30‏/08‏/2006

عَشْر في ذِكْرى محفوظ

قرأت مرة أخرى .. و بتأمل
:

دعاء

دعوت للثورة وأنا دون السابعة .

ذهبت ذات صباح إلى مدرستي الأولية محروسا بالخادمة. سرت كمن يساق إلى سجن. بيدي كراسة وفي عيني كآبة. وفي قلبي حنين للفوضى, والهواء البارد يلسع ساقي شبه العاريتين تحت بنطلوني القصير. وجدنا المدرسة مغلقة, والفراش يقول بصوت جهير :

بسبب المظاهرات لا دراسة اليوم أيضا.

غمرتني موجة من الفرح طارت بي إلى شاطئ السعادة ، ومن صميم قلبي دعوت الله أن تدوم الثورة إلى الأبد.




قبيل الفجر

تتربعان فوق كنبة واحدة . تتسامران في مودة وصفاء , الأرملة في السبعين وحماتها في الخامسة والثمانين . نسيتا عهدا طويلا شحن بالغيرة والحقد والكراهية , والراحل استطاع أن يحكم بين الناس بالعدل, ولكنه عجز عن إقامة العدل بين أمه وزوجه ولا استطاع أن يتنحى , وذهب الرجل فاشتركت المرأتان لأول مرة في شيء واحد وهو الحزن العميق عليه. وهدهدت الشيخوخة من الجموح, وفتحت النوافذ لنسمات الحكمة. الحماة الآن تدعو للأرملة وذريتها من أعماق قلبها بالصحة وطول العمر, والأرملة تسأل الله أن يطيل عمر الأخرى حتى لا تتركها للوحدة والوحشة .

الطرب

اعترض طريقي باسما وهو يمد يده . تصافحنا وأنا أسأل نفسي عمن يكون ذلك العجوز. وانتحى بي جانبا فوق طوار الطريق وقال :
- نسيتني؟!
فقلت في استحياء:
- معذرة , إنها ذاكرة عجوز!
كنا جيران على عهد الدراسة الإبتدائية وكنت في أوقات الفراغ أغني لكم بصوت جميل, وكنت أنت تحب التواشيح..
ولما يئس مني تماما، مد يده مرة أخرى قائلا :
-لا يصح أن أعطلك أكثر من ذلك.
قلت لنفسي : يا له من نسيان كالعدم, بل هو العدم نفسه, ولكني كنت وما زلت أحب سماع التواشيح.




الصور المتحركة

هذه الصورة القديمة جامعة لأفراد أسرتي..
وهذه جامعة لأصدقاء العهد القديم.
نظرت إليهما طويلا حتى غرقت في الذكريات.
جميع الوجوه مشرقة ومطمئنة وتنطق بالحياة.
ولا إشارة ولو خفيفة إلى ما يخبئه الغيب,
وها هم قد رحلوا جميعا فلم يبق منهم أحد,
فمن يستطيع أن يثبت أن السعادة كانت واقعا حيا, لا حلما ولا وهم



الأشباح

عقب الفراغ من صلاة الفجر, رحت أجول في الشوارع الخالية, جميل المشي في الهدوء والنقاء بصحبة نسائم الخريف, ولما بلغت مشارف الصحراء جلست فوق الصخرة المعروفة بأم الغلام.

وسرح بصري في متاهة الصحراء المسربلة بالظلمة الرقيقة, وسرعان ما خيل إلى أن أشباحا تتحرك نحو المدينة. قلت : لعلهم من رجال الأمن . ولكن مر أمامي أولهم فتبينت فيه هيكلا عظميا يتطاير شرر من محجريه.

واجتاحني الرعب فوق الصخرة , وتسلسلت الأشباح واحدا في إثر آخر تساءلت وأنا أرتجف عما يخبئه النهار لمدينتي النائمة..



فرصة العمر

صادفتها تجلس تحت الشمسية, وتراقب حفيدها وهو يبني من الرمال قصورا على شاطئ البحر الأبيض.
سلمنا بحرارة , جلست إلى جانبها عجوزين هادئين تحت مظلة الشيب.
وضحكت فجأة وقالت:
لا معنى للحياة في مثل عمرنا, فدعني أقص عليك قصة قديمة .
وقصت قصتها وأنا أتابعها بذهول حتى انتهت.
وعند ذلك قلت :
فرصة العمر أفلتت ، يا للخسارة.



الرحمة

البيت قديم وكذلك الزوجان ..
هو في الستين وهي في السبعين.
جمعهما الحب منذ ثلاثين عاما خلت, لم هجرهما مع بقية الآمال.
لولا ضيق ذات اليد لفر العصفور من القفص.
يعاني دائما من شدة نهمه للحياة, وتعاني هي من شدة الخوف ويسلي أحلام يقظته بشراء أوراق اليانصيب لعل وعسى.
كلما اشترى ورقة غمغم " رحمتك يا رب".
فيخفق قلب المرأة رعبا وتغمغم " رحمتك يا رب".


المليم

وجدت نفسي طفلا حائرا في الطريق. في يدي مليم, ولكن نسيت تماما ما كلفتني أمي بشرائه, حاولت ان أتذكر ففشلت, ولكن كان من المؤكد أن ما خرجت لشرائه لا يساوي أكثر من مليم


سؤال بعد ثلاثين عاما

بعد انقطاع عشرين عاما عن حي الشباب دعتني مناسبة إلى عبوره , لولا ما جاش في صدري من عواطف نائمة ما عرفته في عمائره الجديدة وزحامه الصاخب, وثبت عيناي على بيت قديم بقي على حالة فشعرت بابتسامة ترف على الروح والجسد. إنها اليوم وحيدة في الثمانين, وآخر لقاء جمع بيننا بالمصادفة منذ ثلاثين عاما حين أخبرتني بهجرة وحيدها إلى الخارج بصفة نهائية , ومضيت ومظللتي وقصدت الباب بعد تردد وضغطت على الجرس فتحت شراعة الباب عن وجهة امرأة غريبة فداريت ارتباكي بسؤال : إلا تقيم ست سامية هنا؟
فأجابت بسرعة:
- نحن نقيم هنا من ثلاثة سنوات !
تحولت عن موقفي في حيرة , وذهبت إلى مشواري وأنا أتسأل ترى أين هي؟ هل تقيم في حي آخر؟ هل لحقت بابنها في الخارج, هل رحلت عن دنيانا دون أن نعلم رغم القربى ؟ وهل يصلح ذلك نهاية لذلك التاريخ المؤجج بالعواطف والأحلام!
وجمعنى في نفس العام مأتم مع الباقين من الأسرة فسألت أحدهم :
- ماذا تعرف عن ست سامية ؟
فرفع حاجبيه بدهشة وقال :
- أعتقد أنها ما زالت تقيم في البيت القديم ! ـ



عيد الميلاد

ما أكثر ما يسير بلا هدف. وإذا التعب نال منه توقف, لكن لم يكف عن مناجاة الأشياء الثابتة والمتحركة ، في نهاية هذا العام يبلغ الثلاثين من عمره


عجباً .. فقد رحل الرجل
العزاء غدا في مسجد آل رشدان بمدينة نصر ، خلف الاستاد
و من قبله سيتحرك الجثمان من سيدنا الحسين ، بناء على وصية محفوظ
ـــــــــــــــــــــــ
المقتطفات السابقة من مجموعته " أصداء السيرة الذاتية" متاحة كاملة هنا (١) ـ
النص الكامل لرواية نجيب الممنوعة "أولاد حارتنا" متاحة هنا (٢) ـ

29‏/08‏/2006

خواطر الماشي


كان الوقت ليلا... و الصخب مستمر ، و لا فكاك من زحام المارة .
و كان الماشي وحيدا ، يتأمل من حوله ، و لا يتحدث
تذكر الماشي أنه لم يخاطب أحدا منذ عصر اليوم ، دندن نغمتين ليحرك صوته
نظر حوله ، و شاهد بلادا جديدة ، و أناس جدد ، ربما لم يعتدهم من قبل، كان ميدانا فسيحا ، و الباعة يفترشون الأرض ، و يصرخون بألوان و موديلات ، و القرآن يدوي مستمرا من المئذنة الشامخة.
نظر الماشي إلى بائع الكتب الذي كان يجلس أمام باب المسجد ، ذلك الذي كثيرا ما باعه كتبا جميلة ، تذكر نسخة من " اللص و الكلاب" بربع جنيه ، و تذكر محفوظ الراقد في الفراش.
كان الماشي يعلم جيدا أن أول رواية قرأها كانت لمحفوظ ، بعدما تجاوز مرحلة القصص المصورة ، و قصص الأنبياء في الخليج..
نظر لما حوته فرشة البائع .. فكانت أفلام الصيف على أقراص مدمجة ، و مصارعة حرة ، و أحاديث عمرو خالد .
كان الباعة يصدحون بنداءات لم يفهمها ، و مئذنة الجامع تردد دعوات ما...
و كان الرب متربعا بالأعلى.. كان يعلم أن المدينة تغرق ، و لا حراك. فقال الرب: ليكن سلام على الأرض، و لتكن البركة في الميدان . و أصبح الميدان مباركا...
ولوقت طويل ، كان الماشي غريبا في المكان .. لم يفهم ما يرى ، و لم يدرك ما سمع،
قال الماشي في نفسه : " إنني بعد شابا ، لست بكهل أو عجوز ، فمن أين لي بكل هذا الحنين إلى أيام ولّت؟"
" كيف تسنى أن خَبِرتُ كل هذا التغير في ذلك الزمن الوجيز؟" ...
كان الماشي يعلم أنه على حافة الهاوية ، أن الارتطام قادم لا محالة.. لم يجزع.. فقط أخذ تنهيدة ما...
و أطرق..

قال: لتكن الموسيقى، سلوى للروح ،و عذوبة للذات السقيمة.
وضع سماعاته في أذنه. و فكّر أنه ينبغي أن يعود للفراش
و بالصدفة سمع

"In restless dreams I walked alone
Narrow streets of cobblestone
'Neath the halo of a street lamp
I turn my collar to the cold and damp
When my eyes were stabbed by the flash of a neon light
That split the night "

" ان هذا الميدان يتغير بسرعة .. أسرع حتى من أن أدركه" قال في نفسه
و كان حزينا لأنه دوما ما اعتقد بقدرته على هضم الأشياء بسرعة.
و كان هناك بائع جرائد ما ، فقرأ على صفحة الأهرام الأولى كلمتين..
نجيب
محفوظ
بخط مبعثر ، و صورة تملأ صفحة أولى...
استجمع الماشي شجاعته
و سأل البائع: " هو نجيب محفوظ مات؟"
هز البائع رأسه بلا دراية
سأله الماشى عن هذه الصحيفة و ما تعنيه
أجاب البائع أنها "إعلانات مجانية"
.....
و اعطى للماشي هذا الملحق ليمضي في حال سبيله
"إعلانات مجانية" قال الماشي في نفسه.
نظر للملحق ، قرأ : للقيمة .. للقاريء
لم يفهم شيئا..
طوَىَ الصحيفة في حقيبته ، و اجتاز الميدان حتى وقف أمام ساتر من النور..
إضاءات ضخمة .. قرأ فيما بينها " قصب خير مزارعنا"
كان الماشي يمني نفسه بأي قدر من البهجة، دخل المحل ، دفع للملتحي ، ذلك الذي صاح بصوت هادر " واحد قصب للـ(أخ)"
سأل الماشي نفسه عن الماركات النحاسية القديمة ، تلك التي كنا نعطيها للساقي بدلا من أن ندفع له مباشرة..
كان الماشي يعلم أنه لم يعد من ماركات نحاسية ، فقد رآها تصبح رقائق ألومنيوم ثم دوائر بلاستيكية ، ثم أصبح النداء...
و كان القرآن عاليا هنا أيضا.
كان الماشي ذو حظ كبير في حفظ القرآن منذ أزمنة الخليج الغابرة، كان يعلم كل ما يقرأه المقرىء السعودي في هذا الجهاز التالف ، فقال أنه لا بأس من أن يعيد السماعات إلى أذنه.
فليس من جديد على أية حال..

سمع غناء ما ، و شاهد أناس ملتحين ، و نساء مكفنات ، و أجال بصره في الميدان باحثا عن شيء ما سعيد..
فلم يجد
و كان القصب قاتم اللون
حمضي المذاق
"
And I don't know a soul who's not been battered,
I don't have a friend who feels at ease
I don't know a dream that's not been shattered or driven to its knees
But it's all right, it's all right
For we lived so well so long
Still, when I think of the road we're traveling on
I wonder what's gone wrong
I can't help it, I wonder what's gone wrong
"

و بينما هو على حاله هذا ، شعر بهزة في الأرض ، و زئير محركات ، و صياح ناس، رفع رأسه لأعلى ، شاهد تمثالا ضخما يحلق.. و تتساقط منه أتربة لم ترى النور منذ الخمسينات ، و لم تر من قبل سوى أناس سعداء...
رفع الماشي كأسه الحمضي محييا التمثال...
و كان الجنود يصطفون علي الجوانب و زحام الناس يتابعون الحدث..

تذكر شادي عبد السلام ، و تذكر النساء و هم يبكون فجرا أثناء نقل التوابيت..

" أعطني اسمي في البيت الكبير..
و أعد إلى الذاكرة اسمي..
يوم أن تحصى السنين ..."


و رأى التمثال يبحر في غياهب المدينة ، و يختفي وسط الجموع ، و علم أنه من هذا اليوم ، فلن تبقى تلك البقعة كما عهدها، تذكر حينما كان طفلا ، و كان يجلس في المقعد الخلفي للسيارة ، و كيف كان يمد عنقه من الشباك محاولا رؤية أكبر قدر من التمثال ، و كان الماشي لم يشاهد من قبل نصبا بهذا الحجم في بلاد الخليج ، و لام على أباه كثيرا أنه كان يمرق مسرعا فلا يستطيع الرؤية...
تعجب الماشي كيف كان الميدان في وقت ما يمكن تجاوزه بهذة السرعة .
و تذكر أنه أصيب بهوس فرعوني في طفولته ، و دار على مكتبات الزيتون محاولا شراء كتب عن الفراعنة على قدر ما أوتي من ضئيل المال ، و تذكر كتابا عن حياة رمسيس الثاني ، بصور ذات طباعة رديئة لدرجة أنه لم يتبين أغلبها.. و لا زال يذكر البائعة ذات الصدر المكتنز ، و صليبها الذهبي الصغير.
و عزَّى نفسه: " ليس من أحد ينظر للتمثال بينما يعبر الميدان على أية حال"
" ربما كان هذا أفضل" ... قال.
ظل الماشي يسير في المدينة المزدحمة طويلا، كان الليل قد انتصف منذ مدة ، و لا زال الزحام .
ركب الماشي إلى هليوبوليس ، و هناك رأَى بوابة المريلاند ، أو لم يَرَها ، فقد أزيلت من عالمنا هذا في نفس اليوم.
كانت بوابة بيضاء فريدة الطراز . كان قد اجتازها مرات طفلا ، و طالبا ، و مُحِبا، قال في نفسه " منتزه مصر الجديدة" كان يذكر نفسه بما كُتِب يوما على هذه البوابة.
شعر الماشي بمؤامرة ما ، تذكر الكهل الذي كان يصيح في العمل قائلا أن اليهود وراء نقل التمثال ، وأنهم يكرهون رمسيس ، وأن حكوماتنا عميلة.
قال الماشي في ذاته أن جميعنا عملاء... الكل يشارك في هدم حياة عشناها يوما ، و ليس من أثر لها الآن.
و الكل ينظر للـ" يهود" ، و ينتظر ...
تذكر السكندري العجوز:

" إن الليل قد أقبل ، و لم يظهر أحد من البرابرة
ووصل البعض من الحدود ، و قالوا أنه ما عاد للبرابرة وجود
ماذا سنفعل الآن بلا برابرة؟
لقد كان هؤلاء الناس حلا من الحلول
."

و قبل أن يأوى الماشي لفراشه ، نظر إلى رف الكتب ، نظر إلى الأفلام ، نظر لموسيقاه ، و لورق كان قد اختط فيه شيئا سخيفا آخر ...
سأل نفسه عن الجدوى
سأل نفسه عن حل..
و أغلق هاتفه..
و نزع ثيابه..
و بينما هو في الفراش .. تذكر وجوه أناس عرفهم يوما و ماتوا ، و كان لا يذكرهم سوى مبتسمين..
أغلق عينيه بصعوبة...
و تذكر الله..
و سأله الرحمة...
....
و ظلت عينيه مغلقة حتى أشرق صباح جديد على مدينته.
معلنا وجوب بدء يوم جديد..
يوم جديد للجميع...
....
"لتكن المشيئة" ، قال في نفسه ..
....
و نهض مرة أخرى

..

17‏/08‏/2006

هليوبوليس - مرة أخرى

و ها قد وضعت الحرب أوزارها .. و انتهي الكابوس الحالي .. و إلى أن يأتي الكابوس المقبل .. و نبدأ في الشجب و الادانة و التظاهر و العويل و الدعاء و الخطابات و الملصقات و قناة الجزيرة و كل ما سيحتمله الوضع ... سأنحي بكل ٌآمالي و آلامي جانبا ..

و سأكتب عن واحة هليوبوليس

قد لا تجد حي آخر في القاهرة لازال يحوي بقايا تعددية و مجتمع غاية في التركيب و التجانس مثل المنطقة القديمة من مصر الجديدة، و أتكلم عن المنطقة البادءة من أول شارع ابراهيم اللقاني حتى نهاية ميدان تريومف ، مرورا بشارع الاهرام ( و الذي سمي بذلك لأنه كان من الممكن رؤية الأهرام في افقه ) و الكوربة و بواكيها الشهيرة ( و سمي بذلك لأنه كان شارعا منحنيا - على غير العادة في وقتها - و الكلمة بالايطالية تعني الانحناءة أو القوس) ، و كنيسة البازيليك التي استنسخت من كنيسة آيا صوفيا الشهيرة ، مرورا بميدان الجامع حيث ترى التحف المعمارية الني تكون بلوكات سكنية عريضة بحدائق - و قد أزيلت - من الامام و الخلف ، و التي صدمت حينما علمت أنها كانت بيوتا لعمال شركة مصر الجديدة و عمال المترو ، و من حولها بعض المباني السكنية التي على بعضها مآذن وهمية ، لخلق نوع من خداع البصر ، و لمحاكاة اللندسكيب القاهري الشهير.

كان أول غرامي بالمكان سببه المعمار قطعاً، لا أعتقد أنني أعرف في القاهرة مبان أكثر رقيا و جمالا ، و لا حتى مباني الزمالك أو جاردن سيتي ، و إن كانت توجد بعض النماذج الفريدة هناك أيضا... لكن عند الحديث عن حي بمجمله ، تخطيطا و معمارا و أناسا، و حياة... ستبقى هليوبوليس دائما..

و قد حدث ذات مرة منذ عدة سنوات أن و قفت مع تشكيل عند ناصية أحد الشوارع ، نشاهد مبنى بلجيكي الطابع - و لفظ بلجيكي يطلق في مصر الجديدة على عمارات الشركة الاصلية ، تلك ذات السُقُف العالية و الحوائط السميكة و الزخارف المشتقة من التراث الاسلامي ، و الذي امتازت به مبان المنطقة منذ ١٩٠٥ - و بينما كنَّا نشاهد المبني في أسى ، لما طرأ عليه من تصدعات و شقوق ، فإذا برجل عجوز وقف إلى جوارنا، و أخذ يتطلع إلى المبني معنا ، كان أبيضا و قصيرا ، ممسكا عصا و مرتديا بدلة و قبعة ، و قال لنا بعربيَّة معوجّة:
عمارة خِلوة خالص .. خسارة خيهِدُّوها...!
ثم انصرف في عجالة بعدها ، محييا إيانا برفعه للقبعة...
قلت أنا و تشكيل في نفس اللحظة : جريجي! ..
فَضَحَته عربيته الجميلة ، و روحه الضاحكة... و لا أظن أنه عاد في الامكان في أي بقعة في القاهرة أن تصادف أحدا من الطوائف المندثرة ، و تتجاذب معه بضع عبارات في ظروف عادية، و بلا سابق معرفة ، سوى هناك...





يمينا: شارع الاهرام و كنيسة البازيليك (١٩١٠)

يسارا : منظر علوي لقلب هليوبوليس
(١٩٢٩)







و لا زلت أقف مشدوها أمام مبان بعينها ، و كثير ما أنحي سيارتي المتهالكة جانبا و أسير في الشوارع الهادئة ، و سيظل فندق هليوبوليس الكبير - الذي هو القصر الرئاسي الآن - واحد من أبدع مبان القاهرة، بمعماره البديع و الآيات القرآنية الثلثية التي تحيطه، ، و يقال أنه كان في بداية القرن أكبر فندق في العالم!! هذا بحسب مراجع عدة ، و قد استخدم كمستشفى في الحرب العالمية ، قبل أن يستخدمه الرئيس مبارك أطال الله في عمره، .... ، و في مقابِله ما عرف بفندق هليوبوليس هاوس ، و كانت شرفته هي المكان الذي كان يغني فيه بوب عزام أغانيه الشهيرة مثل ( مصطفى يا مصطفى) و بعده بقليل مبنى سينما نورماندي بسقفه القرميدي المثلث الذي يشبه معمار منطقة نورماندي فاكتسبت الاسم ، و من قبله محل الامفتريون البديع الذي لا زال يعد من الأماكن النادرة التي يمكن فيها احتساء بعض البيرة الباردة مع الشيشة في مكان مفتوح ، فضلا عن طعام جيد جدا.. و إذا اجتزت إلى ميدان روكسي ، أقف دوما أتأمل تلك المنصة العجيبة ، كثيرة الزخارف و التفاصيل ، مزرية الحالة ، و قد علمت من كتاب ( مصر الجديدة - حكاية في مائة عام ، لنبيل شوكت) أن هذا هو آخر ما تبقى من مقصورة سباق الخيل الشهيرة ، التي كان مضمارها يكون ما يعرف الآن بشارع السبق (المريلاند) و قطاعا كبيرا من الحديقة نفسها.. و الآن يستخدمها الحزب الوطني المتاخم لها في لقاءاته الجماهيرية أو عروض كأس العالم. فضلا عن شارع الكوربة الحميم الذي لازلت أعتقد أنني قد أنقذت جزءا كبيرا من أشجاره من الهلاك... أو يريحني أن أتصور ذلك.
(*)


منصة السباق -١٩٤٦

وشارع ابراهيم -١٩٢٦



و صك من فندق واحة هليوبوليس



و قد تعجبت من كم الكنائس الرهيب ، و ازداد تعجبي عندما علمت أن هذه الكنائس تخدم - تقريبا - كل طوائف المسيحية في مصر، فتجد كنائس الروم الكاثوليك ، و الاقباط الكاثوليك ، و الكنيسة المارونية ، و كنيسة الادفنتست ، فضلا عن كنائس الاقليات ككنيسة الجريك الكاثوليك، و نادي أرارات ، وكنيسة و مدرسة الارمن الابتدائية. فضلا عن كنائس الارثوذوكس العتيدة..
و كما يوجد مبنى معبد فيتال ماجار في شارع المسلة ، ملحقة به ما كان يوما مدرسة الطائفة اليهودية ، و هو الآن يستخدم كمتحف مغلق للتراث اليهودي.
و لا زال من الممكن ملاحظة نجمة داود على مبان عديدة في المنطقة ، مثل بواكي آخر شارع الكوربة ، و أول شارع عثمان بن عفان و في شارع الاسكندرية ، فمن يرفع رأسه عاليا في القاهرة أعلى من لافتات المحلات الفينيل المضيئة سيشاهد تاريخا لن يقرأ في الكتب. و تعجبت حينما كنت أسير حول ميدان الاسماعيلية ، ووجدت محل للكلف يضع لوحة بخط رقعة جميل كتب عليها: "محل إسرائيل" ، و يبدوا أن المحل كان ملكا لشخص يهودي ذات يوم ، و صاحب المحل الجديد لم يغير اسمه رغم تقلب السنوات و الاحوال.

اشعر بالأسى أحيانا لأني أشاهد عائلات لم يعد يربطها الكثير بالمكان ، و أجد الاجيال الجديدة عادة ما يرغبون في الرحيل إلى أحياء أخرى ، و مبان جديدة.. و أعتقد أن استمرارية الحياة في نفس المكان جيلا وراء جيل ، تخلق ما يسمى بالوطن... و لكن بمعنى شخصي جدا... أقول هذا و في رأسي صورة لـ ٤ أجيال يتناولون الطعام في نادي هليوبوليس، الجدة العجوز القصيرة و ابنتها رمادية الشعر ، و ابنتها الشابة اليافعة ، و ابنتها الصغيرة المشاكسة.. الجميع اجتمع في مكان واحد ، بمفهوم واحد،تجمههم مفردات اجتماعية و بصرية واحدة ، فيما لا يمنع أن كلا منهم له ذاتية منفصلة..

فالعائلات التي تعيش في هليوبوليس تعلم أنك إذا احتجت مصفاة للمطبخ فتوجه إلى (خدر) البائع الشامي الذي يتحدث الفرنسية دوما في التليفون ، و إذا احتجت زرائر للقميص فتوجه إلى بابازيان و اشرح لصاحبة المحل الأرمنية طلبك، و المخبز عند ناصية شارع ابراهيم يقدم خبزا مدعوما ، و جيدا في نفس الوقت، و للاحتفالات فإن بولس يبيع النبيذ إذا كنت تشرب ، و إذا كنت لا تشرب فيمكنك ان تشتري فاكهة جيدة أو محمصات من ميدان الجامع، أو اكتفي بالحلوى السويسرية المعدة بعناية اسطورية من كريستين، و إفريمنز يبيعون الادوات المدرسية باسعار الفجالة رغم أن المحل مكيف الهواء ، هذا إذا كنت لا تنزعج من الايقونات و الصلبان العديدة المعلقة.
أسوق هذا و أنا أعرف أن عائلتي ( ليست هليوبلسية) تشتري كل احتياجاتها من الابرة للصاروخ من محل واحد متعدد الطوابق ، كمترو أو أولاد رجب أو المحمل حسب الظروف ، مضيعين مع المال علاقتهم بالجيرة ، بأهل المحلات الصغيرة و بشوارع حيهم.

لا أكاد أعرف معنى لكلمة
Neighborhood
في العربية ، فمعني الجيرة لا ينطبق على دلالة الكلمة ، و لكنها تعني " الحتة" أو المنطقة ليس بمعناهما الجغرافي و حسب و إنما بالمعنى الاجتماعي أيضا.
علاقة الانسان بالـ "حتة" ، هي علاقة تبادلية ، و ليست نفعية و حسب ، فبينما تسير في شارع ما فانت تعرف هذه الأماكن و أولئك الناس .. تؤثر و تتأثر بهم - كما في الاحياء الشعبية القديمة -. و الشوارع في ذلك الحين تصبح أماكن لممارسة الحياة ، فضلا عن الشراء و المشاهدة و التسكع و المعرفة ، عوضا عن أن شوارع مدينة نصر أو المهندسين مثلا : هي طرق تؤدي بك إلى وجهة ما .. و لا ينطبق عليها أي مما سبق..
فإذا تحول شارع إلى طريق أو اتجاه ، فقد فُقِد معنى الوطن في رأيي... و بعد سنوات، ذاكرتك لن تسمح لك باسترجاع وجه الكاشير في مترو... و لكن أهل هليوبوليس يعرفون وجوها متباينه إلى درجة أن أَختَصُّهُم بهذه التدوينة دوناً عن شُبْرا أو الزمالك أو الضاهر.. فالتعددية لا زالت.. و روح المكان لا زالت... حتى إشعار آخر.

أكتب ذلك بينما أطالع صرحا أسمنتيا قبيحا خارج غرفتي في حيي الجديد، و أعصر عقلي محاولا تذكر شكل الكاشير في أولاد رجب ... فأتذكر شيئا في وجهه.. زبيبة الصلاة؟... لا أذكر....

...





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)
أغلب المعلومات الواردة ، هي من كتاب ( مصر الجديدة - حكاية في مائة عام ، لنبيل شوكت) ، و الباقي من خبرات شخصية

..............

09‏/08‏/2006

بغداد .. تلك المدينة البعيدة



شاءت ظروف ما... أن أجد في حوزتي مجموعة من الشرائط التي صورتها كاميرات المراسلين في العراق... تتضمن ساعات من اللحظات الحية ، تؤرخ لما حدث بدءا من دخول التحالف لبغداد .. حتى يومنا هذا...

قد لا يتعجب مشاهد الجزيرة الدؤوب من هذه المادة. بحكم أنها تملأ الشاشات ليل نهار.. لكن الغريب بالنسبة لي هو كون هذه اللقطات لم تمس مونتاجيا،أي لم يتم تصنيفها و تقطيعها لإخراجها مصحوبة بصوت معلق فيما يعرف بـ: نشرة الأخبار

الناس فيها أحياء... شاهدت كلاّ منهم لدقائق طوال.. كيف يأكل أو يشرب.. كيف يتحدث.. كيف يرفض وجود المصور ثم يقبله بالتدريج.. أو آخر يرحب به و كأنه النجدة السماوية

كان أول ما لفت نظري هو ما عرف بـ " مقبرة الجيش العراقي" ، و هي مقبرة للدبابات و المدرعات بل و الصواريخ..الآلاف من الحديد المهتريء الذي يمتد على مرمي البصر . . بلايين من الأموال... كانت يوما سلاح الجيش العراقي..و الآن هي أكبر ساحة للخردة في الشرق الأوسط


ليس بسبب الامريكان فقط.. و إنما المقبرة هي نتاج حروب ضروس أكلت الشعب العراقي منذ عام ٨٠ إلي اليوم، حروب باسم العروبة تارة و الوطن الكامل تارة.. باسم الاسلام تارة و باسم دحر الثورة الاسلامية تارة.. و الشعب لا ينفك يمسك سلاحا.. و يمتطي مدرعٍة ما.. و يموت على حدودٍ ما..

ساحة الخردة ، هي كل ما تبقى للعراقيين من حلم الرفاه و الدولة المقتدرة، فالدبابات التي بناها النظام السابق من أقوات الناس ، أضحت هي اليوم مصدر قوت للناس ، فتجد العشرات يجدّون السير من الصباح ، رجالا و نساءا ، زرافاتٍ ووحداناً ، شيوخاً و أطفالاً ، نحو الساحة العملاقة ، في يِدهم المطارق و الشواكيش... لتبدأ رحلة الجمع اليومية.. كل يأخذ ما يستطيع خلعه: باب سيارة.. عداد صديء .. قذيفة فارغة .. علها تصلح للبيع .. آتية لهم بما يسد الرمق في هذه الأيام العسيرة.

قد تجد بينهم أمهات و آباء.. جهلة و متعلمين.. و لكن الفاقة تجمع الكل

تابع المصور رجل بنصف وجه مشوه... و سأله بعد عناء عمن فعل به هذا قال الرجل بتلقائية: صدام ، فقد بتروا أذنه لهروبه من الجيش.. و حبسوه ثلاث سنوات. و الوجه المشوه كان" كادو" من الجلادين فوق بتر الأذن حسب القانون

يبدوا لي أن بعض الحكومات تكون أكثر قسوة على شعوبها من أبشع ما يمكن تخيله


المُشاهد للبؤس و الشقاء الذي يتكبده الشعب ، والحزن الدفين فيهم.. لن يتمالك ألا ّيسأل كيف حدث ذلك في ثاني دول العالم امتلاكا للبترول.. في أهم القوى العسكرية في المنطقة، في احدى أعرق دول الشرق..

أعتقد أنه لا توجد سوى إجابة واحدة...ً

ليس الاستعمار الامريكي.. فالحال يسوء منذ الثمانينات.. و ليست اسرائيل طبعا

و لكنها الحرب.. لقد قضت الحرب على الحكومة التي كانت قد قضت على شعبها في الحروب


. و على ضفة نهر البصرة .. كان الصيادون يعيشون في حطام باخرة ضخمة في عرض النهر الضحل، و يأكلون خبزا قديما مع البصل، و على الضفة الأخرى كانت تماثيل لصدام و معاونيه تنتصب في شموخ. و يروي البعض أن هذا الحطام الهائل هو
يخت الرئيس




كان التناقض موجعا بين التماثيل الشاهقة البرونزية التي تشير نحو العدو (كان إيران في وقتها) ، و الصيادين الذين يحتمون في هيكل مركب صديء.

و بينما كنا نشاهد هذا البؤس الذي يحياه الناس، و كل هذه الاسلحة و الأموال و الارواح التي أهدرت في يوم ما ، من أجل قضية ما... كان صديقي الذي يشاهد معي متسمرا في ذهول، و لم يستطع سوى أن يعلّق : ** ام العرب

و لم استطع أن أجيب سوى بهزة من رأسي موافقا... فقد أضاعت أنظمة أجيال و أجيال من شعوبها.. و الشعوب ظلت خانعة مستسلمة تحت قمع الانظمة القومية الثورية العربية الاسلامية الاشتراكية العظمي... فالصورة لا تختلف في العديد من دول المنطقة.. و أغنى دول المنطقة لم تنجوا من الفقر و الشقاء ، و أفقر الدول لم تسلم من الحرب.

دائما هي الحرب.. أجيال ورا أجيال نمسك السلاح.... و نفدي قضية ما .. تتغير بتغير الظروف ..

و كما كتبت من قبل ، الحرب و استمرار التوتر في المنطقة، هو السبب الرئيسي لبقاء الحكومات العسكرية ، و عدم اقامة دول مدنية بدلا من حكم الشرطة و العسكر ، الذين هم قطعاً يحموننا من كل خطر و مكروه ، داخلي أو خارجي

حينما كانت انتخابات الرئاسية تجري في مصر ، قابلت احد الشخصيات المعروفين باتجاهه القومي ، و أعلن لي أنه لن ينتخب أيمن نور مهما حدث ، فكيف سيستأمن نور إذا قامت الحرب؟ و أخذ يسخر أن يتولّى شخص مثل نور فكرة اعلان الحرب أو وقفها، قال يلزمنا - في هذه المرحلة - رجل عسكري

و اندهشت من قوله.. و لكن بعض بضعة ايام كنت قد سمعت هذا الرأي من عشرات الناس، و ادركت إلى أي مدى ربِينَا على أن نفكر بمنطق الحرب

دائما هي الحرب.. أجيال ورا أجيال نمسك السلاح.... و نفدي قضية ما .. تتغير بتغير الظروف ..


سأل المراسل شخصا هل هو خائف بينما تتعدد الانفجارات بشكل يومي ؟ أجاب الرجل أنه لا يخاف الآن، طالما أنه ليس من أحد يصيح في الطريق، سائلا إياه عن هويته ، و قادر على اعتقاله... بينما أجاب آخر أنه لا يزال خائفا ، فربما يأتون للحكم مرة أخري.


التفجيرات في العراق يومية ، القتلى تجاوزوا الـ٤٠ ألفا.. و هو رقم مرعب، و ٩٠٪ منهم ضحايا عنف داخلي، فقد انتهت الحرب العسكرية و أفسحت المكان لحرب أهليه ضروس

:ووفقا لتقرير الـ آي بي سي


العام الاول لحرب العراق : متوسط القتلي في اليوم الواحد ٢٠

العام الثاني لحرب العراق : متوسط القتلي في اليوم الواحد ٣٠

العام الثالث لحرب العراق : متوسط القتلي في اليوم الواحد ٣٦


الحرب العسكرية توقفت.. و الأمريكان في طور الرحيل ، و الآن العراقيين وجها لوجه.

و عدد القتلي الذين قتلهم عراقيين هو أضعاف القتلى الذين كانوا قد قضوا على يد أمريكان


و يبدوا أنه في خضم هذه الحرب.. لا زالت الناس تخشى قمع الحكومة



دولة اسرائيل ، بكل عنصريتها و بغضها ، قامت باسقاط عشرات الآلاف من التحذيرات قبل كل ضربة جوية وفقا للبنانيين بانفسهم ، - و هو أمر لا أدري لماذا لا أسمع عنه كثيرا في الجزيرة - و بالتالي كان من الممكن انقاذ عشرات الاطفال من موت محقق.. ماذا حدث؟

مع كل المعونات و التبرعات للبنان ، استغل الناس هناك و في سوريا و الاردن الفرصة ، و بلغ سعر اجلاء المواطن الواحد من اللبنانيين ١٠٠٠ دولار بحسب مصادر عديدة ، مما أدى إلا بقاء غير القادرين.. فتساءلت .. من أكثر قسوة علينا .. العدو الصهيوني؟ أم العرب أنفسهم؟

الموقف يزداد تعقيدا .. لغة الحرب تسود.. و بدأت أشعر أننا لا نتكلم غيرها...




:العاملون في مجال الطباعة و النشر لهم قول طالما أعجبني


" القاهرة تكتب ، و بيروت تطبع ، و بغداد تقرأ"


اليوم ، بغداد لا تقرأ ، و لبنان لا تطبع ، فهل ستستمر القاهرة في الكتابة؟

المدونة و التدوينات ، بلا حقوق فكرية ، باستثناء الأعمال الفنية و الموسيقات فهي ملكية خاصة لأصحابها.

  ©o7od!. Template by Dicas Blogger.

TOPO