16‏/09‏/2009

حول المشاعر

أشياء عدة لا افهمها في مجتمعنا القاهري العريق ، أظن أن أهمها هي مسألة "إيذاء المشاعر" التي لا انفك أقرؤها في اماكن شتى مؤخرا.
لا أعرف معنى أن تسن قوانين بناءا على "مشاعر" ما ، فمثلا أعرف من خبرتي أن مشاعري تجاه فتاة مثلا تنقلب من النقيض للآخر خلال فترات وجيزة ، بل و أن مشاعري تجاه أشياء بعينها لا أعرف كيف أحددها أو اوصفها.
و فرضية أن هناك مشاعر عامة هي فرضية مضحكة جدا، و الانطلاق من أن مشاعر المشرع بالطبع ستتماشى مع مشاعر من سيطبق عليهم قانونه الجديد هو خطأ جلل في رأيي.
إن افترض احدهم أن الجهر بالافطار مؤذ للمشاعر بالنسبة للصائمين، فما قولهم فيمن يسعدون لذلك ايمانا منهم انهم يستحقون ثوابا اضافيا، مثلهم مثل انتحاريو البلح الدين يقفزون فوق السيارات عارضين البلح المجفف ساعة الأذان؟
الحقيقة، انني لا اناقش صحيح الدين أو غريبه، لكنها مسألة انسانية بحتة.
فانني اتأمل.
محلات اديداس تستفز مشاعر فريق الكرة مدرسة احمد تيمور الاعداية بنين لانهم لا يملكون ثمن احذية اللعب المغرية هناك.
و اعلان قناة القاهرة و الناس على الدائري يزعج مشاعر سكان الخصوص و المرج الجديدة ، لأن شوارعهم لم تصلها الاضاءة بعد.
و مكتبة الديوان تؤذي مشاعر الكثير من القراء، لانهم لا يستطيعون القراءة باللغات الاجنبية كما يفعل البعض.
و اضراب عمال القمامة في الجيزة يستثير مشاعر أغنياء المهندسين لان رائحة الشارع تتسلل اليهم رغم اجهزة التكييف .
و كلبي الصغير يستفز مشاعر الناس في الشارع كلما تجولنا لسبب أجهله.
و اعلانات الفياجرا في صيدليات وسط البلد تنهك مشاعر الشباب الذين لم يختبروا اعضاءهم التناسلية بعد. و ينتظرون اللحظة.
و البرنامج التقدمي لا سوستا ينبش في مشاعر ضيوفه من أجل اضحاك المشاهد ، و ان كان هناك من الضيوف من يستحق ذلك.
و تاجر البانجو يعذب مشاعر تاجر الحشيش لانه يصنع بديلا اقتصاديا و يحط من ذوق المشتريين .
و حمامات سيتي ستارز ترهق مشاعر ذوي الاحتياجات لأنها غير معدة لخدمتهم.
و غالبية افلام الصيف تبكي مشاعر اي سينمائي يحترم نفسه.
و هدم واجهات منازل وسط البلد و هليوبوليس تخلخل مشاعر اي مهتم بالمعمار.
و مريم فخر الدين تحرج مشاعر ذويها كلما اطلت في الفضائيات

الخلاصة أن مسألة الـ "مشاعر" هذه تختلف من شخص لآخر و من مجتمع لآخر، بل و حتي في المجتمع الواحد فهي تختلف بحسب الزمان و الظرفية. و بالتالي مسألة سن قوانين معتمدة علي المشاعر هي مسلك غير مسؤول تماما في رأيي و فيه أنانية ما من الفئة الداعية له. و في مسألة المشاعر جرت العادة على استخدام التوعية لجميع الفئات كحل أمثل ، و إن وضع كل منا نفسه محل الآخر أيا كان فسيفهم أن المشاعر حينها ستتبدل أيضا.
منذ لحظات تركت حاسوبي لتوديع صديق في الشارع على قارعة الطريق، مرت فتاة وبجوارها ما بدا أنه أبيها، كانت ترتدي فستانا من قطعة واحدة بنفسجي اللون و كان قصيرا جدا، يمكن ان حدث و مر قدر قليل من الهواء أن يكشف عن ما جاهدت لإخفائه (ادعوها ان كانت تقرأ المدونة أن تتواصل معي عبر البريد الالكتروني)، المهم انها قد استثارت مشاعري، فبحلقت أنا بعضا من وقت ثم اكملت وداعي للصديق. و رغم انني لم أكن صائما (لي رخصة شرعية للافطار حتى لا اتهم بالمجاهرة بالافطار في مكان عام هو شبكة الانترنت) و رغم أن صديقي لم يكن صائما أيضا (لا اعلم إن كانت لديه رخصة شرعية أم لا ) إلا أنني رغم استثارة مشاعري فقد استمتعت بالمنظر للحظات.
المغزى من القصة السابقة الهامة جدا أن تحريك المشاعر لا يشترط أن يكون سلبيا أبدا، و لكن الخوف من ان تتبدل مشاعرنا (ربما عاداتنا و ميولنا كمجتمع) هو ما يهوس و يرعب المحافظين الداعين لمنع المجاهرة بالافطار او منع الزنا بالتراضي و ما شابه هذه الأفعال.
ان التلذذ بالرضوخ للعادات، و قمع النفس و الاقربون بحجة الدين/العروبة/القومية، هي صفة شرقية بحته، يمارس فيها الأغلبية قمعا لا اجد له مبررا و استغربه حقا.
فلا أدري كيف تفترض الأغلبية أن اقلية الأقلية تؤذي مشاعرها؟ و كأنه إن لم يعش الجميع تحت وطأة مسلمات واحدة و نظرية واحدة للتعايش فهناك خطر جم علي الاكثرية. إن زراعة البروكولي لم تؤثر بالسلب على زراعة القنبيط، و مزارع البيبي كورن لم تقلل من فدادين الذرة الشامية. - اعرف ذلك لان البيبي كورن تزرع في مزارع البطاطس-
و بالحديث عن البطاطس، أؤكد أن أمي امساها الله بالخير لازالت تقلي البطاطس العادية في المنزل، و ليست أبدا من الاقلية التي تشتري الفارم فريتس.



05‏/09‏/2009

و عَبَــــر...

بينما كنت اقود سيارتي متجاوزا شارع القصر العيني ، و تماما عند تقاطع الطرق الخاص بمستشفى القصر العيني. شاهدت شابا يعاني لكي يقطع الطريق.
تأملته فكان شابا رث الثياب، بقميص مفتوح يتدلى منه شيئ ما، بينما اقود ببطء كانت زاوية السيارة قد بدأت في الكشف عن أن الشاب الذي يعبر الطريق قد وُضعت ضمادة تلف جذعه بالكامل من تحت قميصه ، و منها خرجت أنبوبة تتدلى متصلة بكيس من المحلول الطبي الذي يحمله في يده.
كان يحاول بألم شديد عبور الشارع ليصل لمستشفاه، لم أتبين حقيقة الوضع إلا بعد تجاوزه بسيارتي بقدم أو أكثر ، توقفت و حاولت النزول، و هنا حدث دوي و صراخ من سيارات الشارع من خلفي، هدير مرعب أعادني لغلق الباب، تحركت ببطء و قلت ربما اكبح السيارة على مبعدة أمتار قليلة و أعود للشاب، لعلي مساعد في شيء.
فعلا ، و عند أول رصيف بعد التقاطع توقفت و نزلت عائدا نحو الشاب الذي كان و قد أصبح في عرض الطريق يجاهد للعبور بتؤدة.
و بينما أسير تضاربت في عقلي الأفكار: ماذا يمكن أن أقدم له؟ هل اوصله ، حتى في هذا الزحام لن يكون عمليا ، فهو لن يسير لسيارتي، و لن استطيع ان أسأله ان ينتظرني لآتي اليه في محله الآن، هل أعرف مشكلته ثم أحدث أي من معارفي الأطباء؟ هل أمنحه نقودا؟ وضعت يدي في جيبي فكان معي فقط عشرون جنيها.
بينما اتجاوز السيارات نحوه وجدت في وجهي ضابط شرطة ، كان لواءا .. نظر لي بعنف رهيب و قال: ارجع عربيتك واتحرك يا استاذ!
لم أقل حرفا، التفتت و عدت لسيارتي سريعا و الضابط يلاحقني بنظراته، و بينما أدخل السيارة كان سائق سيارة من جواري ينظر لي غضبا قائلا: دي وقفة؟ اللي خبطهالك على فكرة ما كانش غلطان....خللي عند أهلك دم.
لم أرد، ركبت السيارة. اغلقت الشبابيك. و تحركت لبيتي.
دخلت البيت و أنا أفكر كم هي قاهرة مدينتنا هذه، كل على حافة الغليان، لا مكان لالتقاط الأنفاس. حالة استنفار عامة و ترقب لكارثة ما يجعلنا لا نطيق أقل المتغيرات.
تذكرت الفيلم "يدٌ الهية" ، تذكرت مشهد النهاية، البطل و أمه جالسان أمام الموقد، و القدر علي النار يغلي.
و يستمر في الغاليان..
هنا رن جرس
الباب في بيتي ، كان طفلا صغيرا يعمل لدى المكوجي ، أعطاني الملابس و قال: ١٦ جنيه يا بيه.
وضعت يدي في جيبي، لم أجد سوى العشرين جنيها، أعطيتها له قائلا : خلي الباقي عشانك.




مشهد النهاية من فيلم "يدٌ إلهية"




المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO