28‏/02‏/2009

من وحي الأوسكـــار



المخرج دارن أرونفسكي ، و ميكي رورك (المصارع) *

حينما كنت أصغر ، كنت لازلت مشدوها بالسينما الأمريكية ، و كنت أظنها خير الأفلام على الأرض - الحق هذا ليس من ذنبي ، فلم أكن أشاهد في القاهرة أياً من سينما العالم - و كانت ليلة توزيع جوائز الأوسكار ليلة مقدسة لدي ، بدأت منذ مشاهدتي صدفة (على قناة ام تي في اللبنانية) - كان ذلك قبل الفضائيات - و كنا نلتقط من مدينتنا الساحلية الصغيرة عبر هوائي التلفاز ، العشرات من قنوات التلفزة الخاصة بالطوائف اللبنانية المتناحرة حينها - ولا زالت - .
و بقيت أتذكر سماع خطاب سبلبرج على الهواء عام ١٩٩٣ عند فوزه بالأوسكار عن قائمة شندلر ، و لكن مصحوبا بترجمة فورية لبنانية. و كانت الحفلات عموما أقل ترفا و بذخا كثيرا عن الآن. و أذكر تردد المعلق اللبناني عن ترجمة جملة سبلبرج الأخيرة ، حول ضحايا الهولوكوست.

كنت حينها لا أعرف كثيرا عن حال السينما العربية - و الحقيقة لازلت لا أعرف ، أو أن الذي أعرفه لا أفهمه تماما - و لكني كمراهق كنت أتساءل : لماذا لا نصنع أفلاما جيدة "مثلهم"؟ .. ولكن بعد ان نضجت - نسبيا - و علمت القيمة الضئيلة لأفلام هوليوود ، و شاهدت سينما من كل أرجاء الأرض تغيرت حساباتي.

هذا العام شاهدت كل أفلام الأوسكار تقريبا ، على الأقل الدرامية ، و الآن و بينما أنا في سن الثلاثين لم يعد في خلدي سؤالي التقليدي : "لماذا لا نصنع أفلاما مثلهم؟" ، و لكن كان سؤال آخر : "لماذا لا نعيش حياة مثل هذه؟" ، فبينما أشاهد الأفلام ، كنت "أتفرج" بالمعنى الحرفي للكلمة ، الفرجة بمعنى الاطلاع على العوالم الأخرى الدائرة في الفيلم ، تلك التجارب الحياتية البسيطة التي لا نعيشها إلا في السفر ، و أخذت أفكر من موقعي هنا في قلب المدينة فوجدت أن أغلب قصص هذه الأفلام تستعصي على حياتي القاهرية هنا و أغلبها مستحيل الحدوث تقريبا، فلا أعرف كيف يمكن مثلا أن:

- يقيم شخصا علاقة مع امرأة غريبة جميلة ، و تكبره سنا ، قائمة علي أنه يقرأ لها الكتب .
- أو يبحث جندي سابق حول ماضيه ، و ماضي أمته العسكري .
- أو ان سأمت فتاة من حياتها ، فيمكنها أن تأخذ مركبا صغيرا في بحيرة ما في قلب مدينتها .
- و أن يدرس الفقراء في مدارسهم الرقص ، و الموسيقى جنبا لجنب مع الدين و كلاسيكيات الأدب ، صبيانا و بناتا.
- أن يناضل شخص من أجل ميوله الجنسية/المثلية، و أن تدعمه إدارة مدينته.
- أن يعامل القاتل معاملة إنسانية و يحصل على محاكمة عادلة ، حتى و إن تم شنقه.
- أن يتحرك صديقان بالقطار عبر حدود عدة، لا يحملان سوى حقيبة متاع ، و يصبحان في أي بلد تحلو لهما.
- أن تعيش امرأة وحيدة في مقطورة، و تعلم ابناها من وظيفة غير ثابتة في سوبر ماركت. أو تحول بيتها لفندق صغير بعدة غرف .
- أن يحظى سكان الحي سواسية - بغض النظر عن غناهم و فقرهم - بأقل بديهيات الحياة ، كتعليم جيد ، وحديقة صغيرة ، أو حتى مطعم رخيص يمكن الوصول اليه بالدراجة ، أو حمام سباحة عام لأهل الحي . و بالتالي تصبح لهم حياة كاملة.
- انه إذا ما سقط شخص مغشيا عليه فانه سينقل إلي مستشفى ، و تتم له جراحة قلب مفتوح ، حتى و إن كان بلا أقرباء أو تأمين.
- أنه إذا ارتكب الفرد أمرا خطأ -أو صوابا- فوجد نفسه في السجن ، فيصبح في مقدوره القراءة و الكتابة ، بل و تساعده إدارة السجن علي السكن و التوظف بعد الخروج .
- و لا أعرف كيف يعيش شخص في مدينة واحدة صغيرة ، و لا يحتاج للعاصمة أبدا ، و في مدينته يقوم بعمله و يعود أهله ، و يحضر الحفلات و يقع في الحب لثلاث مرات .
- ولا أفهم أن تعمل امرأة في مرقص للتعري ليلا، و لكنها تعيش حياة طبيعية في النهار ، و تستذكر دروس ابنها ، و تعهد به لطالبة جامعية حينما تذهب لتتعرى ، و الحقيقة لم أعرف عروض التعري من الأساس في القاهرة.


دوني بويل / دڤ پاتل (مليونير العشوائيات)

سام مندلز / كيت ونسلت ( طريق ثوري)

جص ڤانسانت / شن پن (ميلك)

چون پاتريك شانلي / مريل ستريب (شك)

وودي آلان / پنيلوپي كروث (برشلونة ڤيكي كرستينه)


كرستوڤر نولان / الراحل هث ليدجر (فارس الظلام)*


ختاما ، لابد لي أن أوضح أنني كرهت كل أفلام الأوسكار ، باستثناء فيلمين لا أكثر ، و الباقون هم أفلام تسلية بحتة , يغلب عليهم طابع تجاري محزن ، أو في ظروف أخرى لهم نكهة محافظة أو سياحية كيفما اتفق ، و حمل الكثير منهم بأفكار معدة مسبقا لمشاهد ضعيف الإمكانيات ، و محدود الرؤية إلى مدى بعيد. و لكنه يعيش نوعا خاصا من حياة ، ثم يصنعها أفلاما و يشاهدها .
و لكنها مازالت لا تحدث هنا.



ــــــــــــــــــــــــــــ
* - جميع الصور من أعمال آني ليوبوفيز ، المصورة الكلاسيكية الشهيرة لمجلة رولنج ستونز.




25‏/02‏/2009

التعلُّم

لاسباب جغرافية و مادية بحتة ، لم أحظ في تعليمي الإلزامي بالدراسة في أي مدرسة غير حكومية - باستثناء سنة في مدرسة خاصة انتقالية لا أذكرها كثيرا - حيث كنا نعيش في مدينة ساحلية صغيرة في الثمانينات - مرحلة الابتدائية - ، و كانت بالمدينة مدرستين لا ثالث لهما ، كلتاهما خاضعتان للوزارة.
الأولي في قلب المدينة ، و الثانية تطرفت في ضواحيها، و بالتالي كان قدري أن قضيت مراحل الابتدائية و الاعدادية و جزء من ثانويتي فيها. الأمر الذي اختلف عني فيه أخوتي و أخواتي الأصغر حينما تم افتتاح مدرسة خاصة تعلم الانجليزية في سنوات لاحقة ، و كانت لمدرستهم هذه توجه اسلامي مريب، فلم نكن نعرف حينها مدارس تحفظ القرآن إلا الأزهرية ، و تخرج فيها كل أخوتي و أخواتي فيها ما عداي لأنني أكبرهم.

أسوق ذلك مفتتحا ، و ابطالا لسؤال مكرر يأتيني من المرور على المدونة ، و الضاغطين على زر الدردشة ، و السائلين إن كنت قد درست في أوروبا ، أو أنني مجرد خريج آخر من الجامعة الامريكية ، و أجهل تماما سر هذا التصور الذي تكرر كثيرا فعلا. ولا أجد له مبررا سوى أنني أضع وصلات لأغان غربية. خاصة مع ضعف أعتقده في انجليزيتي و اسبانيتي و مؤكد عربيتي أيضا.

الصورة من فليكر


مدرستنا هذه كانت رائعة المعمار ، ممتلئة بالخضرة ، و تألفت من مجموعة مبان بطابقين ، و لها سقف عال جدا و مشمسة دوما ، و يقوم مستثمرو المدينة بأعمال صيانة دورية. و كنا جميعا نقود دراجاتنا للمدرسة صباحا ، فتجد صفا من عشرات الدراجات في مكان مخصص عند المدخل ، يشبه اماكن وقوف الدراجات بالعاصمة الهولندية كثيرا. و كان المدرسون يظنون - خطئا - أنني انطق عربية سليمة ، و ذلك لعادة تخليت عنها لاحقا متعلقة بتعطيش حرف الچيم ، كنت قد اكتسبتها من ثلاث سنوات دراسة أولى في بلاد النفط . و بالتالي جعلوا مني قارئا بالإذاعة المدرسية لسنوات . و باختياري رئيسا للفصل ، ثم رئيسا للكشافة حصلت على بضعة مزايا تافهة ، منها حذفي بشكل حبي من قائمة الحضور و الغياب اليومية في الفصل .

اليوم عادت إلي صور من هذه الحقبة الضبابية في عقلي الآن ، فتبدو تلك المدينة الأخرى بعيدة ، فلم تطأها قدماي منذ ١٠ سنوات ربما منذ عصور الثانوية العامة ، و ابدو انا نفسي ضبابيا كلما اجاهد لأراني شابا يركب دراجة عبر الحدائق ، في أمطار الشتاء . مرتديا منديل الكشافة ، و قبعة لا أذكر لونها ، أظنها خضراء.

مع الأحداث الأخيرة المرعبة ، أعرف مدى رداءة التعليم الذي حصلنا عليه في هذه المدرسة ، و إلي أي مدى أسهم هؤلاء المدرسون في خلق شباب جيلنا ،و الذين كانوا أصحابي الوحيدين و أثروا في أيضا ، فتكاد تكون حلقة محكمة الإغلاق على كل المدخلات و الثقافات التي تشربتها طفلا و مراهقا..لذا أحاول هنا تذكر أهم هؤلاء المدرسين ، و لسبب أجهله.



الصورة من فليكر


-مِس عبير-

لا أظن هناك شعور بالخذلان أقوى من أن يمتلك الطفل من المعرفة أكثر من مدرّسِه ، شعور بالعدمية و اللاجدوى في آن .
مس عبير ، كانت تدرس لفصول أصغر منا ، و لكنها كانت تأتينا في حصص "الاحتياطي" دائما. كانت الوحيدة التي ترتدي الإسدال بالمدرسة ، و كانت نصف مدرسات المدرسة هن فقط المحجبات في حينها.
جاءت يوما في حصة احتياطي ، و قالت أنها متعبة ، و اسندت رأسها و نامت على مكتب المدرس ، دقائق قليلة و فتحت أعينها ، و كأنما شاهدت رؤيا .
قالت: الحصة الاحتياطي مش حصة للعب ، لان الله سبحانه و تعالى حيحاسبني على الوقت اللي قضيته معاكم ، عشان كده ، لازم "تنهلوا من العلم" ، ثم وقفت و بدأت تكتب علي السبورة الآتي:
صلاة الفجر - ركعتان قبلها
الظهر - أربع ركعات قبلها
فهمنا أنها تكتب الصلوات السنن التي يجب أن نصليها ، و لكن ما فاجأني هو انها كتبت الآتي بالحرف الواحد.
سلاة الفجر - ركعتن قبله
سلاه الضهر - اربعة ركعة قبله
جعلت أبحلق في السبورة مشدوها بما أري ، لم أتمالك نفسي ، قمت و قلت : "يا ميس ، كل اللي حضرتك كاتباه غلط. ولا كلمة من دول بتتكتب كده."
انهالت علي بوابل من التوبيخ ، و طردتني من الفصل
و حتى الآن لم أعرف أبدا كيف كانت تدرس مادتها للفصول الأخرى. بإمكانياتها اللغوية تلك .


- أ. محب -

الأستاذ محب كان رجلا طبقيا جدا ، اول العام الدراسي سألنا أسئلة من نوع :
"مين باباه عنده عربية؟ مين ساكن في شقة و مين في ڤيلا؟ مين ساكن في الحي الفلاني ؟ مين اهلو بيتكلمو انجليزي ؟ مين معاه كلينكس في جيبه؟"
و بناء على ذلك قسم الفصل طبقا لاجاباته و رتب أماكن جلوس الطلبة.
و الحقيقة لا بد من القول أن المدرسة تلك كانت فقاعة اجتماعية ، لم و لن تتكرر ، فظروف المدينة الصغيرة أدت إلى أن أصبح اقطاعيوها و معوزوها يرسلون أولادهم لنفس المدرسة ، ففي نفس الفصل جلس أبناء دبلوماسيين ، و متعددو الجنسيات ، و أبناء مستثمري المصانع ، جنبا إلى جنب مع أولاد المزارعين و عمال نفس المصانع التي يملكها طلبة زملاؤهم.
و كان يحدث أن يعتذر طلبة عن الحضور لأنهم يعملون في الحقل في موسم ما يساعدون أهلهم في الحصاد ، في حين يعتذر آخرون عن الحضور لان الرئيس الفرنسي يزور مصانع عائلاتهم ، و سيرافقون ذويهم لمقابلته. هكذا كانت الأجواء.
عودة لمحب ، الرجل كان يضرب الطلبة بلا هوادة ، ولسبب ما - طبقي اعتقد - استثنى بضعة منا من العقاب المتعسف ، و كنت منهم.
كانت ممارسته الفضلى هي التعليق على الباب ، و علمت حينما كبرت أنها من ممارسات التعذيب باقسام الشرطة ، حيث يضع الطالب يديه من خلفه ، و يكون الحلق العلوي للباب بين ذراعيه و ظهره فيما تحت إبطيه ، مما يسبب حزا شديدا و ألما فائقا بفعل ثقل الجسم المعلق ، و كان إما يترك الطالب لوقت حتى يتأذى و يهتريء ما بين ساعديه ، أو يضرب باطن قدمه العاري أثناء ذلك.

لسبب أجهله ، زار محب دارنا بعد عدة من تخرجي - و أظنه أتى مع صديق لوالدي من المدينة القديمة - رفضت مقابلته و السلام عليه . غادر متأثرا ، لكنني لم أنسى بكاء الأطفال عاليا فوق الباب ليومنا هذا.


- أ. حسام -

الأستاذ حسام ، كان مدرس الدين و اللغة العربية ، و هو من ابتدع مقولة: السلام عليكم ، كتحية رسمية عند دخوله الفصل عوضا عن صباح الخير. ثم تبناها بقية المدرسون في المدرسة .
كانت حياتنا تتغير مع بداية التسعينات ، و نلمس المنحى الاكثر تشددا من الاسلام رويدا رويدا .
في يوم وقف الاستاذ حسام يحدثنا عن العادة السرية ، كان يتحدث عربية سليمة و ان كانت معدومة التأثير أو الكاريزما، قال من جملة ماقال: " هذه العادة حرام ، و من يدمنها سيضعف جسده حتما ، و يضعف بصره ، و تتكاثر الحبوب في وجهه ، و لن يعاود الانتصاب عند الزواج "
قال أحدهم (اسمه مكرم ، كتبت عنه سابقا ) : " يا استاذ انا بامارسها من سنة و ما بيحصليش اي مشاكل ، و بعدين مافيه متجوزين بيجتمعوا بزوجاتهم اكثر من مرة في اليوم ، هل بتظهر عليهم الأعراض دي؟"
قال أ. حسام: " يا مكرم لا تجاهر بالمعصية ، و تب إلى الله من هذا الفعل ، و إن كنت تقرأ أو تتابع احدث اكتشافات العلم لكنت عرفت أنه آثناء الجماع تكون فتحة قضيب الذكر مفتوحة عن آخرها ، فتدخل منها سوائل من مهبل المرأة ،هذه السوائل مليئة بالمقويات التي تعوض ما يفقده الزوج عند القذف"
همس مكرم في أذني بعد الحصة: " سيبك من اللي بيقوله ده ، ده كلام فارغ و مش علمي! انا باسرتن ٥ مرات في اليوم و باشيل حديد ، اصلا صحتي بتتحسن!"


- مس نجوى -

مس نجوى كانت محجبة حجابا يظهر أكثر مما يخفي ، فقد كانت في مرحلة الانتقال كسائر البلد . و كان الحجاب جديدا عليها و هي تشرف على العقد الرابع.
كانت تدرسنا الجغرافيا و كانت تنطق الاسماء بطريقة مؤسفة فتقول "كمبوتيشيا - Cambotishya" بدلا من كمبوديا ، و تقول حُمُّص بدلا من حِمص السورية ، و مرة كانت تؤكد لنا أن في كل دولة عربية مدينة بنفس اسمها ، مثل الجزائر و الكويت و تونس.
و من معارفي الضئيلة فكرت أن هذه استثناءات و ليست قاعدة ، بدليل أن ليس في مصر مدينة اسمها مصر ، عبرت عن ذلك ، قالت بلا تردد:" هو انت لما بتسافر القاهرة ، مش بتقول انا نازل مصر؟"
و كانت مقتنعة تماما.
السيدة عرفناها شديدة العنف أيضا ، كان لديها عصا تشبه رجل كرسي القهوة الخشبية السميكة ، أو هي حقا رجل لكرسي قديم ، غليظة جدا ، حتى ان الضرب بها على اليد لن يجدي كثيرا.
كانت تضرب بها على الرأس.وبشكل مباغت.
و حدث مرة أن نزف طالب من منبت الشعر في رأسه من جراء ضربة واحدة خاطفة.
أتانا بضمادة أعلى رأسه في اليوم التالي و بجواره أبيه واعداً المدرسة بان ابنه لن يكرر خطأه ، و طلب منه أن يعتذر لها ، قالت : "مش حاقبل اعتذارك ، بس من هنا ورايح تذاكر ، و نبقى نشوف"
الحقيقة هي ضربته ونزف لانه لم يعرف اجابة سؤال منهجي أبله.


الصورة من فليكر


على الرغم أنني أنا شخصيا كنت من أقل المتعرضين للعنف الجسدي ، أو اللفظي في المدرسة ، إلا أنه قد ترك في أثرا بالغا ، على الأقل الرؤية و التعاطي اليومي مع هذا الواقع .
و الحقيقة ، حينما يلقي مدرس بالطالب من الدور الثاني ، فإنني لا أظن في هذا العام - في المدرسة محل الحادث - سيصبح لتحصيل العلم أيه قيمة في نفوس الطلبة ، باستثناء تعاطيهم مع المدرسة كحلقة أخري في مسلسل الخوف اليومي ، سواء من الاسرة ، أو من الشارع ، أو من السلطة ، و القائمة تطول.


يقول پول سيمن ، مغني المفضل :

When I think back , On all the crap I learned in high school.
It’s a wonder I can think at all.
And though my lack of education Hasn’t hurt me none.
I can read the writing on the wall








الحقيقة أتفق تماما..




21‏/02‏/2009

أربعة من خمسة


كنت قد كتبت منذ مدة عن "أخطبوطي" الفيلم المتحرك القصير ، كنت قد مدحت فيه علي ما يبدو مما أثار حفيظة البعض.
مرت الأشهر ، و هاهو الفيلم - الذي لا يعدو أن يكون مشروع تخرج جامعي - و قد أصبح ضمن الأفلام الخمسة القصيرة المرشحة للأوسكار في هذا العام.
الأفلام الخمسة رائعة ، و صادف أن كل فيلم منهم من دولة ، و كل فيلم بتقنية تحريك و رسم مختلفة تماما.
عثرت على أربعة من الخمسة على الشبكة ، أضعها هنا كنوع من الإبهاج ، و التعريف ، خاصة أن دور العرض في القاهرة لم ترينا أكثر من خمسة أفلام من إجمالي تجاوز الستين فيلما تشارك هذا العام.
أعتذر عن كفاءة بعض الأفلام ، لكن بعضها مقرصن كما نعلم جميعا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الياباني
Tsumiki no ie
هو الوحيد الذي لم أجد له أثر علي الشبكة ، باستثناء صور منه ، او مقتطفات قصيرة





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ










ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفرنسي
Oktapodi





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الانجليزي
This Way Up






ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأمريكي
Presto





أطلب من جار القمر ، أن يحاول العثور علي أفلام قسم الروائي القصير و التسجيلي القصير بالمسابقة ، بصفته منقبا معروفا في غياهب الشبكة.
و للمرة الثانية الأفلام مهداة لطلبة معهد السينما ، و خاصة قسم الرسوم.






.

01‏/02‏/2009

حول الانتصار

حينما كنت صغيرا ، كثيرا ما شاهدت صورة لخالي بزي عسكري في بيت الجدة ، كانت صورة صغيرة ، موضوعة في مكان واضح ، و كنت أعرف أن خالي قد استشهد في حرب اليمن.
لم يشغلني الأمر كثيرا في صغري ، و لكن انتابني فضول في مرحلة ما ، و أذكر انني سألت أمي ذات يوم :
-ماما ، هو مين اللي انتصر في حرب اليمن دي
قالت أمي بيقين قاطع ، و عين لامعة : مصر طبعا.

تنتابني هذه الذكرى و أنا ابحث في المعاجم حول معنى كلمة "انتصار" ، و هي كلمة لا بد من الوقوف عندها كثيرا في هذه الأيام تحديدا

"( انتصر ) - على خصمه استظهر ومنه انتقم"
المعجم الوسيط



و كنت جالسا مع بعض الصديقات ، و أخذن في الحديث مطولا حول أحداث غزة ، و حول "انتصار المقاومة"
بحسبة بسيطة ، قلت أنني لا أجد فيما حدث نصرا لحماس ، أو للفلسطينيين ، و أن ما حدث كان خسارة فادحة لشعب يعاني منذ سنوات ، ووقع ضحية طبخة سياسية مكشوفة بشكل فج و أن استمرار اسرائيل في ضرب حماس ، ممتد إلى مالا نهاية ، و تتغير اشكال المعركة اطرادا نحو الكبر، و إذا فقد المقاومون قدرتهم على فهم معنى بسيط جدا كـ " الانتصار" فلا أظنهم بقادرين على الإتيان به أبدا.

"وانْتَصَر الرجل إذا امتَنَع من ظالِمِه. قال الأَزهري: يكون الانْتصَارَ من الظالم الانْتِصاف والانْتِقام، وانْتَصَر منه: انْتَقَم. قال الله تعالى مُخْبِراً عن نُوح، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ودعائِه إِياه بأَن يَنْصُره على قومه: فانْتَصِرْ ففتحنا، كأَنه قال لِرَبِّه: انتقم منهم كما قال: رَبِّ لا تَذَرْ على الأَرض من الكافرين دَيَّاراً."



الزلزال الذي ضرب القدس في العشرينات ، الدمار واضح على كنيسة القيامة
و يظهر اثنان من ضباط الإحتلال الإنجليزي - المصدر


اتفهم تماما ، أننا بعواطفنا العربية الجياشة ، نرى حرجا كبيرا في اعتبار المئات قد ماتوا سُدى ، و بدمائنا الشرقية الحارة ننكر فكرة الهزيمة نكرانا بينا ، خاصة أن المقاومة "إسلامية" و لديها من المدد الإلهي ما يغنيها تحليلات المحللين ، و سفسطات المدونين من أمثالي.
عثرت على خطبة هنية الشهيرة بعد أحداث غزة ، و الحقيقة تابعت منطق الرجل و كلي أمل و تعاطف ، و رغبة مرتبكة في الدعم ، قال هنية: " إن ما يحدث في غزة الآن ، هو آية من آيات الله".
قمت برفع الصوت قليلا ، ربما..
قال: "إننا نعرف أن هذه الهجمة البربرية وهذا الغدر الصهيوني، ما هو إلا لأننا آمنا بالله رباً وبالنبي قائداً وبالإسلام ديناً وبالقرآن دستوراً، وبالجهاد سبيلاً."
قمت بخفض الصوت.
الحقيقة لم يكن ذلك ما اتوق لسماعه أبدا ، الرجل علي يقين كامل بنصر من الله ، و بأن الحرب حربا للإسلام ، و بحجة الإسلام ، و نصرة للإسلام . و الحقيقة تندر أي صيغ وطنية في حديثة قياسا بالأدعية ، و الآيات القرآنية .هذا فضلا عن اليقين التام بالنصر الإلهي - مرة أخرى -.
قال: "
نحن هنا لن نلجأ في هذه اللحظات إلا لله ونستجير به ونستعين بقوته وحوله، وعظمته وجبروته، ونحتمي بحماه ونركن إليه، لا إله إلا هو القهار ذو القوة المتين .." ، و ينحي هذا المنحى في غالب خطابه.
ثم كان كلام السيد نصر الله قائلا : "من لم يعترف بنصر المقاومة في لبنان ، لن يعترف بنصر المقاومة في فلسطين"
اتفق مع السيد لأول مرة ، فالسيد ذكي ، و يعرف أن منطقية تفكير البعض لن تقودهم إلى فهم أي نصر حدث في لبنان ، و طبعا لن يرون أي نصر حدث في غزة ، و أنا منهم.
اري ما حدث في غزة كالآتي:

١- اسرائيل ترفع سقف هجومها على أعدائها او من لا يروقون لها في كل مرة ، و كل حرب (لبنان/غزة) هم يختبرون الرأي العام العالمي ، و يجدون انهم يخرجون بمذابحهم كالشعرة من العجين. و بالتالي فالمرة القادمة أكثر قمعا و مرارة.

٢- نجح هنية و معيته في جعل انفسهم رموزا وقتية للكرامة و العروبة ، و أفئدة المسلمين هوت إليهم ، و لكن كسب تعاطف شعوب غير فاعلة - خاصة استنادا على الدين - هو أمر سهل في هذه الأزمنة ، و مع دعم رهيب من الفضائيات ، تصبح المهمة منتهية في يومين . ربما هذا ما عناه بالنصر ، أن حركته أصبحت الممثل الحقيقي للقضية الفلسطينية في أعين العرب ، و لكن لم ينتصر على عدوه. إنه انتصر على سلطة ابي مازن.

٣- النصر - في رأيي - هو أن يكسب احد الطرفين مكسبا كبر أو صغر لصالح أرضه/ جيشه ،/او حتى مبدئه ، و لكن لا أرى ذلك قد تحقق هنا علي أي شكل.

٤- حماس استغلت صور الشهداء ، لتكسب تعاطف الشعب العربي معها ، و لم تتحرك خطوة لدعم قضيتها دوليا ، و هكذا استمرت حرب اسرائيل تغذي مستنقع ازمتهم الداخلية.

٥- فلسطين حماس ، التي تتجلى في خطابه ، ليست هي فلسطين التي اتمناها ، أو ابتغيها جارة ، فلسطين التي تحكي عنها حماس هي ضد كل ما تمنيته أن يكون ، و وقفت لأجله في أي موقف ، و هذا لا يعني مطلقا أنني أبغض ما قامت به اسرائيل كل البغض ، و لا يعني مطلقا أنني احتسب من ماتو شهداء ، و إن كنت لا أعلم لأي قضية تحديدا.

٦- مسألة أن "
الفلسطينوين نجحوا في وقف العدوان والعدو فشل في تحقيق أي من أهدافه" و أن "الفلسطينوين في لحظة انتصار استراتيجي لنواصل الطريق لتحرير الأقصى والقدس" على حد تعبيره ، أراها مُذلة و مُهينة بعكس ما اقتضى لها أن تكون ، و كأن العدو إن لم يحقق كل اهدافه ، نكون قد انتصرنا ، و كأنه اصلا يعرف تحديدا كيف كانت اهداف العدو في هذه المرحلة ، و كأنه إن دخل قاتل على البيت ، و حاول قتل الاسرة ، و اختبأ الأب تحت الفراش ، و خرج ليجد اسرته قد نحرت ، فسيعتبر أنه انتصر.... أنا اعتبره محظوظا .


فلسطيني يقف على اطلال مدينة تاريخية
١٩٢٠
المصدر


أحيانا ، يشق على انفسنا رؤية الأحداث بعين ألهبتها صور الأشلاء ، و أوصال الأطفال ، و صفوف الجثث في الأكياس البلاستيكية ، و لكن إن كنا فعلا نبغي إيقاف هذه المأساة - التي تتكرر دوما - علينا باتخاذ منهجيه أخرى في التفكير ، و نهج وسيلة أخرى لاطلاق الأحكام ، أو أضعف الإيمان ، تسمية الأشياء بأسمائها.

نهاية ، تظل كلمات هنية : "
يا شعبنا المرابط، يا غزة العزة يا أيها المجاهدون الأطهار أنتم تصنعون اليوم، تاريخاً ...إننا نعاهد الله ونعاهدكم ونعاهد أمتنا وكل أحرار العالم بأن نبقى في مواقعنا حتى ولو قصفونا أو قتلونا أو فرقونا أشلاء {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون}، فهنيئاً لكم أيها الشهداء فهنيئاً لكم أيها الجرحى هنيئاً لكم يا خنساوات فلسطين يا رجال فلسطين، واستعينوا بالله واصبروا وتوكلوا على الله وتضرعوا إليه، ولن يخذلكم أو يضيعكم أو يكبتكم، ووالله الذي لا إله إلا هو ليكبتن عدوكم ويخزي المتآمرين عليكم......"

و أظل أتساءل في قرارة نفسي، أحيانا ، رغم كل ما عرفته لاحقا ، عن سبب موت الخال.



المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO