23‏/12‏/2008

واحد عادي


يعرف أي ذكر في أي مجتمع أرضي ، أن مساعدة صديقة أو زوجة أو قريبة في التبضع هي عملية مؤلمة جدا ، و تزداد سلبية تأثيرها وفقا لنوع التبضع الأنثوي ، و الحقيقة ، و لسوء حظي فقد وجدت نفسي أساعد إحداهن في أكثر العمليات إيلاما للنفس ، و هي شراء الماكياچ.
و تجنيبا لذاتي من مشاكل التنفس أو ارتفاع ضغط الدم ، تركت الفتاة ترعى مع إحدى العاملات ، منكبتان على اختيار اشياء باسماء فرنسية ذات فحيح , و تركتهما متسللا لأجزاء اخرى في المحل الضخم - الذي يعتبر تحفة في الإهدار الكهربي و الإضاءة الساطعة - مشاهدا الوانا و أشكالا من مستحضرات التجميل ، و صورا للفتاة النموذجية و هي تستخدم عطرا ما ، أو للشاب المثالي - الذي يفترضون أنني أفترض التحول إليه - و هو يستخدم عطرا ذكوريا آخرا ربما ساعده على تنميق لحيته. و جعل شعره أكثر إعجازا.
و بينما أنا علي هذه الحال ، شاهدت امرأة منقبة تتشح سوادا ، تقف أمام قسم أصابع الشفاه ، و كانت أمامها موظفة تبدو مرتبكة بعض الشيء . طبعا لم أفوت الفرصة ، و تسللت و يداي في جيبي حتى اقتربت من المشهد ، حينها لاحظت أن مع السيدة المنقبة طفلة صغيرة تقف إلى جانبها. و ايّما كانت دهشتي عندما وجدت الأم المنقبة تختبر الألوان على شفتي ابنتها الصغيرة.
كانت الأم - و الطفلة - خليجيتان من لهجتهما ، و كانت الام تجرب كل لون على ابنتها ، ثم تمسحه سريعا لتجرب الآخر.
ثار فضول العاملة ، فسألت السيدة:

- مش من الأفضل تجربي اللون على شفايف حضرتك أحسن
- لا ..لا ... شفايفي نفس لون شفايف بنتي ، بجرب فيها.

سكتت الموظفة. و كاننت الطفلة في ضيق تام من كثرة تلوينها و مسحها.
لم تلبث لحظات أن تمر ، إلا و كانت أكثر من موظفة تساعد السيدة لمجرد تبينهم أنها عربية - في تقديري - ، بل و أثنى بعضهن على فكرة احضارها لابنتها لهذا الغرض ، حتى أن الموظفة التي كانت تساعد صديقتي ، تركتها لحالها ، و ذهبت لتملق العربية لبعض الوقت.

نموذجان من الملصقات الدعائية المعتادة في بدايات القرن العشرين بفرنسا
تندرج تحت مدرسة (آرت نوڤو) ، العملان للرائع الفونص موخا
(يمكن تكبير الأعمال بالضغط)


ذكرني هذا بحوار حدث في أحد أقسام الشرطة بين إثنين من الأمناء
الأول: إيه اللي حصل في محضر الخناقة بتاع امبارح؟
الثاني: لا ، خلاص اصطلحوا
الأول: هي كانت بين مين و مين؟
الثاني: بين واحد سعودي ، وواحد عادي

الآن عرفت تصنيفي أخيرا.
واحد عادي



15‏/12‏/2008

ثلاثة لقاءات سريعة ، لا تصنع حباً

هكذا تحدث الأشياء.
بلا مبرر ، أو سبب واضح .
أفني ساعات نهاري مستحضرا أسبابا و محللا لنتائج التفاصيل اليومية الدائرة ، انظر للأحداث بشكل عقلاني ، أعيد دوما تركيبها في عقلي كعادة مكتسبة بلا وعي.
ثم تمر فتاة.
تقول كلمة أو اثنتين ، و تختفي بين زحام الحضور.
هكذا تحدث الأشياء ، و هكذا نقع في الحب ، بلا أية منطقية ، و بلا أية اسباب.

Do I need your permission to turn the other cheek?
If you can read my mind, why must I speak?

Bob Dylan



كل قصص الحب التي خبرتها، لم يكن أبدا من الممكن تفسير كيف بدأت ، و بعضها لا يمكن تفسير نهاياته ، و برغم ذلك ، حينما أفكر في العام الذي يمضي كل شتاء ، اول ما استحضره هو وقوعي في الحب و ما تلاه.
قد تتداعى بعد ذلك أفكار و رؤى الحرب و العمل و الأصدقاء الجدد و الكتب ، ووضعي المالي و الأسري و عالم كامل. و لكن جميعهم بعد تذكر فتاة أو أكثر .
استغرب كيف أن بعض من عرفتهن إن كنت قد حاولت تحليل ماجرى بيننا لما كان لنا ان نستمر ، و لما كان ممكنا لكل هذه السعادة أن تحدث.
و لا لكل هذا الحزن أيضا.

تأتي الفتاة لزمن ، يقصر أو يطول حسب تركيبة عبثية ، أؤكد أنه لا للقدر و لا لأفعالنا دخل سير الأحداث .
و لكنها تحدث كفصل في رواية سيئة ، ميلودرامية في الغالب ، قد اتعفف عن قراءتها .
ربما فعل عبثي كالحب - ذلك الذي يستوجب طاقة أكبر من المبذولة في أي فعل انساني عرفته - لم أعرف قوة قادرة على تسييره ، باستثناء روحه العابثة؟ لا أدري.

تمضي الفتاة ، و تأتي أيام ، اسابيع ، شهور من الوحدة ، قد أسميها في غمرة الزهو : حرية ، و لكنها حرية مستوحدة.
و تبقى حالة من الاستكشاف ، من سبر أغوار آخر جديد ، فتاة أخرى ، تمر و تقول كلمتين ، لتغيب وسط الحضور.
قد يتساءل الرائي عنها في صمته او بين المقربين.
بالنسبة لي هي ليس رغبة في المعرفة ، و لا فضول المكتشف ، و إنما رغبة في تذوق الشعور الفريد مرة أخرى.و لا أعني الحب ، و إنما معرفة عالم آخر جديد ، تأتي به فتاة لا أعرفها حاملة إياه على قدمين.

I see a lot of people as I make the rounds
And I hear her name here and there as I go from town to town
And I've never gotten used to it, I've just learned to turn it off
Either I'm too sensitive or else I'm gettin' soft

Bob Dylan



الجنس ، صوت قرقعة حوائط بالليل ، اصوات شخص يمشي بالشقة العلوية ، صوت انفاسنا على الفراش.
أحيانا فراشا صيفيا مبللا بعرق سرعان ما يجف ، و أحيانا تصفر رياح الشتاء من النافذة القريبة ، فتتدثر هي سريعا.
المواسم لا تشكل فرقا كبيرا ، و لا الأعمار
إنما هم الأشخاص ، أولئك القادمون و الغادون في حيواتنا الخاصة ، و أشد تفاصيلنا سرية ، يستمرون فينا بعد رحيلهم ، و مجيء آخرين ، وربما - ببعض الحظ - نستمر فيهم.
ربما لهذا ارتبط الجنس باستمرار البشر؟
و ربما لهذا ارتبط الحب بالرحيل؟

I been double-crossed now for the very last time and now I'm finally free,
I kissed goodbye the howling beast on the borderline which separated you from me.
You'll never know the hurt I suffered nor the pain I rise above,
And I'll never know the same about you, your holiness or your kind of love
Bob Dylan




كتبت ما فات بلا منطق ، و لا أي تنميق ، لانها هكذا تحدث الاشياء ، او ربما هكذا تتداعى في عقلي كلما خلوت.
ربما امتنانا لكل اللاتي عرفتهن يوما.
و ربما امتنانا لتلك الفتاة التي قابلتها لثلاث مرات .
اكتبه لأنني لا استطيع أن اروي للرفقاء و الأقربين ، فلا أعرف إن يفهمون ، أو لأنني لا أعرف كيف.
و في الغالب لن اعرف كيف أجيب إن سُئِلت : ثلاثة لقاءات سريعة فقط؟
فقط...


11‏/12‏/2008

بَرّه يُغني ، و العالم...

لم أضحك ، و لم أحزن.
فقط أصبت بنوع من الذهول . صمت قصير اعتراني بعد المشاهدة ، ثم أعدت المقطع من الأول و شاهدته مجددا.
ها هو ذا:



من يتابع كل حرف تنطقه ، سيعلم جيدا كيف وصل الشارع إلى هذا الحال.
من برنامج بسيط جدا ، و مسألة شديدة السلاسة كأغاني فريق البيتلز ، صنع البرنامج منها أكذوبة لتمر على المشاهد المسكين . و كنت أنا هذا المشاهد الطفل في حينها.
الحقيقة ، من يتابع جملة بجملة ، سيجد بذور قصص و ألفاظ و تلافيف إعلامية تستخدم في يومنا هذا على اسس أكبر كثيرا. و سيجد كيف تم نشوء فكرة " في العالم" كمعاكس للفظة " في مصر" ، و منه خرجت لفظة " بَرّه" الشهيرة ، كمصطلح يعني "العالم" ، تعبيرا عن عوالم لا نعرف ما يدور فيها ، و لن نعرف.
هنيئا لنا أننا في زمن لا نحتاج فيه ان "ندور في السوق" على أغاني البيتلز ، لأنه بضغطة زر ، يمكن مشاهدة افضل افلام البيتلز كاملا. و أفلام أخرى جيدة أيضا.
و لكن ، لا فكاك من تساؤل.
كيف تغاضينا حينها على ذلك؟ و كيف انطلى علينا؟
حقيقة لا أعرف.


02‏/12‏/2008

ديسمبر مرة أخرى

درجت على أن أتذكر ديسمبر بنوع من الأسى الخفي. بالنسبة إلى قد ارتبط دوما بالنهايات ، و ليست فقط نهاية العام الميلادي كما درج .
ديسمبر هذا العام أتى مختلفا. فطوال الشهر الماضي كان الماشي في ليل القاهرة يرى نجمتين شديدتي البريق ، تكادان تتعامدان في وضع يوازي خط زوال الشمس جهة الشمال.
هاتان النجمتان من أسطع أجرام السماء ، فهما كوكبي الزهرة ، و المشتري و قد اجتمعا في هذا الوضع النادر.

مع عشية غُرة ديسمبر ، أتى القمر هلالا ، حيث صادف بدء شهر قمري جديد ، و اقترب القمر من الكوكبين في السماء خالقين ابتسامة سماوية.
فهكذا اجتمع تقويمان ، اجتمعت ثلاثة اجرام ، اجتمع عيدان ، و اجتمع الناس على موائدهم لعيد الشكر.
هذه الظاهرة شاهدها اغلب سكان الأرض ، و إن اختلف البعض في كون القمر سيكوّن مع النجمتان وجها سعيدا أم حزينا.
للأسف كنت اعمل في غرفة مغلقة أثناء ليلتنا هذه ، حاولت الخروج للشرفة ، فاستعصت علي رؤية السماء من بين ظلال المباني، و تذكرت قصيدة صلاح جاهين.
لاحقا الليلة هاتفني اصدقاء ، مؤكدين أنها ابتسامة.

هكذا شهدوها في ، كاتمندو

ربما تهبنا هذه البسمة السماوية عاما قادما أفضل ، ربما تهبنا قدرة علي الابتسام في أيام تزداد إيحالا.
و ربما تمنحني شخصيا القدرة على النظر لديسمبراتي السابقة ، متذكرا هذه المرة شيئا مغايرا.
أو ربما هي محض مصادفة فلكية.

و نظرا لميولي الاكتئابية التي لا تتبدل، و كعادة مكتسبة ، أترك دامين رايس ، يغني أغنية سبتمبرية حزينة بعض الشيء ، لخلق توازن ما.



Damien Rice - I remember
المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO