نصف ساعة استطعنا الوصول لشارع جانبي نفلت منه إلى منطقة نستها الوطنية فتمكننا من الوصول لمنزلي في ثلاثة أضعاف الوقت المعتاد فقط. على البسطة قابلت جارا لي يعمل بالصحافة أخبرني أنهم علموا أثناء تغطية الحدث أن الهيئة المنظمة للدورة عينت في بداية الأمر مشجعات يدهن وجوههن ويرتدين القبعات الوطنية ويلوحن بالأعلام اقتداء بمشجعات الدوري الإنجليزي والأسباني والفرنسي، فيستدرجن أبناء الطبقة الراقية التي لم تشرف ملاعبنا المتواضعة من قبل: "يا ابني ده كان فيه عربيات بورش!"

ظللت أياما أبحث عن حادث العبارة في الإعلام المحلي أو المحادثات اليومية وظننت أنه قد طمسه النسيان. لكن ظلما ظننت، فبعد أسبوع، عندما أنعم الله علينا بالفوز العظيم، قامت الصحيفة الرسمية بلفتة تدمع لها الأعين، وصرحت أن الفوز قد " خفف حالة الحزن الناتجة عن غرق العبارة". حاولت استرجاع "حالة الحزن الناتجة عن غرق العبارة" فلم أجد سوى شارع بألوان العلم، وأبواق سيارات تقض مضجعي حتى الساعات الأولى من الفجر، وصوت مراسلنا في الملاعب يصرخ: "أنا مصر عندي أحب وأجمل الأشياء

هناك 9 تعليقات:

  1. المشكلة اني لما حاولت اكلم في الموضوع كانت الاجابة الوحيدة اهو ده طبع المصريين :بيموتوا في النكد

    ردحذف

  2. :)

    على فكره المفروض يلموا الاقليه الحقوده النكديه اللي زينا دي ويحرقوها
    عالم اعوذ بالله يا اخي
    انتا ادري ولا الست نانسي عجرم في اغنيتها الاشهر اللي مش فاكرها
    كل سنه ونتا مصري

    ردحذف
  3. :)

    شكرا يا عم مالك ع التعليق، إلهي يرفع معنوياتك كمان وكمان

    على فكرة نص الأغنية "كل سنة
    ونت متنيل بنيلة كدة ومهيص على روحك ومبسوط بالسلطانية إلهي ماتعدمها ياللي ضحكت علينا الأمم ولسه بتضحك"
    بس ما بتجيش في التلفزيون... بتيجي في الودان الخربانة إللى على رأيك عايزة الحرق

    ردحذف
  4. مقال جيد لكن انا لدي بعض التحفظات
    على اسلوب تبكيت المصريين لانهم لم يحزنوا بما فيه الكفاية و كانهم لا يعيشون حياة كارثية بالفعل
    انا سادعي ان من هللوا و رقصوا في الشوارع هم المصريين المطحونين الذين يواجهون الفقر و البطالة و الجهل و اكثر. هؤلاء بالفعل يبحثون عن الفرحة بالمجهر ولا يجدونها اطلاقا لا يجدونها ..
    لا يجدون سوى دولة غاشمة و دين اغشم
    لقد ضاع المصريون من الهم و الغم ضاعو و انتهوا و اصبحوا اشباح و هوام يملؤون الشوارع و لا تسمع منهم و لا حتى كلمة امتعاض لانهم يعرفون ما يواجهون و مستسلمين له

    فلما يفرح المصريين و يتذكروا انهم وطن مثل اي وطن و لهم علم و قومية و يفرحون بعد هم و حزن عميق نبكتهم و نلومهم على فرحتهم

    ليس هذا دور المثقفين في رايي , و لهذا يكره رجل الشارع المثقف المتعالي الذي ينظر للناس من برج عاجي و لا يحاول ان يحلل اسقامهم و اوجاعهم, ناهيك ان يسعى لاستثمار صحوتهم لتعرفهم بوطنهم و هويتهم و حضارتهم

    مع خالص احترامي

    ردحذف
  5. Thutmose :

    لدي تعقيب أيضا، الناس الذين ابتهجوا في الشوارع، كان أغلبهم إيه-كلاس، مش مطحونين ولا حاجة، شباب بعربيات فارهة، و بنات مزز، قامو بإغلاق شوارع: النزهة، سيتي ستارز، الخليفة المأمون، حسن المأمون، و المنظر واحد، سيارات تغلق الطريق بالعرض، و كان منهم ضباط شرطة!! اما الغلابة المطحونين فليس لديهم ترف السهر للفجر و التهييص وسط دخان الحشيش الذي تشمه من كل السيارات تقريبا، الدولة الغاشمة؟! انها تسهم في التغييب، و لم الشعب مثل الفراخ على حاجة تلهيهم،
    الشعب عن بكرة أبيه يرتدي العلم و يهتف - مصر - مصر - لكن كام واحد مستعد ينزل الشارع لعلاج أزمة ما؟

    كان كام واحد فو وقفة ضحايا العبارة، أو المجزرة؟ أو أي حاجة؟
    من 70 إلى 150... بس

    ردحذف
  6. اخي المصري
    انت تعتقد و لك كل الحق ان فقراء هذا الوطن لم يشعروا بالفرحة لانشغالهم عنها و هذا راي قد اجادلك فيه لكن
    حتى من هم اغنياء و يركبون سيارات فارهة و يدخنون الحشيش هم مواطنين و ان كانوا مصابين بالعديد من الامراض التربوية و الاجتماعية و حتى الانسانية فانا لست ضد ان يعبروا عن فرحتهم كل بطريقته و بالفعل قد تستغل الدولة هذا الحدث لالهاء المواطنين لكن صدقني الدولة لا تستطيع زف حدث سار للمواطنين اخر بروعة هذا الحدث الذي سادعي انه كان بفضل المصريين و ليس بفضل الدولة
    و لكن لما لا يستغل متعلمون او سياسيون هذا الوطن الحقيقيون هذا الحدث لاعادة بعث المصريين من غيبوبتهم بدلا من يتركوه للدولة لتستغله لالهائهم.

    كنا زمان نعتقد ان لا شيئ يحرك المصريين و لك هاهم قد تحركو بشكل غوغائي و لهدف بسيط و لكنهم تحركو
    فلنفكر في محاكاة هذا الحدث في شيئ يفيدهم حقا , هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه كل صاحب قلم او فكر او راي داخل هذا الوطن

    فهل نحن قده زي ما حسن شحاته كان قد ان ياخد الكاس ؟؟

    ردحذف
  7. والله يا أخ تحتمس حيرتني... أعترف لك أن مسألة حدث بفضل المصريين ومن وإلى المصريين لم تقنعني بالمرة... حسابات سياسية واقتصادية واعتبارات أخرى أدت إلى انعقاد القمة عندنا... والكرة من أقوى محركات الناس في بلادنا... وسيلة شرعية للبهجة والكراهية والتنفيس عن جميع أنواع العواطف بشكل يفهمه الجميع ولا تلومك عليه الدولة بل تشجعك في دوامة التعصب والانتصار الأبله...
    تريد من السياسيين والمتعلمين أن يستغلوا هذا الحدث لإعادة بعث المصريين من غيبوبتهم لكن تلك الغيبوبة بعينها يا عزيزي الفرعون...حركتهم الغوغائية تلك التي تستبشر بها خيرا هي طابور آخر شرعي لا خلاف حوله تباركه الحكومة وقوى الشعب المتعاركة والمجتمع الدولي...

    ليست محاولة للتبكيت وإنما لوضع "تحرك الشعب" في سياقه... وحادثة العبارة في سياقها

    ردحذف
  8. غير معرف2/23/2007

    Where did you find it? Interesting read » » »

    ردحذف
  9. غير معرف3/16/2007

    That's a great story. Waiting for more. »

    ردحذف

المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO