28‏/12‏/2006

أتذكر ديسمبر


ديسمبر هو شهر مؤسف حقا... بالنسبة لي هو مفعم بالذكريات ، ليس لأنني ابتليت بأن ُخلِقت فيه ، و ابتليت ببرج القوس المتفائل المتشائم ، التعس المُبْهَج ... و لكن لأن الإرادة الإلهية جعلت منه مفعما بالتذكر و الذكرى ...
أذكر أعياد ميلادي - التي عادة لا أحتفل بها ، و أتوتر ان تذكرها أحد ، و لكنها غالبا ما حوت شيئا حميما على مدى أطياف السنوات - ، كما أذكر أن الشتاء يعود ، و أن المطر سيهطل مرة أخرى ، و أشتاق للاسكندرية..
أذكر ميلاد النجار في كهف مقفر في فلسطين، و أذكر كيف تغير العالم. أذكر محلات الأقباط قي شبرا و هليوبوليس و هي مزينة بالاحمر، أذكر حفلات و ترانيم حضرت بعضا منها ، في الأوبرا ، أو القلعة ، أو داخل كنائس صغيرة...
أذكر محلات الخمورفي وسط المدينة و جاردن سيتي و هي مكتملة الإضاءة ، و تبيع نبيذا للعشرات في عرض الطريق..
أذكر حفلات رأس السنة الماجنة ، و حفلات رأس سنة اقتصرت على فردين ، و ربما فرد واحد أحيانا.
أكتب من اجل ديسمبر بكل قسوته و حنينه ، و أكتب ما تذكرته اليوم...
أو ما تذكرت أنني قد رأيت و سمعت في ديسمبري هذا ..
و عذرا لعدم الترابط..
فهي القاهرة!

-١-
كنت أسير في زقاق في وسط المدينة ، قبل الأعياد بأيام ، و بينما أجتاز بين شارعين و جدت بائعا للأحذية المهربة على ما يبدو، قلت لمن معي : حسنا ، فرصة لأشتري حذاءا جيدا و رخيصا ، قالت هي: لن يحدث ذلك أبدا...
سألت: لماذا؟!
قالت: هذا المحل قد كان مكتبة في يوم ما ، و الآن هو محل أحذية ، لقد كنت قد اشتريت منه كتاب أشعار لراهب ياباني ..
لم أجب..
قالت : لن أستبدل الشاعر الياباني بحذاءك ، ابتَسَمت ، و انطلقنا....

-٢-

بعد ذلك بعدة أيام دار هذا الحوار
#1 to #2: look, let me introduce you to Ahmad ... he works as (....) ، I told you about him before i guess..
#2 to me: Hello, it's a great pleasure ...
ME: Hi ... the pleasure is mine

دار هذا الحوار بين ثلاثة من المصريين - أنا من بينهم - في الشارع بالقرب من ميدان العتبة....

و في اليوم التالي دعيت على عشاء كريسماسي عتيد
و قابلت عدد من اصدقاء قدامى ، و أناس جدد ، منهن فتاة أوروبية ، حدثتها بأسبانية متكسرة سائلا إن كانت تفضل الحديث بالاسبانية أم الانجليزية ، ردت في عربية قاطعة : لأ طبعا .. بالعربي .. أنا مصرية!!
الفتناة اسبانية قلبا و قالبا و لم تخطو مصر إلا منذ ثلاثة سنوات ، و تعتبر نفسها مصرية.
لم أفهم شيئا!

-٣-

نويبع - أول الشهر -، خطبة صلاة الجمعة في مسجد المدينة ، تحدث الخطيب عن الشرور ، و اجتنابها ، و كيف أن الشر مهلكة ، و ما شابه ذلك ، و أضاف : و زي ما النبي عليه السلام ما قال... ابعد عن الشر و غني له!
قال الناس : صدق رسول الله!


-٤-
في نفس هذا الديسمبر ، و على الصعيد الموسيقي ، فقد أصدر دامين رايس (واحد من أكثر المغنيين كآبة و ظلمة على هذا الكوكب ) ألبومه الثاني ، بعنوان ٩، و الألبوم يمتاز عن سابقه بأنه حتي أكثر قتامة ، و أغانٍ مثل
Accidental Babies , 9 crimes, Gray Room
هي أعمال لا أظن هناك ما يتجاوزها حزنا ، وواقعية في احيان كثيرة ، و لذا أعدت الاستماع إلى الألبوم الأول مرة أخرى ، ولاحظت أن أغنية
I remember
تلك التي أسرتني لأيام و أيام ، كان يتحدث فيها عن ديسمبر
داميان مواليد شهر ديسمبر ، برج القوس
(اضغط على آسماء الأغاني للاستماع)
-٥-

قبل عيد ميلادي بأيام ، جاءني تليفون من صديق حميم ، و كان يعمل على ترجمة نص يسمى (أوسكار و السيدة الوردية ) و كان قد أرسل لي بعضا من ترجمته ، و الحق فقد كانت ترجمة بديعة لنص شديد الروعة ، و النص عن طفل مصاب بالسرطان ، و يعلم أنه ميت خلال أيام ، و لكن هذا الطفل ، تقنعه السيدة الوردية بأن يكتب خطابات لربنا ...!!
و أن يكتب في كل يوم خطاب ، و يتخيل في كل خطاب أنه قد كبر عشرة سنوات ... و بالتالي ، فالنص عبارة عن خطابات موجهة للخالق ، بلُغة طفل في العاشرة ، و يسرد فيها حياة كاملة من حب و احباط و عشق و عراك، و دين و علم و كل ما مر في خياله ...
النص قد لمس قلبي بمنتهى اليسر حينما أرسل لي صديقي هذا على بريدي الالكتروني ترجمته لأول خطابات أوسكار:

عزيزي ربنا:

انا إسمي أوسكار، عندي 10 سنين،ولّعت في الكلب و القطة و البيت (و اتهيألي، إن السمك الذهبي اللي كان جوه البيت هوه كمان اتشوى من النار)، و باكتب لك لأول مرة، علشان قبل كده ما كانش عندي وقت – علشان المدرسة انت فاهم بقى ..." ـ
و حينما انتهى الخطاب الأول كنت مشدوها بسحر النص و اللغة إلى أبعد مدى...

آدي الحكاية يا سيدي، و بمناسبة بقى أول جواب أنا شرحت لك الأحوال هنا في المستشفى اللي شايفيني فيها عقبة في طريق الطب و عاوز أطلب منك تنورني في الموضوع بتاعي: يعني أنا باختصار هاخف و لا لأ؟و ياريت لو تجاوبني آه أو لأ، يعني تحذف الإجابة الغلط و أنا هافهم، اتهيألي مش صعبة دي.

إلى اللقاء بكره، قبلاتي

أوسكار
ملحوظة: دلوقت أنا مش عارف عنوانك، هنعمل ايه بقى؟!" ـ


المهم ... حينما هاتفني صديقي هذا ، الذي ترجم النص ، سألني:
أليس عيد ميلادك في التاسع عشر؟
قلت : نعم!
قال: أتعرف أن أوسكار في النص بدأ أول خطاب في التاسع عشر من ديسمبر؟
قلت : ...
قال: أتعلم أنني عاكف عليها لأنهيها في يوم التاسع عشر من ديسمبر؟ ستكون هديتي لك ، أعلم أنك تحب النص!!!

في يوم التاسع عشر من ديسمبر - رغم كل أحداث هذا اليوم - فقد كانت معي أول نسخة مطبوعة من ترجمة هذا الكتاب ، مختومة بإهداء أعتقد أنه أرق ما وصلني في حياتي هذه قاطبة ، و كان الإهداء مذيلا بكلمة : القاهرة في التاسع عشر من ديسمبر


- ٦-
صدر لمحمود درويش نصا بعنوان "في حضرة الغياب" و أتى الديوان لمصر هذا الأسبوع ، و بهذة المناسبة تذكرت نصا من كتابه: "كزهر اللوز أو أبعد" ـ

إن مشيت على شارعٍ لا يؤدي إلى هاوية

قُل لمن يجمعون القمامة: شكراً!

إن رجعتَ إلى البيت، حيّاً، كما ترجع القافية

بلا خللٍ، قُلْ لنفسك: شكراً!

إن توقَّعتَ شيئاً وخانك حدسك،فاذهب غداً

لترى أين كُنتَ، وقُلْ للفراشة: شكراً!

إن صرخت بكل قواك، ورد عليك الصدى

"مَنْ هناك؟" فقل للهويّة: شكراً!

إن نظرتَ إلى وردةٍ دون أن توجعكْ

وفرحتَ بها، قل لقلبك: شكراً!

إن نهضت صباحاً، ولم تجد الآخرين معك

يفركون جفونك، قل للبصيرة: شكراً!

إن تذكرت حرفاً من اسمك واسم بلادك،

كن ولداً طيباً!

ليقول لك الربُّ: شكراً!ـ



12‏/12‏/2006

من وحي ما يدور

واقف أنظر من الشرفة ، أتأمل حديقة ذلك المنزل الهاديء العتيق ، أشرب شايا ، و تتقلب أفكاري .... كان الحي ساكنا ، و أسمع حفيف شجرة مانجو عملاقة ، يبدواأنها من عمر هذا الحي ، أو هذا المنزل ذو الثلاثة طوابق.
كانت تقوم بشيء ما بالداخل ، اقتربت و سألتني : سرحان في إيه...
و لما كان هذا السؤال يثير حفيظتي ، و يربكني دائما منذ كنت صغيرا ، فإنني أخيرا وجدت الحل ، أن أجيب باستفاضة عما يجري في خبايا عقلي ، داريا بأن خير عقاب للسائل هو أن يتعرض مباشرة لذلك، و لأجعله يدور دورة منهن ، فربما يكف عن السؤال ...
و رغم أنها تكبرني بأعوام ، إلا أنها صديقة جميلة ، فقررت ألاّ أضايقها ، و لن أطلعها سوى على أول دائرة فقط من ترهات عقلي ، قلت: بافكر في ليلى مراد ، كانت ساكنة في البلكونة اللي هناك دي ، يمكن زي ما أنا ما واقف هنا ، هي كانت من سنين واقفه هناك و بتفكر ، يمكن في أغنية ، يمكن في حد بتحبه ، يمكن في تغير ديانتها و لاّ لأ ، و أكيد كانت بتشوف نفس الشجرة دي.
سَكَتَتْ ..
و قالت فجأة : آه يعني ما بتفكرش في الفيل؟
قلت: فيل؟

فحكت لي حكاية ...
و ياللمصادفة ..
فقد كانت اعتادت أن تأتي من مكان بعيد مع أبيها الطبيب المشهور طفلة منذ سنوات بعيدة إلى نفس هذا المبنى الذي كنت أتأمله ، ليس لأي سبب سوى لتلعب مع الفيل ، فقد كان أحد سكان هذا المبنى المجاور - و هو صديق لأبيها - قد حصل على فيل صغير في الستينات ، و أدخله لحديقة البناية ، و جعل له خدما ، و أطباء، إلى أن كبر الفيل ، و أضحى من الصعب إخراجه من حديقة البناية الخلفية حيث عاش لسنوات ، نظرا لأن الممر الذي أدخلوه منه صغيرا و لم يعد يتسع كفاية لإخراجه الآن.
و حدث في الثمانينات أن مرض الرجل صاحب الفيل مرضا عضالا ، و أوشك على لقاء وجه كريم ، فأوصى الناس بالفيل ، و مضى ..
فما كان من أهل الرجل إلا أن استأجروا ونشا لرفع الفيل في كبد السماء ، و تخطي السور به ، ووضعه في شاحنة ضخمة اضطروا أن يخلوا الشارع الصغير لكي تمر ، و حمل الفيل إلى غير رجعة. إلى مكان بعيد مجهول.

....
سَكَتَتْ ، قالت أنها لم تشهد نقله، و لكن هكذا حُكِي لها ...
سَكَتَتْ مرة أخرى... كانت (ل) تتابع القصة ، و هي تنظر إلي بدهشة ، و أعلم لماذا ، فقد كانت هي الوحيدة التي كنت حكيت لها عن صوت الفيل الذي أزعجني في هذا المكان منذ بضعة أيام ...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كنت أشاهد فيلما في مهرجان السينما ، و كان أن قابلت عددا من أكابر السينمائيين و بضع نجوم أعرفهم عن طريق عملي ، فحدث أن جلسنا متجاورين في الصالة نتابع الفيلم الذي أحدث بعض المهاترات عند انتهائه ، و أخذ كل من الجالسين حولي في شحذ أسنانه ، مستعدا لأن يدلي بدلوه ، أو لأن يسكت و يستمع للآخرين متظاهرا بالحكمة ، أشفقت على مخرج الفيلم ، قررت الانسحاب ، و بينما أنا اتحرك ، إذا بفتاة صغيرة لا تتجاوز السابعة عشرة ، تقترب مني ، و تسلم علي بحرارة ، و لم تكتفي بذلك ، بل و احتضنتني بحرارة أكبر ... لا أعرفها ! قلت في نفسي لعلها أخطأت في الشخص ، سأحاول التصرف بلباقة ، فقالت لي: أحمد ... انت مش فاكرني؟!
سحقا ، انها تعرفني ، و أنا لا أذكرها..
....
اعتذرت أنني لا أعرف .. و أنني لم أنم منذ يومين ، و كل هذا الهراء.
فأخبرتني أنني كنت قد شاركت في ورشة عن صناعة الفيلم للأطفال منذ ٧ سنوات في الصعيد ، و هي قد كانت من ضمن الحضور من الأطفال ، و ها هي قد كبرت ، و أحبت السينما من حينها ، و هي الآن طالبة في معهد السينما... و في نفس تخصصي ..
شعرت أنني كبرت ، أو أنني فعلت شيئا كبيرا و لو لمرة ...
انعقد لساني ، و كانت الفتاة متحمسة لتعرف كل شيء عني ، و ماذا أفعل الآن ، و مع من أتيت، و لماذا أرتدي السواد ، و رأيي في الفيلم ... و الكثير و الكثير...
انعقد لساني ..
لم أستطع الحديث من تضارب ما شعرت به.
قالت كلمات قليلة عن الفيلم ، و كان رأيها أكثر ما سمعته صوابا و قربا للمنطق ، و تبنيت هذا الرأي من حينها ... رأي الفتاة الصغيرة الصعيدية.
سلمت الفتاة ، و غادرت القاعة ..
تعجبت من نفسي ، كيف أمكنني التعامل لساعات مع نجوم و نجمات السينما ، و مخرجين ، مديري تصوير متمرسين ...
و انعقد لساني أمام فتاتي هذه..
......
ياللأشياء الصغيرة ، ألن تكف ؟

المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO