16‏/06‏/2009

تحيـــــة


من حيث أجلس هنا ، في غرفة مكيفة و على مقعد وثير..
لا أملك لهم إلا تحية تملأ القلب..

قوات مكافحة الشغب الايرانية تطارد مناصري موسوي في طهران


تحية للملايين من الجموع ، لملايين الطلبة الذين تكاتفوا للأيام الثلاثة الماضية ، رافضين أن تستمر إيران في التقهقر في غياهب العصور السحيقة. شاقين طريقا وعرا لإصلاح بلادهم مهما تكلفوا.
تحية لفتيان و فتيات ضربوا ، و سحلوا ، و استبيحت بيوتهم من قبل رجال الميليشيا ، لأنهم رفضوا نتائج انتخابات أقر بها العالم أجمع.
تحية لشباب الحرب الاليكترونية الذين سطروا تاريخ حركتهم ثانية بثانية على المدونات و التويتر ، مما أحرج كل وسائل الإعلام العالمية التي لم تعرف حقا ما الذي يدور بطهران.
تحية للمدونين و الناشطين بالعالم أجمع الذين ساعدوا الشباب الإيراني للتخلص من الرقابة و جعل الانترنت هو عيون العالم على ما يحدث هناك ، إن كان هناك من يكترث حقا.
تحية لأرواح ضحايا البارحة الذين قتلوا في طرقات طهران و اصفهان علي يد قوات الرئيس "المنتخب".
تحية للمرشح المهزوم مير موسوي القائل للثوار: ارموهم بالزهور، و تحية لانصاره الذين نفذوا.

أحد أنصار موسوي يرمي الميليشيا (الباسيچ) بالورود
متظاهر من انصار موسوي يساعد أحد ضباط الامن الذين جرحوا
(OLIVIER LABAN-MATTEI/AFP/Getty Images)



و طبعا ، لا زلت أُكن احتقارا رهيبا لكل من
السيد أحمدينچاد الذي رأي ان تحترق البلاد ، و إن ظل على عرشة ، و ما لبث أن هرب لروسيا.
الحكومة الإيرانية التي اغلقت كافة شبكات المحمول ، و الانترنت ، و منعت الصحفيين الاجانب من تغطية الاحداث.
السيد حسن نصرالله الذي لم ينفك أن أرسل مئات من حزبه لدعم السيد أحمدينچاد ، و سحق الثورة ضده، فلا ديمقراطية الآن.

اليوم، اثبت الإيرانيون ، أنهم أمة من الثوار ، أمة من المدونين ..
أتمنى ، أن تستمر الثورة.





14‏/06‏/2009

حول شجـــرة

كنت في هذه الأيام، عادة ما أرجع لبيتي في ذلك الحي القاهري العتيق بعد منتصف الليل، و طالما تعجبت كيف تنقلب أحوال شارع صغير من عشية لضحاها بشكل يومي ، فبعد منتصف الليل ، يكون الشارع هادئا صامتا بلا من مار.. عربات قليلة مصطفة ، و صمت مريح لدرجة كبيرة. عكس نهاراته الصاخبة ، حيث تصطف السيارات صفوفا وقد تمتطي الرصيف احيانا ، و يزخر حينها بالمنادين و الباعة و موظفي البنوك و المؤسسات الاجنبية. بستراتهم انيقة و رابطات عنق ملونة.
و حدث في أحد الأيام أن عدت يوما للشارع قبيل الفجر بقليل، كان صامتا مكسوا بأشجاره القديمة ، كان المنظر مريحا جدا ، لا أدري ما الذي جعلني التفت للأعلى فوق إحدى الشجرات الضخمة - ربما شعور خفي بأنني مراقب - و ما ان رفعت عيني حتى وجدت على أحد غصون الشجرة بومة بيضاء عملاقة ، تنظر مباشرة في عيني.
كانت كبيرة و بيضاء بلا شائبة ، تقف على غصن خارجي، و لما كنت أعتقد أن رؤيتي لبومة بهذا البهاء هو حدث استثنائي على ان اشكر الظروف عليه، فوجدتني متسمرا في مكاني لعدة دقائق لا افعل شيئا سوى الحملقة فيها، و البومة فعلت نفس الشيء ، و كأنه اتفاق بين كائنين أرضيين أن يتفرج كل منهما علي الآخر بلا ضرر ولا ضرار.
ما لبثت البومة أن اكتفت مني ، ففردت جناحيها بشكل استعراضي ، و حلقت، كانت عملاقة فعلا و أجزم أن المسافة بين الجناحين المفرودين تتجاوز المتر بقدر ليس بقليل. دارت نصف دورة فوق الشجرة الكبيرة ثم استقرت في غصن داخلي خفي فيها.
قررت ترك مكاني و الاحتماء دارا من برد الشتاء في حينها، و اتركها تلتقط الرزق كشأنها الليلي. أخذت أفكر لماذا يكره الناس البوم؟ وفكرت فيما تفعله حينما يصل الشارع لذروة جنونه مع التاسعة صباحا، فكرت ان كان لها من ابناء او ان كانت ضمن سرب ما، فكرت انني لا أعرف كثيرا عن البوم. قلبت بعض مواضيع عن البوم في الشبكة، و خلدت للنوم.

بومة بيضاء من فليكر،
منشورة تحت رخصة


مرت أشهر ، و صرت كلما مررت من جوار الشجرة صباحا أو مساءا لابد أن أرفع رأسي متابعا فروعها العملاقة كثيفة الأوراق، و أبحث عن البومة، لكن بلا جدوى.
بعد أيام عدت فجرا لأجد الشارع مزدحما على غير العادة به حركة غريبة و مغلقا بسيارة نقل متوسطة، ما أن دخلت الشارع إلا ووجدت خللا ما في منظوره الذي اعتدته ، هناك نوع من فقدان الاتزان فيه. لقد قطع هؤلاء الرجال الشجرة.
لم اصدق ما أرى، كان العمال يجرجرون قطع خشب و اغصان خضراء كثيفة و بحملونها فوق العربة و ذلك قبل ان يبدأ جنون الشارع الصباحي. جريت نحو أحدهم.. سألته عمن هم ، و لماذا يفعلون ذلك، قال:
- احنا البلدية يا باشا، و عندنا مأمورية نشيل الشجرة.
وجدت أنه من صميم العبث أن اخبره أن بعض اشجار هذا الشارع وجدت صورا لها منذ ثلاثينيات القرن الماضي، فمن تحسبون أنفسكم لكي تأتون لازالة شجرة استظل بها المارة منذ مراهقة أجدادنا. و لكن كنت اعرف انه لا داع لمثل هذا الحديث. فقد كان جثمان الشجرة يسحل أمامي على أسفلت مترب. قررت على الاقل أن امنعهم من قطع اي شيء آخر، فهي ليست المرة الأولي التي أحضر شيئا كهذا، و لكنه قال:
-لا يا باشا ، هما قالولنا الشجرة الكبيرة اللي قدام نمرة ٣٦ عند الجامع. و بس.
بحثت بعيني عن أي اثر للبومة او أي طائر بين الفروع علي الأرض ، كان ظلاما ،ولكن رنّت كلمة "الجامع" في أذني و كان لها وقعاً ، فقد شعرت أن للمسجد الصغير في بدروم العمارة المجاورة للشجرة دور ما. قررت في اليوم التالي سؤال البواب، فقال:
- آه ، ماهو الشيخ قال نشيلها عشان لا مؤاخذة الطيور أوقات بتإذي الناس لما بتفرش و بتصلي الجمعة في الشارع.
- الناس بتفرش في الشارع نص ساعة كل اسبوع ، تفتكر ده سبب كافي لانهم يقطعوا الشجرة موجودة من قبل ما نتولد؟
- اهو الي حصل، هم اتفقوا و كلموا البلدية و خلاص. و بعدين ما سعادتك عارف انه لو عصفورة ولا مؤاخذة شخت على حد ، بتنقض وضوه..

ابتلعت ضيقي من البواب، و إمام المسجد، وأهالي الشارع، و قررت اعتبارها ازمة بسيطة ، فنحن في مدينة يعاني سكانها أكثر بكثير من مسألة قطع اشجارهم. و قلت أن البواب نفسه آخر مشاكله هي الشجرة من عدمها، و لا ألوم عليه.
ظل ما تبقى من الشجرة هو بضع سنتيميترات من قاعدتها في الأرض ، فلم يقتلعوها من الجذر ، و إنما ذبحوها من مكان المنبت، و هكذا كانت قاعدتها ثابتة في الشارع ليتعثر بها المارة بعد أن كانت تظللهم و تعطي كثيرا من خضار.
أيام مرت وكنت أسير نهارا فوجدت برعما أخضر ينبت من خشب هذه القاهدة المتروكة، كان اخضرا زاهيا بشكل عجيب. تذكرت فيلم إمير كوستوريتسا "Life is a Miracle" ، و تأكدت مثله أن الحياة مستمرة بغض النظر عن بقية التفاصيل و الترهات. و لكن قلت انه لا بد أن هذا البرعم أن يموت ، لضعفه و صغره و اكتظاظ الشارع بالمارة. و لكنه لم يمت ، بل نما و خرج عشرات آخرين من كل جوانب الشجرة في اعتراض سافر، و رغبة محمومة في الاستمرار.
كنت كل يوم أمر لأجدهم وقد ازدادوا طولا.. كنت سعيدا جدا، و كثيرا ما فلسف عقلي المرتبك هذا الحدث و ربطته بأمور أخرى في حياتي.

صورة رديئة التقطتها للشجرة سريعا
قبل ان يتحرش بي احد افراد الأمن


منذ يومين مررت نهارا فوجدت أحد بوابي الحي مع إمام المسجد واقفين امام "الشجرة" تلك التي كبرت براعمها في سرعة جنونية و أصبحت شجرة خضراء صغيرة ، و كان البواب يقوم بكسر الفروع الصفيرة و يلقي بها بعيدا، حينها كنت اركب سيارتي ، فار الدم في عروقي.. خرجت صافقا باب السيارة من ورائي مقتربا منهم في خطوات هوليوودية الطابع، و ممسكا مفتاح سيارتي في قبضتي معتصرا اياه غضبا.
لاحظ الإمام وجودي المفاجيء في فضائهم ، حياني فلم أرد .. قلت:
- ايه؟ حتقطعوها تاني؟!؟
ابتسم الشيخ و قال:
- لا لا.. احنا بنشيل الفروع الصغيرة عشان الفروع التانية تكبر، كده احسن.
نظرت فوجدته يقول الحقيقة .. فقد كانا يزيلان صغائر الفروع مفسحان فرصة أخرى للفروع الأكبر في التمدد.
اضاف الشيخ:
-احنا بقى مش حنقصها تاني، خلاص .. ربنا رايدلها انها تعيش.
و ابتسم.
قلت:
-ربنا كان رايدلها انها تعيش من الأول انتوا اللي قصيتوها!
اطرق الشيخ و لم يرد. و أؤكد أنه رغم عدم معرفتي به ، إلا انني رأيت خجلا شديدا علي وجهه.


09‏/06‏/2009

بلاهـــة

مقعد فارغ يشكل واحدا من خمسة مقاعد أخرى مرتبطة بقضيب حديدي مهتريء ليدعمهم من الأسفل. هذا الشكل ليس بالنادر في المجمعات الحكومية حيث أقضي ساعات لاستخلاص أوراق لا أعلم من يكترث بشأنها سوى الحكومة (تلك التي تملكها في الأساس) مما يجعل الأمر عبثيا جدا ، لكن من أنا لأقول علي اية حال.
وجدت الكرسي فارغا و ان بدا متسخا بعض الشيء ، لم اكترث و اتخذته ركيزة للانتظار.
و كان الجالس لجواري يمارس عادة مصرية اصيلة و هي اختلاس النظر لأوراقي ، ففضلت ان اكشفهم امامه بشكل واضح لأوفر عليه عناء المتابعة، و ينتهي سريعا.
لحظات و أتى شاب شديد الأناقة ، مهندم و ذو شعر مصفف بطريقة لا أعرف إليها سبيلا، اقترب من رجل ملتحي على ميمنتي و قال له:
- ممكن تملالي البيانات بتاعتي في الاستمارة؟
الحقيقة لم أتصور ان الشاب أميا أبدا ، و شعرت بالضيق من نفسي أن اتصوربالضرورة أن يكون الأُمي فلاحا بجلابية مهترئة و خاتم توقيع معلق بحبل في رقبته ، قلت أن الزمن تغير ، و المظاهر تعوض فروق كثيرة الآن. و قلت انني برجوازي (في نفسي أيضا حتي لا يسمع الآخرون).
و بينما يملأ الملتحي المتجلبب استمارة الفتى لاحظت أن الفتى قبطيا، مما جعل الملتحي يعاني كثيرا في كتابة اسم عائلة الفتى: فيلوباتير.
و كنت اتوقع أن يبدو علي الملتحي اي ضيق او تململ من مساعدة القبطي ، و لكن العكس قد حدث فقد كان شديد الإخلاص و الدأب ، و من ناحية أخري فان الشاب الأول لم يجد غضاضة في اختيار الملتحي بالذات الجالس بجوار امرأة منقبة لكتابة بياناته هو المسيحي، ربما لعادة مصرية في اعتبار المشايخ من أهل المعارف و الكلم.

ثم من جهة أخري ، كان الجالس إلى جواري شابا طويلا جدا ، و أعني انه طويل جدا، نظر إلي و قال:
- لو تحب الجيش يكرهك ، تكره الجيش يحبك.
اعتدلت في جلستي و تأملته بشيء من البلاهة، كنت ادرك أنه يريد أن يفتح موضوعا ما لقتل الوقت، فقلت انني لا افهم ما عناه، فحكى لي قصته.
كان الشاب قد تقدم مع حملة مؤهلِه تحت المتوسط لأداء الخدمة العسكرية ، و لكن تم إعلان أسماء اللذين سيتم تجنيدهم، أما هو فقد حصل علي الإرجاء.
قلت انه شيء حسن ، فالآن يمكنه استكمال حياته ، الزواج او السفر او ما شابه. و لكنه لم يلبث أن أخبرني انه حزين جدا لما حدث ، حتي انه زار أحد الجهات العسكرية طالبا تجنيده ، لكنهم رفضوا.
اعتدلت مرة أخرى ، سألته :
- طيب انت ليه عاوز الموضوع ده قوي كده؟
قال:
- يعني الواحد يبقى عسكري بردو، في جيبه كارنيه ، واقف على باب كده ، بيدخل اللي عاوز و يوقف اللي عاوزه .. سُلطة برده.. كويسة السُلطة.
قلت:
- طبعا، كويسة السُلطة.


غرافيتي لجندي له هالة
القاهرة - فنان/ة مجهول

المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO