27‏/10‏/2008

ِوحدة

هكذا سِرت وحيدا تماما ، في شارع متطرف نوعاً في وسط المدينة. كان الجو لا يزال رطبا بعض الشيء من أمطار البارحة ، و ضوء الأعمدة القديمة منعكس على الأسفلت المبلل ، كان الشارع ذهبياً خالصاً ، و كانت الساعة تقترب من الرابعة فجرا.
لا أحد في الشارع عَداي ، وقد تمر سيارة في العمق تقطع أفق الشارع الطويل.
و لكن كانت هناك موسيقى مستمرة ، منبعثة من آخر الطريق عالية تصدح ، لم تكن مزعجة أعترف ، هي شيء من مديح ربما .
سِرتُ .. فالموسيقى لا توحي إلا بتتبعها. و كان طريقي على أية حال.
وصلت لمحل كبير منير ، كان فرنا للخبيز ، و كان عماله يستمعون لياسين التهامي ، و يصفقون بإيقاع متكسر بينما يرتبون صَوانٍ سوداء ساخنة .
في المكان رائحة خبز طازج ، يخرج بخارها ليحلق في سماء الشارع و بناياته الأوروبية المتربة . التي تراصت على شرفاتها لوحات اطباء و محاسبون ، و لوحات كتبت بفرنسية أزمنة غابرة .
دخلتُ المحل ، سلمْت على الناس ، قلت أنني أحب التهامي ، فسلم علي آخر و سألني من أين أكون ، قلت "من القاهرة" بخجل لا اعرف مصدره.
هم من المنيا... تذكرت كم احب المنيا.
قلت في نفسي ، انني لابد ان اقضي نهارا على نيل المنيا الواسع قريبا .
اخذت بعض خبز يفوح بخارا ، نقدتهم ، و خرجت من المكان .. و في أذني ياسين التهامي لا يزال يكرر سؤاله لمعشوقه :

"أخذتم فؤادي وهو بعضي .... فما الذي يضركم إن كان عندكم الكُل؟"




وحدي قفلت نحو السيارة ، كانت بعيدة ، فكرت أنني ليتني لم آت بها ، أفضّل أن أترجل حتى بيتي ، و لكنني أسير الآن ، و الجو صاف . و التهم خبزا ذو طعم سكري بعض الشيء.
و بينما أنا على هذه الحال ، سمعت صوتا من ركن مظلم : بسسست .. بسسستت ..
و إذا بشاب قصير ، يرتدي السواد ، و له شارب منتوف ، قال : بطاقتك يا كابتن بعد اذنك.
دار حوار لا أذكره ، و لا أريد ، و تركته يرعى بسلام ، كما تركني هو لأعود في سلام ، و رجعت لسيارتي منطلقا بأقصى ما استطيع نحو البيت.
دخلت ، شاعر بوحدة نادر ما أشعر بها.
شعرت انني وحيد بكوكب موشك على الزوال. لا يفيدني الآن عشاق ، أو أصدقاء ، أو أحباب ، و لا أعرف لماذا.
و رغم أن ياسين كان لازال صداه في رأسي ، فقد دلفت لغرفتي ، نحو لاعب الاسطوانات ، و سمعت أكثر الأغاني وحدة مما أعرف.
ربما إن سمعتها أشعر بأنني لست وحيدا كما أتصور - قلت في نفسي - .
أخذ David Bowie يسري في المنزل . فكرت أنها أغنية مناسبة لنهايات الأشياء.



و إن كنت لا أعرف أية أشياء بالضبط .


"Am I sitting in a tin can
Far above the world
Planet Earth is blue
And there's nothing I can do
Though I'm past one hundred thousand miles
I'm feeling very still"

14‏/10‏/2008

مايونيز على المدينة

بنجاح ، أعترف أنني قاطعت التلفزيون بشكل كلي ، لا أفتحه مطلقا ، ولا علاقة لي بمسلسلاته و إعلاناته إلا فيما أراه لدى الأصدقاء او على المقاهي . و لكن لم أنجح - الحقيقة لم أحاول ابدا - في مقاطعة الراديو.
و لكني افكر في الأمر جديا الآن ، فقد حدث بينما أنا ضائع بسيارتي في حي الوراق ، أن سمعت إعلانا في الراديو بين الأغاني ، يقول الإعلان: " رنة تليفونك حلوه ، بس غريبة شوية! ، ليه؟ ما تحط رنات ألبوم محمد محي الجديد ، اتصل برقم ٠٩٠٠ ، إلخ".
بالصدفة كان معي في السيارة فتاة عملت في وظيفة " كرييتڤ" - هكذا يسمونها - في شركة إعلانات دولية لفترة ، و الـ "كرييتڤ" هو من يعمل في وكالة الدعاية - يسمونها "إيچنسي" - و يقوم بخلق أفكار للإعلانات ، و كتابة كلمات الأغاني فيها - يسمونها "چنجلز" - و يخلق صورة عامة للحملة و الوانها و مفرداتها - يسمونها "إميدچ".

قالت الفتاة: الكرييتڤ اللي عمل الإعلان ده ، بِيتارجِت (بيستهدف) شريحة الشباب اللي عاوزين يعملوا رنة طاقّة أو مختلفة.
قلت: و مالو؟
قالت: مالو ايه؟ كده أكل عيشهم حيقف كشركة رنات. هما عاوزين الناس تعمل رنات من الأغاني اللي بيعملوها.

فكرت مرة ثانية ، الحقيقة محتوى الاعلان مخيف فعلا ، فالمغزي الواضح هو " لا تقم بوضع رنة مختلفة ، لا تكن مختلفا ، استخدم محمد محي".

أصبحت أزداد انزعاجا في القاهرة في الآونة الأخيرة بينما اسير في الشارع القاهري لسبب رئيسي ، و هو أن المدينة أصبحت تحارب بشدة اي اختلاف فردي قد يطرأ ، هناك تواطؤ تام من المجتمع على "تقديس النمط" كما يتكرر ، و على منع أي محاولة للتفرد و لو علي سبيل الرنة.

لي صديق هولندي ، اعتاد قضاء وقت في مصر بشكل دوري لأسبابه الشخصية ، سألني ذات مرة إن كنت اعرف ما هو أكثر ما يكرهه في مصر؟
قلت: تحرشات الناس في الشارع بك كأجنبي؟
قال: هذه مقرفة ، لكن ما اكرهه فعلا هو" كوك دور".
"كوك دور" ، هو محل وجبات سريعة متعدد الأفرع ، لا آكل منه لأنني أعاف اللحم بانواعه .
قال لي: "كوك دور" يعبر عن مصر ، هم يقدمون عشرات السندوتشات ، لحم و دجاج و أسماك ، و كلها مغروقة في التوابل ، و المايونيز و الكاتشب معا، وعادة الجبن ، و الخيار المخلل ، و بالكاد تشعر بما تأكلة ، المهم انه ذو طعم قوي ، و هذا الطعم يكاد يكون هو طعم أغلب الأكلات. و يسود فوق نوع محتوى الساندويتش الاصلي الذي من المفترض انه شخصيته.
كنا نسير في وسط المدينة ، "طبق المعادلة على الشباب" قال: "الشباب يرتدون تيشرتات بترتر يلمع ، اينما تنظر ستجد شابا يرتدي منه."
".. و الفتيات يرتدين حجابا مبهرجا ، ملونا ، صاخبا ، انظر حولك. وأحذية فضية" - لم انظر ، فقد كنت اعرف -.
تذكرت صديقي هذا ، في العيد الماضي ، في مشهد بديع حينما كانت كل فتيات ميدان التحرير الهاديء صبيحة العيد ، يرتدين لونين: الأخضر الفسفوري ، و الأصفر الفاقع.
سألت نفسي : كيف أحببن جميعا ان يتشابهن مع الأخريات ، كيف هذا الهوس الرهيب بالانخراط في موضة سريعة ، اوقف عقولهن عن التساؤل حول إن كانت حقا تريد ان تكون كالأخريات؟ أو هل لها خيار فعلا؟
بالمناسبة ، عندما قلت كل فتيات الميدان ، فلم أبالغ ، أعني بالحرف الواحد :كل فتيات الميدان.
جولدن ڤرچينيا ، تبغ ادخنه كلما تعكر مزاجي ، و لا أتخيل هذين اللونين
مجتمعين في أي صورة ، عدى هذه العبوة.
لو فكرت في الفنون الشعبية ، و لا اقصد بالشعبية السيرة الهلالية ،أو شعبان عبد الرحيم، و لكن أعني الفنون التي يستهلكها الشعب يوميا كالأغاني ، و أفلام الصيف ، فسنجد أن هناك رغبة عارمة في التصدي لأي نوع من التفرد أو الاستقلال ، ربما هو خوف من المغامرة و الركون للمألوف ، لكن لا أنكر ان هناك أيضا نوعا من القمع من السلطة - مؤسسات حكومية و شركات عملاقة - لوأد أي تفكير خارج الصندوق خوفا من أن يقوض ممالكهم المستمرة و القائمة على إبقاء الحال على ماهو عليه.



هناك شركات بعينها- لا تتعدى اصابع اليد- تتحكم في سلوك جمهور المنطقة اكثر من حكوماته.

و في هذا الصدد و أذكر صديقا لي ، هو ملحن مبتديء ، لحن أغنية لحنا جذابا ، و فكر أن هذا اللحن مناسب لصوت مغني لامع جدا ، عانى صديقي هذا كثيرا حتى فاز بموعد مع النجم الاسطوري ، و أسمعه الاغنية.
اعتذر المطرب بلباقة و قال: " الأغنية اعترف انها حلوة ، بس جديدة قوي ، مش شبه أي حاجة سامعها.." و كانت هذه حجته - صادقا - لرد صديقي خائبا.
يعمل صديقي هذا الآن مدرسا في دولة الكويت. و الحقيقة هي نفس وظيفة والده من قبله.
و الحق ان الفتى بذل جهدا دؤوبا ليصنع لنفسه تاريخا مغايرا ، في بلاد تقدس التكرار.
و تكرار التكرار.

01‏/10‏/2008

نوستالچيا الجســر




كان الكوبري طويلا جدا ، حارا ، مكتظا بكل شرائح الأمة، و كنت اقطعه في اليوم مرتين.
حوالي ساعتين يوميا فوق الكوبري ، خلال اربعة أعوام . وحيدا ، لا شريك لي سوى سيارة قديمة متهالكة ، بلون طوبي باهت.
أحببت فتاة . و قدت منتشيا بها ، بطول هذا الكوبري ، و داخل ذات السيارة.
بكيت نفس الفتاة نهارا و ليلا ، وحيدا مستصغرا ، في نفس سيارتي المثابرة.
احببت أخرى ، و بكتني هي يوما إلى جواري ، في ذات الطريق ، و ذات السيارة.
ثم التقيت بأناس عشقتهم ، وودعتهم منها ، و ربما كانت آخر ذكرى لي في عقولهم ، ذكراي متحركا ببطء بسيارتي عالية الصوت في عباب المدينة.
شاهدت قصصا عدة و أنا اقود ، كتبت عن بعضها هنا ، و تجاوزت عن الكثير لاعتبارات ما.
تلقيت أخبارا عن مستقبلي ، و عن ماض دفنته ، في مقعد القيادة الحار عادة .
فقدت أحلاما إلى الأبد ، و بنيت أحلاما أخرى ، و أنا ممسك بهذا المقود الاسود الثقيل.
و على طريقة ميلودرامية اعتنقتها لفترة ، بدلت من توجهاتي ، و اعتنقت أفكارا بعينها ، و القيت بأخرى بعيدا بينما اقود فوق كوبري اكتوبر المزدحم ذاته.
هجرت شرق القاهرة ، و عشت في داخل المدينة ، قل التصاقي بالعربة ، ثم فضلت المسير أو ركوب المواصلات لأغراض بيئية بحتة.
تناقص اهتمامي بالعربة ، التي كثر عليها التراب في حيي الجديد العتيق.

و الآن ، وجدت انني متنازل عن سيارتي لشخص عزيز، تارك ماض كامل بداخلها ، تارك قدرتي على تذكر أحداث شكلت حياتي خلال خمسة أعوام ، سأقتني سيارة أخرى ، أقل ضررا بالمدينة ، و أكثر رفاهة و برودة ، معدنية بلا ذاكرة ، و برائحة مصطنعة مجلوبة من محطة بنزين تتشابه فيها الروائح ، و اشكال السيارات.

لماذا ترتبط الاشياء بتواريخها؟ و لماذا تتحول الأحداث إلى أنين شعري بعد سنوات؟

الصورتان من فليكر : ١ و ٢

لا أعرف لماذا أتذكر الأن يوم كنت في السيارة ذاتها ، مع صديق عراقي أوصله لبيته القاهري القسري
بدون سب سألني: هل تؤمن بالحياة ، أم بالشعر؟
قلت: أؤمن البحياة..
فالتفت لينظر نحو الشارع القاهري المزدحم ، و على وجهه أثر خذلان بسيط.


المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO