07‏/11‏/2009

حياة

حدثت هذه الحياة من قبل..
شاهدت الجميع يهرعون لسفن مسرعة نحو بحار أخرى ، كانت البواخر تمخر عباب المحيط. و جلست أنظر و كأني لا أكترث.
كنت أكترث كثيرا الحقيقة. و لكني استمتعت بمشاهد المغادرة صامتا، متصورا أنني حكيم الآن، و متذكرا أشعارا و لوحات استشراقية منمنمة مؤكدا لنفسي أن هذا قد حدث قبل ذلك أيضا. و أنها لم تكن مصادفة أن اختُرعت الساعات دائرية، و اسطرلابات العرب الفائتين . فكم مرة شهدت الليل ينتصف، و كم مرة شاهدت السفن تبحر من مرافئها ذات ظهيرة باردة.

-

قالت : صه، استمع...
كان هناك صوت طائر متوحد تماما، يغني لحنا معقدا في رتابة جليلة. نظرت لأعلى لم اتبين سوى اشجار شاهقة، و حافة محيط هادئ إلى ميمنتي. نظرت فلم تكن بجواري. كانت تجد السير نحو شيء ما.
الآن .. صوت قدمَي على أوراق الخريف ، و صوت الطائر.. و لا شيء سوى ذلك.
أذكر جيدا أنني توقفت. شممت رائحة أشجار عتيقة لا أعرف لها اسما. و سمعت صوت طائري هذا برفق. و هي كانت تختفي في درب صغير بين الشجيرات من أمامي.
هنا كانت كل المدن و الأغاني و الكتب و الأفلام و الأصحاب و المسارح والعشيقات و المدارس و الصحف السيارة و المطارات و الحروب و المدونات و الخرائط القديمة تبدو أقل شأنا من ورقة يابسة من تلك التي أخطو عليها رويدا.
كانت كل السنوات الفائتة محض عبث ، و كانت أشجار الغابة هذه تبدوا و كأنها استنارت بذلك منذ ملايين السنين .
و بعكسنا نحن بني البشر، كانت قد قامت باختياراتها منذ بدء الحياة.
في تلك الغابات يحدث أحيانا أن تظهر بحيرات صغيرة جدا، شاءت حكمة الأرض أن يكون عمر هذه البحيرات قصير قصير، تبتلعها الأرض بعد فترة وجيزة، تستمر في التضاؤل يوما بعد يوم. إلي أن تصبح قطرة ماء في عمق الخضرة الكثيفة، ثم تتبخر.
شأن المحبين، تذوي البحيرات بقصصها و تنبت فوقها حيوات أخرى و زهور الليلك ، و تُنسى بين كثافة الأخضر الجديد. تتلاشى البحيرة، و يبقى أثر بهجة تركتها لآلاف الكائنات التي رامت حولها يوما، و للشرقأوسطي المضطرب الذي كنته، و الذي لمست قدماه آخر ما تبقى من ماء البحيرة يوما.
و صمت دقيقة ليستمع، و ربما يرى.


-

المطارات باردة بطبعها ، مكان جيد لكي يشعر المرء بالوحدة ، مكان جيد للتعارف، و للتوديع، و لنزوات عابرة ، و لكن الوحدة لا مفك منها في تلك المباني الضجيجية.
تدور لوحات الإقلاع، أشاهدها ممسكا بكوب شاي سيء في ورق مقوى.
-أ لم ترحل طائرة لندن فعلا؟ لا ... انها طائرة أخرى، لا بل هي طائرة أخرى للندن أخرى في كندا.
-أ لم تمر هذه الفتاة الخلاسية من أمامي و تسأل عن الانترنت؟ ربما هي هي نفسها. الزمن يدور هنا بشكل زنبركي محسوب. جميعنا هنا نتحرك بشكل زمبركي.
رحل عقلي عن المكان ، تذكرت كم هو بعيد هذا الطائر الآن فوق غابته.
ممسكا كوب شاي ورقي في يد، و في يدي الأخرى سترة رسمية أخاف عليها من التثني، و في جيبي الخلفي يبرز جواز سفر بداخله تتابع من التذاكر.
كم أنا مهرج في هذا المكان. فكرت.
شاهدت هندية جميلة تنظف أرضية المطار أمامي، و أفريقي رفيع يحمل بواقي المطاعم.
و سكتت.
كانوا ينادون على رحلتي ، رقم.. ثم اسم مدينة غريبة لم أزرها من قبل.
لم أسمع الانجليزية المتكسرة في الإذاعة الداخلية لبضع لحظات، ثم تذكرت انه حدث نداء ما، حملت سترتي، و جواز سفري و تركت صالة المطار .
فكرت .. يقولون أنك لا تعبر النهر أبدا مرتين، و لكنني اعبر كل مطار مرتين، اذهب لعملي مرتين، أدير محرك سيارتي مرتين، تُغِير الدولة على جارتها مرتين .. و الساعات دائرية كاسطرلابات العرب الفائتين، و الليل ينتصف في كل يوم مع اختلاف التوقيتات و المدن.
تحدث الأشياء مرتين ، و ثلاثا ، و ألفا.
و لكنني أعرف انني لن أضع قدمي على حافة البحيرة التي تحتضر مرتين .
و إن حدث ..
إن حدث ..
فهي مرة جديدة تماما بالنسبة لي الآن.




كان ذلك للفتاة التي قالت لي أن أسكت لأستمع ، فسمعت







المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO